قد تقدم من الشرط في هذا النظم ألاّ نذكر من أنساب ما فَوْق قَحْطَان وعَدْنان للأحاديث التي رُويت عن النبي ﷺ وآله، وعن أصحابه والتابعين منهم بإحسان ﵃ أجمعين.
وإنما وجه تلك الأحاديث وخروج معانيها. والله أعلم أن كل نسب إلى فوق هذا فإنما أَتَى عن غَيْر العرب، فكَثُر الاختلافُ فيه، وكل نسب دون قَحْطان وعَدْنان فإن العرب يحفظون ذلك، تَحَفُّظَهم أرواحهم ما لم تتَحَفَّظُه أمة من الأمم، حتى إن الرجل لَيَعِّمُ ولده ونسبه كتَعْلِيِمه بَعْضَ مَنَافعه، وهو فعلهم من قديم الدهر، لئلا يدخل الرجل منهم في غير قَوْمِه ولا ينتسب إلى غير نسب قبيلته، حاطوا بذلك أحْسَابَهم وحَفِظُوا بِهِ أنْسَابَهُم، ولا نرى في ذلك نَسيئَّة، فمن أجل ذلك كلُّ ما كان فوق قَحْطَان وعدنان فإنما هو يُتَخَرصَّ.
وقد روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: ولد نوح أربعة، سام وهو أبو العرب وفارس والروم، ويافث أبو يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة، وحام وهو أبو البَرْبَر والقِبْط والسُّودَان، ويام وهو الذي قال) سَآوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُني مِنَ الْمَاءِ (.
وروى ابن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قال لَمَّا رَقَدَ نوحٌ في السفينة انكشَفَتْ عَوْرَتُه فنظر إليها أهلُ السفيَّنَة فاستَحْيَوا أن يَسْتُرُوه، ولم يَجْسِر عليه أحدٌ بذلك لَمِكَانِهِ من الله ﷿، ونظر إليه ابنهُ حام فضَحِكَ ولم يستره، فلما نظر إليه ابُنه سام قام فستره وسوَّى عليه ثيابه، فأوحى الله إلى نوحٍ بذلك، فقال نوح لحام: ياحام نظرتَ إلي عُرْيَانًا فلم تسترني وقد بدت عَوْرَتِي إلى الناس!! كشف اللهُ عَوْرَتَك وعورةَ وَلَدِك من بَعْدِك، وجعلهم عُرْيًا يكونون ما بقي منهم أحد واذلهم الله لَوِلَد سام، وجعل الله النبوة والكتابَ والمُلكَ في ولد سام إلى يوم القيامة. فاستجاب الله له، فلم يجعل من وَلَدِ حامِ ولا يافث نَبِيًا، ولا يجعله إلى، يوم القيامة.
قال ابن الكلبي: فمن ولد سام طَسْمٌ وجَدِيسٌ وجُرْهُمُ والعَّماليقُ وقَنْطُورَا وأرش والعَرَبُ والرومُ وفارسُ وخُراسَان والنّسنْناس.
ومن ولد يافث: يأجُوج ومأجوج والترك والصَّقَالبة واللاّن والأشيان والطاريند وتارش وسوانيد وتاويل وبتاويل.
ومن ولد حام: السِّنْدُ والهِنْدَ والزَّنْجَ والحَبَشُ والسُّودَان والبَجّةُ والنُّوبَةُ والزُّط والقِبْطُ والبَرْبَر.
ورُوِيَ عن وهب بن مُنَبِّه أنه قال: إن الناس كلّهم انتشروا من ولد سام وحام ابني نوح ﵇، فولد لسام بن نوح أرْفَخْشَذ وإرَم وعُويلم وآشور.
فأما عويلم فهم الأَهْوَاز والسَّوس واما اولاد آشور فهم أهل الجزيرة الجرامية ومن معهم من أهل الجزيره. وأما ولد إرَم فَطَسْمٌ وجَدِيسٌ وعَوْص وجاثر ولاوذ وماش.
فولد عَوْضُ عادًا وعبيلا ابني عَوْص بن إرم بن سام بن نوح. فسار عاد بولده يريد الأحْقَاف وهو يقول:
يا قوم جيبوا صوت ذا المنادي سيروا إلى الأرض ذي الأطواد
إني أنا عادُ الطويلُ النادي وسام جَدِّي ابنْ نوح الهادي
[ ٤٥ ]
فنزلوا الأحْقافَ، وأُهْلَكُوا بالرِّيح العقيم، إلا من كان ولد الخلود بن عاد، وهم هودٌ ﵇ ومن معه من ولده، وأهل بيته، فإنهم أنجاهم الله، ونزل بهم مكة إلى أن مات.
ثم نزل ابنه قَحْطَان بن هود بولده أرضَ اليَمَن، وسار عبيل بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح بولده فنزلوا موضع الجحفة، وإنما سميت لأنهم لما سكنوها جاءهم سيل فاجتحفهم إلا الشاذ منهم، فسميت الجحفة.
ونزل يَثْرِب بن قاينه بن مهليل بن إرم بن عبيل بالمدينة، فسميت يَثْرب به، فعمرها، فأخرجهم منها العَمَالِيقَ. وقال بعض ولده يرثيه:
يا عين جودي على عبيل وهل يرجع مافات فيضُها بالسجام
عمروا يَثْرِبًا وليس بها سَفْر ولا صارخ ولاذو سلام
غرسوا لينها بمجرى معين ثم حَفُوا الغَسِيل بالأكمام
وولد جائر بن عاد ثَمُود وجديس ابني جاثر بن إرم بن سام بن نوح، فنزلوا اليَّمامَة، وأهْلِكُوا بالرَّجْفَةِ يوم صالح، فمن ولد عاد هود نبي الله بن عبيد الله بن رباح بن أخلود بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وولد لاوذ عِمْلاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، وهم العماليق، نزلوا الحَرَم واكْنَافَه، فأهْلِكُوا، ولحق بعضُ أولاده بالشام، فمنهم كانت العماليق الذين قاتلهم موسى ببني إسرائيل، ومنهم فراعنة مصر، ومنهم فرعون يوسف وأسمه الرَّيَّان بن الوليد بن ثروان بن أراشاهُ ابن قاران بن عمرو بن عِمَلاَق بن لاوذ بن إرَم بن سام بن نوح ومنهم قابوس بن مُصْعَب بن معاوية بن سير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح. وكلاهما كانا في أيام يَوسُف. ومن ولد الريان آسية بنت مزاحم بن عبيد امرأة فِرْعَون مُوسى. ومنهم معاوية بن بكر بن شييم بن شكر بن هليل بن عنز بن عملاق. وهو صاحب الجَرَادَتين، وكان من حديثه أن عادًا لما كذَّبُوا هودًا تَوَالَت عليهم ثلاث سنين تَهُبُّ عليهم الريحُ بلا مطر ولا سَحَاب، فجمعوا مِنْ قَوْمهم سَبْعِيَنَ رَجُلاَ وبعثوا بهم إلى مكة ليستسقوا لهم، وكان سُكّان مَكّة في ذلك الوقت العماليق، وعليهم معاوية بن بكر فَرَأَسُّوا على السبعين الذين وجهوهم للاستسقاء، قَيْلَ بن عير بن عاد الأصغر بن عاديا بن عَوْص بن إرم ابن سام بن نوح ولُقَيْمَ بن هُزَال ومرثد بن سعد بن عُفَير - وكان مسلما يكتم إسلامه. وجلهم بن الخبيري ولقمان بن عاد الأصغر بن عاديا.
وكانت العرب إذا أصابها جهد جاءت إلى بيت الله الحرام فسألت الله فيعطيهم مسألَتَهُم ما لم يسألوا فَسَادًا، فلما قدم وفدُ عاد نَزَلوا على معاوية بن بكر، وكان سيد العماليق يومئذ بمكة، لأنهم كانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا يُكْرمُهم بغاية الكرامة، وكانت عنده جَارِيَتَان يُقالُ لهما الجَرَادَتَان يغنيانهم فلهوا عن قومهم شهرا، فلما رأى معاويةُ ذلك من طول مقامهم شَقَّ عليه وقال: هلك أخوالي وأصهاري، مالعاد الآن أشأم مني، وإن قلتُ لهم شيئا وأنكرتُ عليهم أمرهم تَوَهَّمُوا أنَّ هذا بُخْلٌ مني، فقال شِعْرًا ورَفَعَه إلى الجَرَدَتَيِن يُغَنَّياهُم به وهو ما يقولاه. فقال:
ألاَ يَاقَيْلُ قُمّ فِينا فَهَيْنَمِ لَعَلَّ الله يُصْحبنا غَمَامَا
وقد تقدم ذكر هؤلاء الأبيات في صدر الكتاب، فلما غَنَّتهم الجَرَادَتَان بهؤلاء الأبيات قال بعضهُم لبعض، إنما بعثكم قومُكم لتستسقوا لهم، فقاموا يدعون الله. وقال مَرْثد بن سَعْد بن عفير وأظهر إيمانه:
عصت عادٌ رسولَهُمُ فأمْسَوْا عِطَاشًا ما تَبَلُّهُمُ السماءُ
[ ٤٦ ]
وقد تقدم ذكرٌ لها. فلما أظهر مَرْثد بن سعد إسلامه تخلَّف عن الوفد لأنهم لم يرئسِوُهُ ورَأسُّوا عليهم قِيْلًا، فدعوا الله لقومهم. وكانوا إذا دعوا أجابهم نداٌ من السماء: أن أسألوا تُعْطَوْنَ ما تَسْألُون. فدعوا الله ربهم لقومهم واستسقوا لهم، فأنشأ الله ثلاث سَحَائِبَ، بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى مناد من السماء: يا قيل اخْتَرْ لَنْفْسِك ولقومك من هذه السحائب فاختار السَّوْدَاء. فناداهم مناد: اخترت لنفسك ولقومك رَمَاداَ أرْمَداَ، لا يُبْقي من عادٍ أحدًا، لا ولالدا. فسيَّرها الله إلى قومه الذين اختار لهم. وهم عاد. فأهْلِكُوا بالرِّيحِ العقيم.
ونُودي لقمان: أن سَلْ، فسأل عُمْرَ سبعة أَنْسُرٍ، فأعطى ذلك، وكان يأخذ فرخَ النَّسْرَ من وَكْرِهِ فلا يزال عنده حتى يَمُوت، وكان آخر نُسُورِهِ لُبَد، فَصَيَّرتُهُ العَرَبُ مَثَلًا، فتقول: أكْبَر من لبد، وعمر لبد. وفيه يقول النابغة الذُّبْيَاني:
أضْحَتْ خَلاَءً وأضْحَى أهْلُها أخْنى عَلَيْهَا الَذِي أخْنَى عَلَى لُبَدِ
وأعتزل هودٌ ومن معه من المؤمنين في حظيرة فأنجاهم الله من العذاب. وقال المهلهل بن جبيل في ذلك:
لو ان عاد سَمعت مِنْ هُود واتَّبَعَت طريقَه الرشيد
وقد دَعُا بالوَعْدِ والوَعِيد عادا وبالتقريب والتبعيد
ما أصبحت عاثرة الجدود ولَهَى على الأنُوفِ والخدود
ساقطة الأجْسَاد والوصيد ماذا جنى الوِفْدُ من الوفود
أُحدوثة للأبد الأبيد
وقد اتينا باختلاف اقوالهم ليكون اوضح للنظم، وأبين للذي أردنا أن شاء الله.