وكذلك من هذا النوع سميت المعاول باسم القوم الذين نزلوا بها وكذلك البريمي سميت أخيرًا تسمية نسبة إلى بريم احد تجارها، وكان اسمها في الأصل تؤام، بتاء مثناة من فوق بعدها واو فألف فميم.
وكذلك على ما قيل في عبرى إن أول من عمرها رجل عبري.
وجملة أمكنة كذلك في العالم من تتبعها وجد منها كثيرًا.
وقد سميت الفرس عمان مزونا وفيها يقول القائل العربي:
إن كسرى سمى عمان مزونا ومزون يا صاح خير بلاد
في أبيات مشهورة، وللعرب تفنن كغيرهم، بل ولكل قوم عرف واصطلاحات.
(وأما الثانية): فاعلم أن المعرفة بعلم الأنساب مطلوبة، وتمييزاتالقبائل من بعضها لبعض أمور مندوبة، لما يترتب عليها من الأحكام الشرعية، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله: (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا)، وهل يحصل التعارف إلا بعلم النسب فيعرف به الرجل قومه وقرابته وعصبيته وهكذا.
ولا يخفى عليك أن تمييز بعض الناس من بعض تترتب عليه معرفة المواريث، ومن هو الوارث، ومن لاإرث له. والولاء في النكاح وبه يتقدم بعضهم على بعض، حتى ولاء العتق. وكذا معرفة
[ ٨٦ ]
مستحق الوقف لمعينين ومستحق وصية الأقربين ومن هم العاقلة في الدماء الذين يجب أن يطالبوا بها. وبعتبار النسب تعرف الأكفاء في النكاح ويعرف حسب المرأة بذلك كما أشار إليه قوله ﷺ: (تنكح المرأة لحسبها) الحديث، في كثير من الأحكام التي لامحل لهل هنا ولا اعتبار بقول بعضهم النسب علم لاينفع وجهل لا يضر. ولا يخفى أن اسم العرب يشمل سكان القرى وأهل البادية ويختص اسم البدو بالأعراب الرحل. ومن عدا العرب يشملهم اسم العجم وقد علمت مما سبق أن العرب كلهم يرجعون إلى أصلين لا ثالث لهما. وفي ابتداء الأمر كانت مساكن العرب الجزيرة المعروفة بشبه جزيرة العرب، الواقعة في وسط المعمورة، وأعدل أماكنها، وأفضل بقاعها من جميع النواحي، ولسنا الآن مشغولين بالتعريف لجزيرة العرب، فهي معروفة. وبتبيين معنى القبيلة من الشعب، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، ومن كان في الأصل فصيلة فصار فخذًا أو كان فخذًا فصار بطنًا، أو بطنًا فصار عمارة، أو عمارة فصار قبيلة، أو قبيلة فصار شعبًا. وهكذا ..، ولكن هذا مما تحويه المطولات التي تهتم بعموم الأحوال للعرب، كمساكنها، والأقطار التي يتفاهم أهلها بالعربية، ويتلقون ثقافة عربية. ومن كان في الأصل غير عربي فصار عربيًا وهكذا ..
ومما يهم، انتساب الرجل إلى القبيلة التي ينضم إليها بالحلف
[ ٨٧ ]
أو بالولاء، فيقال فلان الفلاني بالحلف أو بالولاء. ويجوز معهم انتساب الرجل إلى قبيلته الأصلية وإلى القبيلة التي ينضم إليها أو إليهما معًا؛ كأن يقول فلان التميمي الأسدي، أو الوائلي النزاري، أو الأزدي الحميري، أو اليحمدي القحطاني، أو الأزدي الكهلاني، أو النبهاني الأزدي، أو الأزدي النبهاني، وهكذا ..
وقد تنسب القبيلة إلى الأم كما تنسب إلى الأب، فيقال خندفي، والسلولي، والبجلي، إذا انتسب إلى خندف، وسلول، ومجيلة وهكذا ..
وربما سميت القبيلة بلقب له سبب كغسان، وبني أنفتاقة ونحو ذلك .. ويقال للقبيلة آل فلان كما يقال بنو فلان وأولاد فلان وهكذا .. وربما أسقطوا الأب وانتسبوا إلى الجد وهوكثير فاشٍ، واليه يشير قوله ﷺ: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) ".
واعلم أن غالب تسميات العرب منقولة من أحوال ترد بهم، كحرب لمن يولد في الحرب، وحارب كذلك، وربيعة من يولد في الربيع، أو الأربعاء، أو خميس لمن يولد يوم الخميس، وجمعة لمن يولد يوم الجمعة، وكخصيب، ومحل، وكأسد، وفهر، ومنحر، وقمر، وصعب، وكفهد، ونمر، وسيف،
[ ٨٨ ]
وخنجر، ورمح، وكذلك: شعبان، ورمضان، ورجب، لمن يولد في هذه الأشهر. وكذلك إذا كان في عمود النسب اسان متوافقان، كحارث وحارث، وناصر وناصر، وقطن وقطن، ومالك ومالك، كلاهما من نسب واحد، عبروا من الأول بالأكبر، فيقولون: حارث الأكبر، حارث الأكبر، وعبروا عن الثاني بالأصغر، ومراد السن لا القدر والشأن، إذ ربما يكون الثاني أكبر شأنًا من الأول وأعلى قدرًا منه. وربما قالوا: محمدًا الأول ومحمدًا الثانيإذا كان في عمود النسب محمدان وثلاثة وأربعة وهكذا ..
ويشترط في الولاء الاحتفاظ على الأصل كما يشترط في الدخيل، وهكذا ..
تنبيه: اعلم أنه لما كانت عمان وطن الأزد خاصة قبل غيرهم من العرب ووطن مالك بن فهم وأولاده وذويه قبل غيرهم من الأزد، وجب أن نقدم في هذا الركن أولآ نسب مالك وأولاده ومن انتسب إليهم من الأفخاذ والبطون قبل غيرهم، ثم نعقب بعدهم بنسب الأزد على التوالي، ثم نأتي بعدهم بنسب باقي اليمن بعمان، إن شاء الله، على التوالي، حتى لانبخس أحدًا حقه، فإن التقدم في عمان للأزد بأجماع أهل التاريخ.
ومنهم مالك بن فهم وهو أقدمهم لشيئين: الأول: لمطلق
[ ٨٩ ]
السبق له. والثاني: لكونه من أعمدة الأزد في عمان، فقد فتحها هو وأخرج منها أرهاط كسرى، وبه صارت قاعدة عربية، لأن العجم تولوها عدة قرون قبل العرب الأزديين، وأن كان أول من نزلها عمان بن قحطان، وسميت به، وقد باد منها، ولم يبقى للعرب فيها سلطان، كما سوف تقف عليه إن شاء الله في تاريخنا العماني.