وقال أبو اليقظان: ومن بني مرة بن عبيد: مذعور بن هزال كان له مال وقدر بالأهواز.
ومن بني مرة بن عبيد عن الكلبي: عمارة بن سليمان بن قيس بن عمارة بن مرة بن مرثد بن حميري بن عبادة بن النزال بن مرة، كان شريفا.
وقال أبو اليقظان: هو عمارة بن أبي سليمان، كان خطيبا لسنا بالكوفة، وقد ولي الولايات، ويقال إنه دعيّ، وله عقب بالكوفة (^١)
قال الكلبي: ومن بني مرة بن عبيد أخي منقر بن عبيد: الأحنف واسمه الضحاك بن قيس (^٢) بن معاوية بن حصين بن حفص بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد.
وقال غير الكلبي: اسم الأحنف صخر بن قيس، ويكنى الأحنف أبا بحر، ولد: أحنف. والحنف: إقبال إحدى القدمين بأصابعها على الأخرى. وقالت أمه حبّة بنت عمرو الباهلية، ويقال حبّى، وهي ترقصه:
والله لولا حنف برجله … وضعفه ودقة من هزله
ما كان في فتيانكم كمثله
وكان حليما. ولما أتى رسول النبي ﷺ بني تميم، يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، قال الأحنف: إنه يدعوكم إلى مكارم الأخلاق وينهاكم عن ملائمها، فأسلمت بنو تميم، وأسلم ولم يفد على النبي ﷺ، ووفد على عمر رضي الله تعالى عنه مع وفد من قومه، فقال: يا أمير المؤمنين أتاك وفود
_________________
(١) بهامش الأصل: بلغت عرضا بالأصل الثالث، ولله كل حمد.
(٢) بهامش الأصل: الأحنف بن قيس، ﵀.
[ ١٢ / ٣١٠ ]
العرب، وأهل الأمصار، وقد نزلوا في مياه عذبة، وجنان مخصبة في مثل حولاء السلي، وحدقة الحمل تأتيهم ثمارهم لم تخضد، وإنا نزلنا في سبخة نشاشة مالحة هشاشة، جانب منها البحر الأجاج وجانب الفلاة، فألا تمدنا بفضل عطاء أو زرق نهلك، فحبسه عمر عنده حولا حيث أعجب بكلامه ليستبرئ ما عنده فلم ير إلا ما يحب. فقال عمر: إنا كنا نحاذر كل منافق عليم، وإني قد خبرتك حولا فرأيتك ذا جول (^١) ومعقول، وأذن له فقدم البصرة.
وحضر مجلس عمر، فذكر عمر بني تميم وقال فيهم، فقال الأحنف:
يا أمير المؤمنين منهم الصالح ومنهم الطالح، فقام الحتات المجاشعي ليتكلم فقال له عمر: اجلس فقد كفاكم سيدكم الأحنف.
وحدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: قدم الأحنف على عمر بن الخطاب في أهل البصرة، فجعل يسألهم رجلا رجلا، والأحنف جالس في ناحية البيت في بتّ لا يتكلم، فقال له عمر: أما لك حاجة؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين إن مفاتح الخير بيد الله، وإن إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة، والجنان الملتفة، ونزلنا بسبخة نشاشة لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها، من قبل المشرق البحر الأجاج ومن قبل المغرب الفلاة، فليس لنا زرع ولا ضرع، تأتينا منافعنا وميرتنا في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف فيستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة كذلك فتربق ولدها كما تربق العنز، نخاف بادرة العدو، وأكل السبع. فإلاّ ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا.
_________________
(١) الجول: العقل والعزم. القاموس.
[ ١٢ / ٣١١ ]
فألحق عمر ذراري أهل البصرة في العطاء، وكتب إلى أبي موسى الأشعري يأمره أن يحفر لهم نهرا (^١) وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس: الرجل الكامل من تحفظ هفواته.
حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المدائني عن كليب بن خلف قال:
تذاكروا الصمت والمنطق عند الأحنف، فقال قوم: الصمت أفضل، وقال الأحنف المنطق أفضل، لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه، وفضل المنطق ينال من سمعه، وإن ملاقاة الرجال تلقيح لألبابها.
حدثني الحرمازي عن أبي الفضل العميّ عن أبي عامر العطاردي قال: قدمت عير للأحنف بن قيس، فخرج يتلقاها ومعه فتى كان يلزمه فيعجبه صمته ويحسب أن ذلك لحسن استماع، فلما برز الأحنف إلى الجبان نظر الفتى إلى غراب محلق في السماء فقال: يا أبا بحر أيسرك أنك بمكان هذا الغراب ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال الأحنف: لا يا بني ولرب ناطق هو أعيا من صامت.
المدائني عن جهم بن حسان قال: حبس مصعب بن الزبير قوما، فقال له الأحنف: أصلح الله الأمير إن كنت حبستهم بباطل فالحق يخرجهم، وإن كنت حبستهم بحق فالعفو يسعهم، قال: صدقت، وأخرجهم.
وقال الأحنف، ورأى من مصعب تجبرا: عجبا لمن يتجبر وقد جرى
_________________
(١) الخبر بالتفاصيل نفسها في البلدان للبلاذري تحقيق د. سهيل زكار - ط. بيروت ١٩٩٢ ص ٤٠٣.
[ ١٢ / ٣١٢ ]
في مجرى البول مرتين، ويقال إنه مد رجله وهو معه على السرير، فقال هذا القول.
المدائني عن كليب بن خلف وغيره أن الأحنف بن قيس قال: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم، أتى مولى له صائغ وقد ضرب رجل يده بسيف فأبانها، والرجل معه، فلما نظر إلى الرجل قال: قد وهبتك يا هذا لله فاتق الله ثم نظر إلى مولاه فقال: يا بني قد غمنا ما أصبت به وأنت في عيالنا ما بقيت.
قال: وأتي ذات يوم بابنه مقتولا وبقاتله، فقال: روعتم الفتى ورعبتموه ثم أقبل عليه فقال: ما أردت إلى ابن عمك وهو عضدك ويدك ونصيرك، والله لقد نقصت عددك، وضعضعت ركنك، وأسخطت ربك، أطلقوه، فأطلقوه وما حلّ حبوته ولا قطع كلامه ولا تغير لونه.
المدائني عن عوانة قال: لما نزل أصحاب المختار على حكم المصعب بن الزبير، شاور الأحنف في أمرهم فقال الأحنف: أرى أن تعفو عنهم فإن العفو ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (^١). فقال أشراف أهل الكوفة: لا تعف عن هذه الموالي واضرب أعناقهم فقد بدا كفرهم، وعظم كبرهم، وقل شكرهم، وضجّوا. فلما قتلوا قال الأحنف: ما أدركتم بقتلهم ثأرا، فليته لا يكون في الآخرة وبالا.
المدائني عن كليب وغيره قالوا: قال الأحنف: رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه، ومن لم يصبر على كلمة تسوءه سمع سبعا.
وقال رجل للأحنف، ويقال لضرار بن القعقاع: والله لو قلت واحدة
_________________
(١) سورة البقرة - الآية:٢٣٧.
[ ١٢ / ٣١٣ ]
لسمعت مني عشرا، فقال: لكنك والله لو قلت عشرا ما سمعت مني واحدة.
وقيل للأحنف: من السيد؟ قال: الذليل في عرضه، الأحمق في ماله، المطّرح لحقده، المعين لعشيرته.
المدائني عن كليب بن خلف وغيره أن غيلان بن خرشة الضبي قال للأحنف: يا أبا بحر ما بقاء ما فيه العرب قال: ما تقلدوا السيوف واقتطعوا العمائم، وركبوا الخيل، ولم يكونوا فوضى، ولم تأخذهم حمية الأوغاد. قيل وما حمية الأوغاد؟ قال: أن يعدوا الحلم ذلا، والتعافي فيما بينهم ضيما.
المدائني عن كليب بن خلف وغيره أن غيلان بن خرشة الضبي قال للأحنف: يا أبا بحر ما بقاء ما فيه العرب قال: ما تقلدوا السيوف واقتطعوا العمائم، وركبوا الخيل، ولم يكونوا فوضى، ولم تأخذهم حمية الأوغاد. قيل وما حمية الأوغاد؟ قال: أن يعدوا الحلم ذلا، والتعافي فيما بينهم ضيما.
المدائني عن الهذلي قال: قال الأحنف: ما أحب أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم ودهمها، فقال له رجل: أنت أعز العرب فقال: إن الناس يرون الحلم ذلا.
الحرمازي قال: فقد الأحنف بحرا ابنه يوما أو يومين، فلما رآه قال له: أين كنت لله أبوك؟ فقال: كنا نكسح، يريد كنا نشرب. فقال:
وهل جاء ما كنت فيه بخير قط؟ وقيل له: ألا تكون مثل أبيك؟ فقال: أكسل عن ذاك.
وحدثني الحرمازي قال: جرى بين الأحنف وبين رجل من الشعراء كلام، فقال له الشاعر: والله لأشتمنك شتما يدخل معك قبرك، فقال:
يا بن أخي إنما يدخل معك قبرك دوني، إن الكلم الصالح يزين صاحبه في الدنيا ويلقى خيره في الآخرة، وإن الكلم السيء شين عاجل، وشر آجل.
المدائني أن رجلا رفع إلى مصعب بن الزبير، وقد اتهم بسرق أو غيره، وعنده الأحنف بن قيس، فقيل للمتهم: أصدق الأمير. فقال
[ ١٢ / ٣١٤ ]
الأحنف: بعض الصدق معجزة.
حدثني الحرمازي عن جهم السليطي أن بحر بن الأحنف قال لجارية أبيه زبراء: يا زانية. فقالت لو كنت زانية لجئت أباك بمثلك، فقال الأحنف لابنه: يا فاسق لقد أفحشت ولؤمت، وقال لجاريته، لقد أغرقت في النزع وما أبقيت على أختك، وكلاكما مسؤول عن قوله، ومأخوذ به، فاتقيا الله.
وكان بحر بن الأحنف مضعوفا، فقيل له: ألا تكون مثل أبيك؟ فقال: وأيكم مثل أبيه؟ وتزوج بحر فولد له سعيد بن بحر.
فتزوج سعيد بن بحر حفصة بنت ربعي بن عمرو بن الأهتم، فمات ولم يولد له، ولم يبق للأحنف عقب من ذكر ولا أنثى، وكانت للأحنف ابنة ماتت.
حدثنا أبو الحسن عن جعفر بن سليمان الضبعي عن المعلى بن زياد عن الحسن أن الأحنف خرج في وفد تستر إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فلبس الوفد ثيابا جددا، ولبس الأحنف بتّا، فلما رآهم أعرض عن الوفد وأقبل على الأحنف فقال: بكم أخذت البتّ؟ قال: بأربعين. قال: فهلا بعشرين وقدّمت الفضل، قال: يا أمير المؤمنين إن قومي حديث عهدهم بالجاهلية فأردت أن يروا للإسلام عليّ أثرا حسنا، فطفق عمر يسائل الأحنف، والأحنف يقول: يا أمير المؤمنين أميرنا مجاشع، فلم يكلمهم، فانصرفوا فقال الأحنف: كره أمير المؤمنين زيكم فالقوه بغير هذا الزيّ، فغدوا عليه في ثياب الحرب مصدأه، فأقبل على مجاشع فساءله وساءل الوفد ثم انصرفوا إلى أبي موسى، واحتبس الأحنف حولا، ثم دعاه فقال: إني
[ ١٢ / ٣١٥ ]
خفت أن تكون منافقا فارجع إلي بلدك وقومك فما بهم غنى عنك، واتق الله ربك.
المدائني عن مصعب بن حيان عن جويبر عن الضحاك قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى ﵄ في العام الذي مات فيه أن وجّه الأحنف في خمسة آلاف إلى خراسان، فتوفي عمر قبل أن يسرحه.
المدائني قال: قال المنذر بن الجارود: أعطي الأحنف ما لم يعطه أحد. وفدنا على معاوية فلم أدع شيئا من حسن الزي والهيئة إلا اتخذته، وخرج متخففا رث الهيئة، فكنا إذا نزلنا منزلا أظهرت ما عندي من الهيئة وتلبست، وخرج الأحنف في بت، ولا يراني أحد ممن لا يعرفنا إلا قال:
هذا الأحنف، والأحنف في بت ولا أذكر أنا.
المدائني عن بشار بن عبد الحميد عن أبي ريحانة قال: وفد هلال بن وكيع وزيد بن جلبة، والأحنف بن قيس إلى عمر، فقال هلال بن وكيع:
يا أمير المؤمنين إنا غرّة من وراءنا، ولباب من خلفنا من قومنا، وإنك إن تصرفنا بالزيادة في أعطياتنا والفريضة لعيالاتنا يزود الشريف منّا لك تأميلا، وتكون لذوي الأحساب أبا برا، وإلا تفعل تكن مع ما نمتّ بفضله، وندلي بأسبابه كالجب لا يحل ولا يرحل، ثم نرجع بأنف مصلومة، وجدود عاثرة فمحنا وأهلينا بسجل من سجالك مترع.
وقال زيد بن جلبة: يا أمير المؤمنين زود الشريف، وأكرم الحسيب، وأودعنا من أياديك بما يسد الخصاصة، ويجبر الفاقة فإنا بقفّ من الأرض يابس الأكناف، مقشعر الذروة لا شجر فيه ولا زرع، وإنّا من العرب إذ أتيناك بمرأى ومستمع.
[ ١٢ / ٣١٦ ]
ثم قال الأحنف: يا أمير المؤمنين إن مفاتيح الخير بيد الله، والحرص قائد الحرمان، فاتق الله فيما ولاك فيما لا يغني عنك يوم القيامة، واجعل بينك وبين رعيتك شيئا يكفيك وفادة الوفود، واستماحة المستميح، فإن كل امرئ يقرى في وعائه إلا الغل ممن عسى أن تقتحمه الأعين، فكان الأحنف أحمدهم قولا عند عمر.
حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ علي بن زيد أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى أن أدن الأحنف وشاوره واسمع منه.
المدائني عن سوار بن عبد الله قال: وفد الأحنف على عمر فقال له:
أعمك المتشمس؟ قال: نعم.
المدائني عن مسلمة بن محارب عن عيينة بن عبد الرحمن الجوشني أن معاوية قال للأحنف: أتراني نسيت لك اعتزالك بالبصرة وقريش تذبح في نواحيها كما يذبح الحيران (^١) لا تأمر بمعروف ولا تنهى عن منكر، أو تراني أنسى طلبك الحيل في أمر أتانيه الله لتبطله، يعني يوم الحكمين. فقال الأحنف: «صدقني سنّ بكره» (^٢)، لا آتيه في حاجة أبدا.
وعن مسلمة قال: جعل قوم لرجل جعلا إن سفّه الأحنف وأغضبه، فأتاه فقال: لا حياك الله يا أحنف، فلم يجبه، فأعادها مرارا فلم يجبه، فانصرف الرجل فقال الأحنف: قاتلهم الله لقد علموا أين وضعوا خطرهم.
_________________
(١) بالأصل: خيزان ولا وجه له، وتقدم الخبر في صفحة ١٨٧١ حيران. والحيران الذي لم يهتد إلى سبيله. وبناء عليه جرى التقويم.
(٢) صدقني سن بكره، من أمثال العرب في باب تصديق الرجل صاحبه عند اخباره اياه. الأمثال لأبي عبيد ص ٤٩.
[ ١٢ / ٣١٧ ]
قال: وقال الأحنف: ما قست منزلتي عند أحد بمنزلتي في نفسي إلا وجدتها دونها.
وسأل الأحنف قوم فقال: إن شئتم أعطيتكم درهمين، وإن شئتم أعطيتكم ألفين، قالوا: اختر لنا، فلما خرج العطاء حمد الله وألقى لهم درهمين فألقى الناس كلهم درهمين درهمين فقاموا بكساء يحمله أربعة.
وكان الأحنف يقول: لأن أدعى من بعيد أحب إلي من أن أدفع من قريب.
المدائني عن طفيل بن أبي حفص قال: أتى رجل الأحنف فقال: يا أبا بحر إني أريد مشاورتك، فأقبل الأحنف عليه فقال الرجل: إيه يا أبا بحر.
فقال: منك ينتظر الابتداء بالقول رحمك الله.
وقال الأحنف: ما يسرني أني نزلت بدار معجزة واني أسمنت وألبست. فقيل يا أبا بحر وما يراد من دار الجزم (^١) غير هذا. قال: إني أخاف سوء العادة.
قال: وكان الأحنف إذا أتاه رجل وهو في مجلس ضيّق تحفز وتحرك يريه أن يوسع له.
المدائني عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن بيان عن الشعبي قال:
قدم مصعب الكوفة بعد قتل المختار فقيل: إن أحنف أهل البصرة في المسجد، فجئنا ننظر إليه، فإذا هو محتب حمائل سيفه، واضعا مرفقيه على ركبته، وقد شبّك أصابعه، وتميم مطيفة به، وأكب الناس ينظرون إليه.
فأراد قومه على شيء فقالوا: لا. فرفع رأسه إلى النظارة فقال: إن بني تميم
_________________
(١) جزم. قطع واليمين أمضاها، والأمر قطعه قطعا لا عودة فيه. القاموس.
[ ١٢ / ٣١٨ ]
خيل شمس صعاب تضطرب فلا تنقاد لقائدها، فما لبثنا أن كلمهم، فقالوا: نعم، نعم.
حدثنا هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف أنه قال: بينا أنا أطوف بالبيت زمن عثمان إذ جاءني رجل من بني ليث فقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: هل تذكر إذ بعثني رسول الله إلى قومك فعرضت عليهم الإسلام، فقلت إنه يدعو إلى خير، وما أسمع إلاّ حسنا إنه ليدعو إلى مكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها؟ قلت: نعم. قال: فإني أبلغت النبي ﷺ قولك فقال: «اللهم اغفر للأحنف». فكان الأحنف يقول: إنه لا رجاء ما أرجو.
المدائني عن عمر بن السائب عن سعيد بن كرز قال: قدم الجارود العبدي وافدا على رسول الله ﷺ فمر ببلاد بني سعد فوقف على الأحنف طويلا، ومضى أصحابه فقالوا: لقد طال وقوفك مع هذا التميمي؟ فقال:
إني رأيت رجلا لا ينزل ببلد إلاّ ساد أهله.
وقال معاوية: ما شيء يعدل الأناة فقال الأحنف: إلاّ في ثلاث يا أمير المؤمنين. قال: وما هي؟ قال: تبادر بعملك الصالح أجلك، وتعجل إخراج ميتك وتنكح الكفء إليك. قال: صدقت أبا بحر.
المدائني عن الحسن بن دينار عن الحسن قال: دخل الأحنف مع عمه على مسيلمة الكذاب فلما خرج قال له عمه: كيف رأيته؟ قال: رأيته كذابا أحمق، فقال عمه: لأعلمنه. قال: إذا أجحد وأحلف بحقه، فقال الحسن: أمن والله أبو بحر الوحي.
المدائني عن أبي عبد الرحمن العجلاني قال: قيل للأحنف: إنك
[ ١٢ / ٣١٩ ]
لتغشى السلطان فتقعد ناحية، فقال: لأن أقعد فأقرّب أحب إلي من أن أقرب فأبعد.
وقالت بنو تميم للأحنف: منتنا عليك أعظم من منتك علينا لأنا سوّدناك، فقال: ما أعظم منتكم جزاكم الله خيرا، وهذا شبل بن معبد البجلي ليس بالمصر من قومه غيره فمن سوّده؟! المدائني عن بشار بن عبد الحميد عن أبي ريحانة قال: قال الأحنف، وهو بصفين مع علي ﵇: ويل للعرب إن غلبنا أو غلبنا، قيل:
وكيف ذاك يا أبا بحر؟ قال: إن غلبنا لم يعمل إمام بمعصية إلا قتل وإن غلبنا لم يعج (^١) إمام عن معصية.
المدائني عن عبد الرحمن بن عبيد الله أن الأحنف قال: لا يزال العرب بخير ما تذاكروا الأحساب وأحيوها، وأخذوا بصالح ما كان عليه سلفهم وأغلظوا ولم يكونوا فوضى، وتعايروا الدناءة، وأقالوا الأحياء، وأعفوا الأموات ولم يعدّوا الحلم ذلا.
المدائني عن مسلمة قال: قال رجل للأحنف: لم أرك يا أبا بحر تمس الحصا. قال: ما في مسه أجر، ولا في ترك مسه وزر.
المدائني عن عبد الله بن فائد ومسلمة قالا: قال الأحنف بن قيس:
من كثر مزاحه ذهبت مروءته، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته، ومن أكثر من شيء عرف به.
قالوا: وذكر رجل من بني تميم عند الأحنف بعيب وتمني موته، فقال
_________________
(١) عج: صاح ورفع صوته، والناقة زجرها. القاموس.
[ ١٢ / ٣٢٠ ]
الأحنف: ما تريدون منه، دعوه يكفي قرنه، ويأكل رزقه، وتحمل الأرض ثقله.
وكان الأحنف يقول: السؤدد كرم الأخلاق، وحسن الفعال.
وكان لقوم قبل قوم دم فصالحوهم على ديتين، فقال الأحنف: إن الله حكم بدية فرضي بها المسلمون وأحقّ ما رضي به العباد ما أمضى الله به حكمه عليهم، وإنكم إن أبيتم أن ترضوا اليوم بدية، لم يرض منكم غدا إلاّ بمثل ما طلبتم، فإن الأمور تتعاقب، والعز منتقل. فقالوا: الحكم إليك، فأعطاهم دية.
المدائني عن مسلمة عن علي بن زيد أن الأحنف قال: ثلاث ما أقولهن إلاّ ليعتبر معتبر، إني لا آتي السلطان حتى يرسل إلي، ولا أخلف جليسي بغير ما أحضره به، ولا أدخل نفسي في أمر لا أدخل فيه.
وقال الأحنف: يا بني تميم لا تنقبضوا عن السلطان، ولا تهافتوا عليه، واعلموا أنه من أسرف على السلطان أرداه، ومن تضرع له تخطاه.
وكان يقول: بعض الذل أبقى للأهل والمال.
قال المدائني: كان يقال: أربعة سادوا ولا مال لهم: وكيع بن بشر بن عمرو بن عدس، وابنه هلال بن وكيع، والأحنف بن قيس، وهلال بن أحوز ساد بالبشر الحسن.
وقال: فيل لبحر بن الأحنف: لقد أورثك أبوك شرفا وذكرا، فقال: ليته ترك لي مائة ألف درهم، وإنه في النار.
المدائني عن مسلمة بن علقمة المازني عن خالد الحذاء عن عبد الله بن صعصعة قال: لما حبس ابن الحنفية قال أبي: انطلق بنا إلى عجوزنا هذه
[ ١٢ / ٣٢١ ]
القاعدة على ذيلها، قال: فدخلنا على الأحنف، فقال لأبي: يا أبا الوليد ما كنت لنا بزوّار فما بدا لك؟ فقال: إن هذا الرجل محبوس. فقال يا أبا الوليد ما كنت صبّا بآل أبي طالب فقال: إنه محبوس مظلوم، فذكر الأحنف رسول الله ﷺ وما هدى الله به من الضلالة، وعلم بعد الجهالة، ثم ذكر أبا بكر وعمر، واختلاف الناس بعدهما، وذكر عثمان ثم قال: قد بلونا آل أبي طالب فلم نجد عندهم إيالة للملك، ولا صيانة للمال، ولا مكيدة في الحرب، والأمر ههنا، وأشار إلى الشام. قال أبي: فما يمنعك؟ قال:
أتيتموني فقلتم: ابن الزبير ابن الزبير، فلما بايعت قلتم: انكث، لا انكث. فخرجنا وأبي يقول: لله در ابن الباهلية، لقد أنجبت أمه.
قالوا: وأنشد رجل الأحنف:
ولتميم مثلها أو تعترف.
..
فقال: تعترف رحمك الله.
وأنشد رجل:
ألا أبلغ لديك بني تميم … بآية ما تحبون الطعاما
فقال الأحنف: يا بن أخي قد عرفنا الآية فما الحاجة رحمك الله؟ المدائني عن كليب بن خلف عن ادريس بن حسكة قال: قال الأحنف لعلي: يا أمير المؤمنين بلغني أن هذه الذئاب من الكوفة يأتوا يعنفونك في قتل المقاتلة، وسبي الذرية، وقسم الفيء، ولن يكفهم عنك إلا شيء تقذفه في أفواههم، وفي بيت المال ههنا شيء فاقذفه في أفواههم، وايم الله لئن رمت ما يريدونك عليه لا يكون الأولى عند الأخرى إلا كلقعة (^١)
_________________
(١) لقع: مرّ مسرعا، والشيء رمى به، وفلانا بعينه أصابه، والحية لدغت. القاموس.
[ ١٢ / ٣٢٢ ]
ببعرة.
المدائني عن محمد بن ربيعة أن رجلا قال للأحنف: لأسبنّك سبا يدخل معك قبرك. فقال: بل يدخل معك قبرك.
المدائني عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: كانت لعلى ﵇ قبة لا يدخلها إلاّ هاشمي والأحنف، وكان لا يعدل برأيه رأيا فقال له: إنا لو رأينا أحدا أحق بهذا الأمر منك بايعناه، فلا تمح أمير المؤمنين من كتاب القضية: فقال بعض أصحابه: قد فعل مثل ذلك رسول الله ﷺ حين محا رسول الله وكتب محمد بن عبد الله، فقال الأحنف: إن الله أبى إلاّ أن يكون النبي رسوله، وأنت يا أمير المؤمنين تريد أخذ هذا الأمر بالسيف.
المدائني عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: لم يقارف أحد الفتنة إلاّ وضعته غير الأحنف، ثم قال: عسى أن يكون قد سبق له من الله شيء.
وقال الحسن: لقد اجتمعت في الأحنف خصال: كفّ زيادا عن قتل الحمراء، وتحمل دماء الأزد وربيعة يوم مسعود، فأصلح أمر الناس، وأطفأ النائرة.
وكان الأحنف يقول: استجيدوا النعال فإنها خلاخيل الرجال.
المدائني عن جهم بن حسان السليطي أن رجلا قال للأحنف: هل تكون محمدة بغير مرزية؟ قال: نعم بالخلق السجيح، والكف عن القبيح.
وقال الأحنف: أدوأ الداء اللسان البذيء والخلق الرديء.
وقال الأحنف: ليس لكذوب مروءة، ولا لبخيل خلة، ولا لحاسد
[ ١٢ / ٣٢٣ ]
راحة، ولا لسيئ الخلق سؤدد. ولا لملول وفاء.
المدائني عن إدريس بن قادم عن عمر بن ميمون أن الضحاك بن قيس الفهري قال لمعاوية، وقد أخذ الناس مجالسهم، وكان ذلك بأمر معاوية:
يا أمير المؤمنين اجمع شمل هذه الأمة بيزيد فإنه أفضلنا حلما، وأحكمنا علما، فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين: اعص من يأمرك ويشير عليك، ولا ينظر لك، فإنك أعلم بالجماعة، وأعرف بالاستقامة، فضحك معاوية وقال: حسبك رحمك الله، ويقال إنه قال له: أنت أعلم بليل يزيد ونهاره منا، وإنا نخافكم إن صدقناكم، ونخاف الله إن كذبناكم، فأسكت معاوية.
وروى حماد بن زيد عن خالد الحذاء عن رجل قال: رأيت الأحنف يطوف أيام مسعود فيقول: إنكم تلقون عدوكم فأصدقوهم، فإنهم يألمون كما تألمون.
المدائني عن أبي إسحاق قال: ذكروا عند الأحنف رجلا فقالوا: كان سخيا، ثم شحّ، فقال رجل يعذره، والله ما شحّ ولكن قعد به ذهاب ماله، فقال الأحنف: إن المروءة لا تستطاع إذا لم يكن ما لها فاضلا.
المدائني عن جهم بن حسان قال: كان الأحنف يقول وابن خازم والحريش يقتتلان بخراسان: اللهم اجعل شغل قومي بمحاربة المشركين.
وقال حين قتل ابن خازم أهل فرنبا (^١): قبح الله رأي ابن خازم قتل رجالا من بني تميم، لو قتل رجل منهم به لكان وفاء فقتلهم بابنه صبي وغد أحمق لا يساوي علقا.
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعل الصحيح فرنباذ، وفرنباذ قرية كبيرة بمرو على خمسة فراسخ، اللباب لابن الأثير.
[ ١٢ / ٣٢٤ ]
المدائني عن عبد الله بن فائد قال أوقع ابن خازم بربيعة بهراة، وبلغ ذلك أهل البصرة فقال الأحنف لوجوه تميم: انطلقوا بنا إلى إخواننا من ربيعة نعتذر إليهم، فانطلقوا إلى مالك بن مسمع فحبسهم ببابه ساعة، وكان مع بني تميم محمد بن عمير فنهض لينصرف فلم يدعه الأحنف وقال:
إذا أتيت رجلا في رحله فاصبر حتى يأذن لك، فإن الناس أمراء في رحالهم، يأذنون إذا شاؤوا، وإلا فلا تأتين أحدا، ثم أذن لهم فقال الأحنف: والله ما سرنا ما كان من هذه الوقعة ولقد ساءتنا، فقال محمد بن عمير: ما ساءتنا إذ كانت، فقال: مالك إن في رأسك نعرة ولو ساكنتني بالبلد لطيرتها عنك، فأفسد ما جاؤوا له وتهايجا فجعل الأحنف يسكنهما، فقال محمد بن عمير بعد خروجه من عند مالك: فهلا طيّر نعرة عبد الله بن الأصبهاني من رأسه حين رجمه في داره حتى أخرجه عنها وصار إلى المربد.
المدائني قال: وشى رجل برجل عند مصعب بن الزبير، فأغضب ذلك مصعبا على الرجل، وجاء الرجل فجعل يتنصل ويعتذر فقال مصعب: كذبت، أبلغني عنك الثقة، فقال الأحنف: إن الثقة لا يبلّغ.
قال المدائني: لما كانت فتنة مسعود أراد الناس أن ينتهبوا دار ابن زياد، فقال الأحنف: يا بني تميم امنعوها فإنها لا تكاد تهلك قرية حتى يهلك الذين بنيت عليهم وأن هذه البلدة بنيت على بني سميّة.
المدائني عن يحيى بن زكريا العجيفي قال: رأى الأحنف قوما يسارعون إلى الشر يوم المربد، فقال يا بني تميم إن أقل الناس حياء من الفرار أسرعهم إلى الشر.
المدائني عن العباس بن عامر قال: وفد زياد إلى معاوية، ومعه وجوه
[ ١٢ / ٣٢٥ ]
أهل المصر، وفيهم الأحنف بن قيس، فقال زياد: يا أمير المؤمنين أشخص قوما إليك الأمل، وأقعد آخرين العذر ولكل من سعة رأيك وفضلك ما يجبر المتخلف ويكافأ به الشاخص، فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين ما نعدم منك بلاء، ووعدا جميلا، وزياد عاملك المستنّ برأيك والسالك لمنهاجك فينا فما عسينا أن نقول إلا ما قال زهير فإنه ألقى عن المادحين فضول الكلام حيث يقول:
وما بك من خير أتوه فإنما … توارثه آباء آبائهم قبل (^١)
أخبرنا أبو محمد التوزي عن الأصمعي عن مبارك بن فضالة عن يوسف بن عبد الله وهو ابن اخت ابن سيرين قال: كنت وأنا غلام أحب مجالسة الأحنف، فجالسته فقرأ ذات يوم: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^٢) فقلت: يا أبا بحر ليس هكذا. فنظر في وجهي ثم سكت فلما كان من الغد جئت وأنا كالمستحيي فقال لي: يا بن أخي أشعرت أني نظرت في المصحف، فوجدت القول كما قلت.
المدائني قال: بايع قوم رجلا على أن يأتي الأحنف فيسمعه ويؤذيه، فأتاه فأسمعه شرا فقال له الأحنف: يا هذا هل لك في غداء قد حضر فإنك تحدو مذ اليوم بجمل ثقال.
المدائني عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن بكر المزني قال: قال أعرابي للأحنف، وسأله فلم ير عنده ما أحب: قبحك الله من سيد قوم،
_________________
(١) شرح ديوان زهير ص ١١٥.
(٢) سورة البقرة - الآية:٢٠٣.
[ ١٢ / ٣٢٦ ]
وفعل بك وفعل. فلم يجبه فقال الأعرابي: والهفتاه ما منعه من إجابتي إلاّ هواني عليه.
وصلى الأحنف على جارية بن قدامة، ثم قام على قبره فقال: رحمك الله أبا أيوب كنت لا تحسد غنينا ولا تحتقر فقيرنا.
المدائني قال: رأى الأحنف امرأة تندب ميتا فنهيت فقال للذي نهاها: دعها فإنها تندب عهدا قريبا وسفرا بعيدا.
المدائني عن ابراهيم بن سعيد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال للأحنف: أي الطعام أحب إليك؟ قال: الزبد والكمأة وذهب إلى أنهما لا يجتمعان إلاّ في خصب.
قالوا: وجلس الأحنف على باب زياد، فوضع بعض السقاة عنده قربته وقال: احفظها لي حتى أعود، فأتاه رسول زياد بالإذن فقال: إن عندي وديعة فلن أقوم حتى يرجع صاحبها.
وقال الأحنف: السيد الذي إذا أقبل هابوه وإذا ولى شتموه.
وقيل للأحنف: لقد ساد حضين بن المنذر وما اتصلت لحيته، فقال الأحنف: السؤدد مع السواد، أي مع الشباب.
وقال الأحنف لابنه: يا بني اتخذ الكذب كنزا لا تنفقه.
ووجد معاوية على يزيد في بعض الأمر، فقال للأحنف، ودخل عليه: ما قولك في الولد؟ قال: يا أمير المؤمنين هم عماد ظهورنا، وثمار قلوبنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة فلا تمنعهم رفدك فيملوا قربك، وتثقل عليهم حياتك، فأعجبه قوله وقال: لقد كنت واجدا على يزيد فسللت سخيمتي، وأمر له بصلة.
[ ١٢ / ٣٢٧ ]
المدائني عن عبد الله بن يزيد الأسيدي عن يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي أن الأحنف قال لأبي موسى: إياك أن يقدمك عمرو في قول أو مجلس، فإنها خديعة، ولا تبدأه بالسلام، فإنها سنة وليس من أهلها.
وقال الأحنف: لا يهلك من قوم مثل عباد بن الحصين، إلا أورثهم هلكه ذلة.
المدائني عن عبد العزيز القسملي أن الأحنف قال: جلست بالمدينة في حلقة، فأقبل رجل ثائر الشعر فرموه بأبصارهم وابتدروه بالسلام غيري فقال لي: كأنك غريب؟ قلت: نعم. قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل البصرة، فقال البصيرة، قلت: أقول البصرة وتقول البصيرة؟ قال: أنا أعلم بما سمعت من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: «يكون بعدي مصر من الأمصار يقال له البصيرة هم أقوم أهل الأمصار قبلة ينصرون على من ناوأهم»، فمن أنت؟ قلت: الأحنف. قال: أحينف؟ قلت: أقول الأحنف وتقول أحينف؟ قال: أنا أعلم بما قلت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أحينف السرايا». فلما قام قلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر رضي الله تعالى عنه.
المدائني عن عبد الله بن أبي سليمان عن شبيل بن عزرة قال: هجا ضوء بن مسلمة الغبري الأحنف فقال:
أما خليلي أبو بحر فان له … عندي محبّرة حمرا حواشيها
كأنّ أظفاره من حك سبّته … أظفار ختانة كلّت مواسيها
كأنه جيئل عرفاء (^١) … عارضها
كلب وشحمتها الدسماء في فيها
فشكاه الأحنف إلى عبد الله بن عامر، وقال: صرت دريئة للسفهاء
_________________
(١) العرفاء: الضبع لكثرة شعر رقبتها.
[ ١٢ / ٣٢٨ ]
فقال: لك لسانه يا أبا بحر. فعاذ ضوء بمعاوية بن أبي سفيان فقال:
إليك أمير المؤمنين رحلتها … على عجل مني تروح وتغتدي
مواشكة تخشى عقاب ابن عامر وترجو معافاة امرئ غير قعدد وقال الأحنف: يا بني نزال إذا أردتم أن تستميلوا قلوب النساء فافحشوا النكاح، وأحسنوا الأخلاق.
المدائني عن مسلمة أن زيادا كتب إلى معاوية يشير عليه بتولية الأحنف أو سنان بن سلمة بن المحبق ثغر الهند، بعد مقتل عبد الله بن سوار العبدي فكتب إليه بأي يومي الأحنف نكافئه؟ بيوم خذلانه أمير المؤمنين أو سعيه علينا بصفين. فابعث سنانا.
قال: وكتب الأحنف إلى معاوية في حطمة كانت: خبزا خبزا، تمرا تمرا، فإن الشبعان لا يجاوز همه سفوان، وإن الجائع لا يجاوز همه عسفان.
المدائني عن كليب قال: لما تم الحلف بين الأزد وربيعة، لقي الأحنف مالك بن مسمع فقال له: يا أبا غسان أحلف في الاسلام؟ فقال:
يا أبا بحر كانت لقمة سبقناك إليها، فقال الأحنف: ما أردتها ولتحلبنها دما وغيظا، لقد حالفت قوما إن تبعتهم استذلوك، وإن خالفتهم غلبوك.
المدائني عن الفضل العجيفي أن الأحنف قال: أخذت الحلم والصبر عن عمي المتشمس بن معاوية شكوت إليه وجعا فقال: يا بن أخي ذهبت عيني مذ أربعون سنة، فما علم بها، ولا ذكرتها لأحد.
المدائني عن غياث بن ابراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال:
وفد الأحنف إلى معاوية فمر بالكوفة، وبلغهم أن معاوية أراد تحويل ديوان
[ ١٢ / ٣٢٩ ]
الأحنف إلى الشام، فكتب أبو سمّال (^١) الأسدي كتابا دفعه إلى الأحنف، فلما قدم الأحنف على معاوية أعطاه كتاب أبي سمال وفيه:
يا ربّة العير ردّيه لمرتعه … لا تظعني فتهيجي الناس للظّعن
ويروى عن الأحنف أنه قال: لا تؤاخينّ خبّا، ولا تستشيرنّ عاجزا، ولا تستعيننّ كسلا.
وقال رجل للأحنف: أيقدر أحد أن يكون مثلك؟ فقال: يا بن أخي إن الأمر إلى غير العباد، وليس للإنسان ما تمنى.
المدائني عن الفضل بن سليمان العجيفي قال: نظر الأحنف إلى خيل لبني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم فقال: خيل ما تدرك بالثار. فقال شعبة بن القلعم المازني: أما في أبيك فقد أدركت الخيل بثأرها. فقال الأحنف: لشيء ما قيل دع الكلام للجواب، وقال البلتعي:
هم منحوا قيسا صدور رماحهم … فأتلفنه والحارث بن حلاس
وقتل قيس يوم تياس، قتله بنو مازن.
وقال الأحنف: من قل فهمه كان أكثر قوله وعمله فيما عليه لا له.
هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: كان الأحنف يقول: خير ما يؤتى العبد غريزة عقل، فإن حرم ذلك، فطول سكوت، فإن حرمها، فالموت أستر له.
قالوا: ونعي للأحنف حسكة بن عتاب، فلم يجزع عليه، ونعي شقيق بن ثور السدوسي فاسترجع وشقّ عليه، فقيل له: نعي حسكة وهو من قومك فلم يعظم ذلك عليك، ونعي رجل من بكر بن وائل فجزعت،
_________________
(١) بهاشم الأصل: باللام.
[ ١٢ / ٣٣٠ ]
فقال: إن حسكة كان رجلا مشنعا مقداما، فلم أكن آمنا أن يجر على قومه جريرة تسوءهم. وكان شقيق رجلا مسنا حليما ركينا إن حدث حدث كفّ قومه.
وكان الأحنف يقول: أنا وشقيق مسناة بين هذين الحيين يعني تميما وبكرا.
وهجا مرة بن محكان الربيعي الفرزدق، فغضب وقال شعرا يقول فيه:
أولئك قوم أطمئن إليهم … وأينف (^١) أن أهجو عبيدا بدارم (^٢)
فقال الأحنف: ما عهدت بأبينا عبيد بأسا. وعبيد أخو ربيع بن الحارث بن كعب بن سعد، وكان الأحنف يقول: لحديث العاقل أشهى إلى من رثيئة (^٣) شيبت بعسلة ماذية، وقال المغيرة: هو هو أشهى إلي من ذوب حلّ بماء رصفة (^٤) في يوم من شهر ناجر (^٥)، وكان الأحنف يقول: وجدت بعض الذل أبقى للأهل والمال.
قالوا وكان الأحنف على مقدمة ابن عامر، فوجهه إلى قوهستان، فلقي الهياطلة (^٦) وأهل هراة ففضّ جمعهم، وكان ذلك أول جمع فضّ
_________________
(١) بهامش الأصل: آنف.
(٢) انظر ديوان الفرزدق ج ٢ ص ٢٦٣،٢٤٦ مع فوارق.
(٣) رثيئة: اللبن الحليب يصب عليه اللبن الحامض فيروب من ساعته. ألفاظ الأطعمة والأشربة في كتاب الأغاني، اعداد رشيده لقاني - ط. الاسكندرية ١٩٩١ ص ٧٠.
(٤) الرصفة حجارة مرصوف بعضها إلى بعض في مسيل. القاموس.
(٥) النجر: الحرّ. القاموس.
(٦) الهياطلة: صنف من الترك.
[ ١٢ / ٣٣١ ]
بخراسان، ووجه ابن عامر الأحنف إلى جيّ طخارستان وفتح الحصن الذي يعرف بقصر الأحنف وأمر بالأذان فيه.
وقال الأحنف في بعض مغازيه قد جفف العدو وهولوا: أيها الناس لا يهولنكم ما ترون من عددهم وعدتهم، واستفتحوا بالدعاء والصبر، ولا يتحركنّ أحد منكم وإن طعن في عينه حتى أهزّ الراية ثلاثا فإذا حملت فاحملوا فمن كان فارسا فلينظر إلى معرفة فرسه، ومن كان راجلا فلينظر إلى موضع سجوده، ولا ترموهم بأبصاركم، وقاتل الأحنف صاحب الصغانيان برمحين وهو يقول:
أنا ابن قيس تحت ظل الغاية … لأخلطن راية براية
فهزم جموع الكفر، وكان يحمل ويقول:
إنّ على كل رئيس حقا … أن يخضب الصّعدة أو تندقّا
وصالح الأحنف أهل الفارياب، وأهل الطالقان، وأهدى إليه بعض المزاربة دواب ورقيقا وثيابا فقال: ألكل رجل من أصحابي مثل هذا؟ قالوا: لا. فردّه وقال: لا استأثر على أصحابي بشيء.
وكانت آثار الأحنف بخراسان جميلة، وجرت على يده فتوح كثيرة.
وكان نقش خاتم الأحنف: يعبد الله مخلصا.
وقال الأحنف يوم مسعود لبني تميم: والله ما غلبتكم لهم بظفر عندي، وما الظفر إلا أن يصلح الله بيننا ونرجع سالمين.
قالوا: وصالح الأحنف أهل بلخ، وصالح أهل مرو الروذ، ومضى إلى خوارزم فأقام حتى هجم عليه الشتاء فاستشار أصحابه فقال له حضين بن المنذر: قد قال لك عمرو بن معدي كرب:
[ ١٢ / ٣٣٢ ]
إذا لم تستطع أمرا فدعه … وجاوزه إلى ما تستطيع (^١)
فارتحل إلى بلخ وخليفته بها أسيد بن المتشمس بن معاوية ابن عم الأحنف.
ولقي الأحنف طلحة والزبير فقال: ما أقدمكما؟ قالا: الطلب بدم عثمان، أفبايعت عليا؟ فقال: أنتما أمرتاني بذلك فقال الزبير: أيها الرجل لست في حلو ما ههنا ولا مره، إنما أنت فريسة آكل وتابع غالب، لا أعز الله من نصرت، ستبايع لنا غدا إذا بايع أهل المصر كارها. فقال: قد بايعت عليا، ولم أكن لأقاتل رجلا بايعته، وقد كتبنا خبره مع خبر الجمل.
المدائني عن مسلمة عن السكن بن قتادة أن زيد بن جلبة، أحد بني عامر بن عبيد بن الحارث، وأخوه منقر بن عبيد، كان مع عائشة فأصيب من بني الشعيراء، وهم أخوال بشر، فجاء الأحنف إلى زيد بن جلبة يعزّيه، فقال زيد: ما جئت إلاّ شامتا، فقال: كان هواي مع رجل، فكنت أحب ظفره.
المدائني عن أبي جزي عن الأعمش عن شقيق وقرة أن عائشة قالت للأحنف: بماذا تعتذر إلى الله من تركك جهاد قتلة أمير المؤمنين عثمان، أمن قلّة أو لأنك غير مطاع في العشيرة؟ فقال: والله ما طال العهد، ولا عهدي بك إلا عاما أول وأنت تحثيني على جهاده. فقالت: ويحك إنهم ماصّوه كما يماصّ الإناء ثم قتلوه، فقال: آخذ بقولك وأنت راضية ولا آخذ به وأنت ساخطة.
وقال رجل من بني الهجيم يكنى أبا فوران أصيبت يده يوم الجمل
_________________
(١) شعر عمرو بن معد يكرب الزبيدى ص ١٣٣.
[ ١٢ / ٣٣٣ ]
للأحنف: خذلت قومك. فقال الأحنف: لو كنت أطعتني أكلت بيمينك واستنجيت بشمالك وما كنعت (^١) يداك.
وحدثني أبو عدنان عن أبي عبيدة قال: حضر الأحنف مجلس زياد، فجرى بينه وبين الحتات المجاشعي كلام، فأسمعه الأحنف وأغلظ له، فقيل له: يا أبا بحر خرجت إلى ما لم يكن من شأنك فأين حلمك؟ فقال:
إنما الحلم عند الحبى (^٢)، فأما في مجالس السلطان فليس إلا الانتصار.
المدائني عن الهذلي عن بشير بن عبيد الله بن أبي بكر قال: كان زيد بن جلبة يحضّ بني سعد على القتال مع عائشة، وكان الأحنف يكفهم عن القتال، وجرى بينه وبين الأحنف كلام، فقال زيد: إنما يطاع لذوي الأسنان والقدم والرأي ولا يطاع من لا رأي له، فوثب إليه الأحنف فأخذ بعمامته وتناصيا فقيل للأحنف: أين حلمك؟ فقال: لو كان مثلي أو دوني لم أفعل هذا به وحلمت عنه.
ودخل رجل يقال له جحش على الأحنف وهو يجبر يد شاة له فقال:
ما هذا من عمل السيد، فقال الأحنف:
إن لها ربّا صبورا على القرى … وليس القرى في نفس جحش بهيّن
المدائني عن عبد الواحد بن السّكن عن أبيه أن وفدا من بني تميم قدموا على عمر، وفيهم الأحنف، وعمرو بن الأهتم، والزبرقان بن بدر، فقال الزبرقان: ما في الأرض سعدي إلا ودّ أني أبوه أو عمه أو خاله. فقال عمر للأحنف: ما يقول هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين إني أواب عشيرتي
_________________
(١) الأكنع: الأشل، وكنع عنه: يده أشلها. القاموس.
(٢) الحبية والحباء: النصرة والاختصاص. القاموس.
[ ١٢ / ٣٣٤ ]
ولا أكذبها، فقال الزبرقان: سألت عني يا أمير المؤمنين ناجم المروءة، أي حديث العهد بالمروءة، لئيم الخال.
وجرى بين الحتات والأحنف كلام فقال له الحتات: إنك ما علمت لضئيل شخت ضعيف، وإن أمك لورهاء. فقال الأحنف: اسكت يا أديره (^١)، فإنك جلف جاف، وما عندك شيء إلا أنك ابن دارم. فرمى الحتات بثوبه وقال: هل ترون شيئا؟ فقال غيلان بن خرشة: أرى نفيخة في إحدى الخصيتين، فقال: اسكت فإنك عبد نصر سيده.
وقال مسلمة بن محارب: سأل رجل من بني صريم معاوية حاجة، فأمر بها له، وقالوا: ابن الصريمي، فقال رجل كان يطلب أمرا فطال مقامه: كلنا صريمي، يعرّض بمعاوية، يقول: فرقت من الصريمي لأن الخارجي الذي ضربك صريمي. ففطن معاوية وضحك وقال له: اتّق السلطان فإنهم يغضبون غضب الصبيان، ويصولون صيال الأسد.
المدائني عن العلاء بن لبيد قال: قدم وفد من أهل العراق على معاوية فقال آذنه: إن أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلم أحد منكم إلاّ لنفسه، فدخلوا فقال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن رادفة ردفت، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، كلهم به فاقة إلى رفد أمير المؤمنين. قال:
حسبك يا أبا بحر فقد كفيت من غاب وشهد.
المدائني عن مسلمة قال: قال الأحنف: يا أهل الكوفة نحن أغذى منكم تربة، وأكثر منكم ذرية واغنم منكم سرية، وأعظم منكم بحرية.
قالوا: وكانت عند الأحنف امرأة، فطلقها فتزوجها بدر بن حمراء
_________________
(١) بهامش الأصل: تصغير أدير، وهو المنتفخ الخصيتين.
[ ١٢ / ٣٣٥ ]
الضبي، فأتاها الأحنف فأرسل إليه بدر:
لا يشغلنّك عن شيء هممت به … إنّ الغزال الذي ضيّعت مشغول
فقال الأحنف:
إن كان ذا شغل فالله يحفظه … فقد لهونا به والحبل موصول
ولست واجد عشب مؤنق أنف … إلاّ كثيرا به الراعون مأكول
المدائني عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن أن الأحنف قال: استشارني زياد في قتل الموالي من العجم فقال: إني أريد قتل هذه الحمراء. فقلت: أنشدك الله بهم فإنهم قد تحرموا بالإسلام، وشاركناهم في الأولاد وخالطونا وخالطناهم، فترك ذلك.
وقال الأحنف: أنقبنا النعال إلى زيد بن جلبة نتعلم المروءة.
ومر الأحنف وهو يريد معاوية بأهل حواء (^١) فيهم زفر بن الحارث، فقالوا: مرحبا بسيدنا وشيخنا. فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: بنو كلاب.
قال: أي بني كلاب؟ قالوا: من بني نفيل. فقال: أما انا لا نشك، فقال لهم زفر: فماذا أتقول إنا منكم؟ فوالله إنا لأحسن منكم وجوها وأطول منكم أجساما. فقال: أشبهتم أمكم الناقمية.
المدائني عن عامر بن حفص قال: أتى قوم الأحنف وعميرة بن مالك الحرشي معهم، فقال له: من أنت يا فتى؟ فأخبره، ثم عاد فسأله قال:
فقلت: والله لأسألنه عن شيء لا ينكرني بعده أبدا، فقلت: يا أبا بحر أزنيت قط؟ قال: لا ثم لم يسألني بعدها.
_________________
(١) في معجم البلدان: حواء ماء من نواحي اليمامة، وأرجح أنه هنا اسم موقع قريب من قرقيسياء لأن الأحنف كان قادما من العراق يريد دمشق.
[ ١٢ / ٣٣٦ ]
وكلم الأحنف ابن زياد في ابن رأس البغل، وكان محبوسا في خراج فأطلقه، واستأنف به أجلا، ثم حمل المال وبعث إلى الأحنف بعشرة آلاف درهم وهدايا من عسل وسمن وجوز، فردّ الدراهم وقال: لا آخذ على المعروف ثمنا، وقبل الهدايا.
وكان الأحنف يقول: ما جلست قط مجلسا أخاف أن أقام عنه لغيري، إن شر المجالس القلعة.
المدائني عن إسحاق بن أيوب عن رجاء بن حيوة الكندي قال: قال معاوية بن حديج الكندي لقومه: إن تسويدكم إياي غير عجب لأن لي مالا وأفضالا، وليس العجب إلاّ من الأحنف فإنه سوّد بغير مال.
ولما عقد لمعاوية بن حديج على مصر قال له رجل: أعطيت شرفا، فقال له: فمن أنت؟ قال: من بني تميم. قال: يا أخا بني تميم إن هؤلاء يتبعوني طمعا فيما ينالون مني، وإنما الذي شرف لغير نيل صاحبكم الأحنف.
وكان ابن زياد حبس عبيد الله بن الحرّ الجعفي، فتكلم فيه الأحنف فأطلقه فأتاه فقال له: أنا طليقك عبيد الله بن الحرّ وما أدري ما مكافأتك إلا أن أقتلك فأبوء بإثمك فتدخل الجنة وأدخل النار، فضحك الأحنف وقال: لا حاجة لنا في مكافأتك.
قالوا: ولم يتعلق على الأحنف إلاّ بست خصال قوله في الزبير أنه جمع بين غارين ثم هو على أن يلحق بأهله، وقوله حين استنصره الحسن: قد بلونا حسنا وأبا حسن فلم نجد لهما إيالة للملك، ولا صيانة للمال، ولا مكيدة في الحرب، ولم يجبه، وقوله للمرأة يوم مسعود: أست المرأة أحق
[ ١٢ / ٣٣٧ ]
بالمجمر، وقوله للحتات: يا أديرة، وقوله لقطري حين بلغه خبره: إيه أبا نعامة إذا ركب بنات سجاح، وقاد بنات صهال (^١)، وأصبح بأرض وأمسى بأخرى طال أمره، وقوله للرجل الذي لطمه: لم لطمتني؟ فقال: جعلوا لي جعلا على أن ألطم سيد بني تميم، قال: سيدهم جارية بن قدامة، فأتى الرجل جارية فلطمه، فقطع جارية بن قدامة يده.
المدائني عن أبي الأشهب العطاردي قال: كتب عبد الملك إلى الأحنف يدعوه إلى بيعته فقال: يدعوني ابن الزرقاء إلى ولاية أهل الشام، ولوددت أن بيننا وبينهم جبلا من نار، من أتانا منهم وأتاهم منا احترق.
وقال الأحنف لابنه: يا بني إذا كنت قليلا فلا تكن خبيثا.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: خرج زياد بن عمرو بن الأشرف مع المصعب، فلما صار إلى الكوفة قال للأحنف: يا أبا بحر إنّ عليّ دينا، ولي مؤونة، وقد جفاني هذا الرجل، وإني لخليق، فكلّمه ليقضي ديني، وإلا فإن الأرض واسعة كأنه يتهدده بالمصير إلى عبد الملك، فقال الأحنف:
يا زياد إن مصعبا وليكم، فأكرم أشرافكم وأحسن إلى العامة والخاصة منكم، ولا أراك وأصحابك تنتهون حتى تدخلوا أنباط الشام، وأقباط مصر عليكم، وايم الله لئن فعلتم لتزمّنّ بزمام من تحرك أكبّه لذقنه، ثم لا تزالون أذلاء ما بقيتم ولا تمنعون ذنب ثعلة (^٢)، وكلمه فأمر له بثلاثين ألفا، فلما قدم الحجاج وجاء أهل الشام قال زياد: رحم الله أبا بحر فقد جاء ما كان يقول.
_________________
(١) من خيول العرب.
(٢) أنثى الثعالب.
[ ١٢ / ٣٣٨ ]
وقال رجل للأحنف بم سدت قومك، ولست بأجودهم ولا أمجدهم؟ فقال: بتركي ما لا يعنيني كما عناك أمري.
وكان يقول: إن شرار الناس الذين لا يستحيون من الفرار.
المدائني عن وضاح بن خيثمة قال: مر حارثة بن بدر الغداني بالأحنف فقال: يا أبا بحر لولا أنك عجلان لشاورتك في مهم. فقال الأحنف:
أجل، كانوا يقولون لا تشاورنّ جائعا حتى يشبع ولا ظمآن حتى ينقع ولا أسيرا حتى يطلق، ولا مضلا حتى يجد ولا طالبا لحاجة حتى ينجح.
قال المدائني عن عوانة: أن معاوية قال للأحنف: ما تعدون المروءة؟ قال: الفقه في الدين، وبر الوالدين، وإصلاح المال، فقال معاوية ليزيد ابنه: اسمع ما يقول عمك.
وروى وضاح بن خيثمة أنه قال: الفقه في الدين.
قالوا: وكلم الأحنف عبيد الله بن زياد في عمه جزء بن معاوية، فولاه الفرات، فاختان مائة ألف درهم، وبعث بها إلى أهله، فأخبر الأحنف ابن زياد بذلك فبعث إليه عبيد الله فأخذ خاتمه وبعث به إلى أهله وقال: حملوا المائة الألف، فحملت إلى دار ابن زياد، فقال جزء للأحنف: لا جزاك الله عن الرحم خيرا، فقال: وأنت لا جزاك الله عن الأمانة خيرا.
المدائني عن أبي إسحاق المالكي عن شبيل بن عزرة قال: قال الأحنف: لا أنازع رجلا إن قال خذوه أخذت، وإن قلت خذوه لم يؤخذ لي.
وقال الأحنف: السيد، الذليل في عرضه، الأحمق في ماله، المطرّح لحقده، المعين للعشيرة.
[ ١٢ / ٣٣٩ ]
المدائني عن الفضل بن سليمان قال: كانت عمومة الأحنف:
صعصعة بن معاوية، وجزء بن معاوية والمتشمس بن معاوية، فقال صعصعة للأحنف: يا بن أخي أتراني أخطب إلى قوم فيردوني؟ قال:
نعم، لو أتيت بني الشعيراء ردوك. قال: لا جرم. قال: لا أنزل عن دابتي حتى آتيهم فأتاهم فوقف على عائشة بن جعدة، وكان عائشة يقول:
«كنت في مجلس، فرشّ رسول الله ﷺ على قوم ماء فأصابني»، فخطب صعصعة إليه ابنته فقال: إنزل فنزل، فأمر بدابته فضرب وجهها وطردت حتى وصلت إلى دار صعصعة فضجّوا لما لم يروا صعصعة وقالوا قتل، فقال الأحنف: كلا ولكنه صنع شيئا نهيته عنه، فلم يلبث أن جاء ليسب بني الشعيراء.
وقال الأحنف لجزء بن معاوية عمه: الزم العفة تلزمك الحرفة، أي العمل.
وقال رجل في مجلس زياد: ما أطيب ما يؤكل؟ فقال رجل ممن حضر: تمر نرسيان (^١) كأنها بعض آذان النوكى بمثلها زبدا، فقال الرجل الذي سأل: أفّ ما اطيب هذا، فقال الأحنف: رب ملوم لا ذنب له.
وقيل للأحنف وعليه ثوب له: أما تملّ لبسه؟ فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه. ويروى ذلك عن غيره.
قالوا: ومر الأحنف بصفوان ابن أخي خالد بن صفوان فقال له:
يا أبا بحر إجلس حتى نكشف الملائم ونتذاكر المحارم، وبلغ ذلك أبا صفوان، وهو في قول الكلبي عبد الله بن عمرو بن الأهتم، وفي قول غيره
_________________
(١) نرسيان: ناحية بالعراق بين الكوفة وواسط. معجم البلدان.
[ ١٢ / ٣٤٠ ]
عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، فغضب على ابنه وقال: لست راضيا عنك أو يكلمني فيك أبو بحر، فأتى الأحنف فسأله أن يترضى أباه فترضاه له. وقال الأحنف: لم أخلف أحدا قط بغير ما أشهده به، ولم أدخل نفسي في شيء من أمور الناس لم أدخل فيه.
وأتى الأحنف رجل فقال له: قد أتيتك في حاجة لا تنكؤك ولا ترزؤك فقال إذا لا تقضى إن مثلي إلا يؤتى إلا في حاجة تنكؤه وتزرؤه.
المدائني عن شبيب بن شبة قال: ذكر الأحنف عند عمه جزء بن معاوية، فنال منه فبلغه فقال: ربّ بعيد لا يفقد خيره، وقريب لا يؤمن عيبه.
المدائني عن جهم بن حسان أن الأحنف قال: لأن تحكك في بيتي أفعى وأنا أراها أحبّ إلي من أن أرى أيّما أرد عنها كفؤا.
المدائني عن الحسن الجفري قال: بال الأحنف يوما وقريب منه رجل، فقال له الأحنف: حرمتني منفعة بولي، بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «كل بائلة نفوخ».
وقال الأحنف: من أراد شراء دار فليستصلح الجار قبل الدار.
العمري عن الهيثم بن عدي قال: أشرف رجل على الأحنف، وهو يعالج طبيخا في قدر صغيرة، وهو يحش تحتها فقال:
قدر ككفّ القرد لا مستعيرها … يعار ولا مرتابها يتدسّم
فبلغ ذلك الأحنف فقال: ﵀ لو شاء قال أحسن من هذا.
قالوا: وقال شاعر للأحنف: ﵀ لو شاء قال أحسن من هذا.
قالوا: وقال شاعر الأحنف:
إنا أتينا أبا بحر وقد جعلت … أيدي سرابيلنا تندى من النّجد
[ ١٢ / ٣٤١ ]
ولا نرى سيدا يوفى بسيدنا … إذا تلبّس وعث الأرض بالجدد
ألقى المراسي واشتدت عوارضه … لما رأى سوءة تهدي إلى اللبد
ويقال اللبد وهو قول الكلبي واللبد من بني عبيد.
المدائني وغيره أن ابن أبي عصيفير الثقفي حبس في مال عليه، يقال ان مبلغه مائة ألف درهم، وبلغه أن مصعبا قد أقبل يريد الكوفة ومعه الأحنف، فوجه إلى الأحنف من يلقاه وأقام له النزل حتى ورد الكوفة ومعه الأحنف، فوجه إلى الأحنف من يلقاه وأقام له النزل حتى ورد الكوفة ثم أنزله في دار ابن أبي عصيفير، فقال الأحنف: فأين أخونا لا نراه فقد برّ وأكرم فقيل: هو محبوس بمال عليه، فكلم مصعبا فيه، فوهب المال له، ووهب الأحنف مثله، فصرفه الأحنف إلى ابن أبي عصيفير.
حدثني عبد الله بن صالح عن أبي زبيد عبثر أن الأحنف دخل الكوفة فاستطابها وقال: اللهم إن حضر أجلي فاجعله بالكوفة، فإن تربتها كالكافور، فمات بها ودفن، ومات في دار ابن أبي عصيفير.
قالوا: ولما حضرت الأحنف الوفاة قال: لا تند بني نادب، ولا تبكني باكية، وعجلوا اخراجي، ولا تؤذنوا بي أحدا، فلما مات آذنوا المصعب لتقدمه إليهم في ذلك، فأمر صاحب شرطته أن يأخذ بأفواه السكك فلا يدع امرأة تخرج فانتفجت امرأة على حدج (^١) لها على دابة، وكانت من بني عبيد وجعل تقول:
قل لأميري مصعب إنني … سأندب المدفون بالقاع
أندبه بالحقّ لا أتلي … بخير ما ينعى به الناعي
الأحنف الخير ابن قيس … أبا بحر إذا ما قصّر الساعي
_________________
(١) الحدج: مركب للنساء كالمحفة. القاموس.
[ ١٢ / ٣٤٢ ]
فقال مصعب: دعوها. فلما دفن وقفت على قبره فقالت: أيها الناس إنكم خول الله في بلاده، وشهوده على عباده، وإنا قائلون خيرا، ومثنون حسنا، أنشد الله رجلا إن قلت حقا إلا صدقني، وإن قلت باطلا إلا كذبني، ثم عددت حلمه، وفعله فقالوا: صدقت.
وقال المصعب وهو في جنازة الأحنف يمشي أمامها متسلبا: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات سيد العرب. فقال رجل من بكر بن وائل: حاشى الأمير.
المدائني عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الأحنف قال مصعب:
اليوم مات الزبير، وجعل يسترجع.
المدائني عن ابراهيم بن يزيد الأسيدي قال: أخبرني من شهد جنازة الأحنف قال: رأيت المصعب في الجنازة وقد ألقى عطافه وحمل مقدم السرير يسترجع ويقول: اليوم مات الحلم، وذهب الوفاء.
المدائني عن أبي اليقظان عن وضاح بن خيثمة قال: مروا بجنازة الأحنف على شيخ من بني أسد مسنّ لا يقدر على النهوض، فقال الشيخ إنا لله هو أمس سيدنا، واليوم جنازة يهدى إلى حفرته.
قالوا: وورد البصرة بوفاة الأحنف رجل من بني يشكر، فقال رجل من بني سعد:
أمات ولم تبك السماء لفقده … ولا الأرض أو تبدو والكواكب في الظهر
كذبت إذن ما أمسكت بطن حامل … جنينا ولا أضحى على الأرض من شعر
ولما أتيت اليشكري وجدته … بأمر أبي بحر بن قيس أخا خبر
وصلى عليه مصعب، وولي دفنه، ووقف فترحم عليه، ودمعت عينه.
[ ١٢ / ٣٤٣ ]
وحدثني عبد الله بن صالح عن أشياخه قالوا: لما سوّي التراب على الأحنف والناس محزونون قالت امرأة من بني تميم يقال لها أسماء بنت حصن من بني منقر، فقالت: إني معزيتكم عن أبي بحر أعظم الله أجوركم فيه، ثم قالت: رحمة الله عليك من مجنّ في جنن، إنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله الذي فجعنا بفقدك، وابتلانا بفراقك أن يغفر لك يوم حشرك، وأن يفسح لك في قبرك، وأن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرشاد دليلك، ثم التفتت إلى الناس فقالت: إن أولياء الله في بلاده شهوده على عباده، وإنا قائلون حقا ومثنون صدقا فإنه لأهل لحسن النثا (^١) وطيب الثناء، وأما والذي جعله من أجله في عدة، ومن الفناء إلى مدة، ومن عمره إلى نهاية وفي المضمار إلى غاية لقد عاش حميدا رشيدا، ومات فقيدا سعيدا، ولقد كان عظيم السلم، بسيط الحلم، رفيع العماد، وارى الزناد، منيع الحريم، سليم الأديم، ولقد كان في المحافل شريفا، وعلى الأرامل عطوفا، وعن الفحشاء عفيفا ومن الناس قريبا، وفيهم غريبا، وإن كان لمسوّدا، وإلى الخلفاء موفدا، وإن كانوا لقوله لسامعين ولرأيه متّبعين، ثم قعدت فقال من حضر: ما رأينا كاليوم امرأة أبلغ منها في قولها، ولا أصدق في وصفها.