ونكح لاوذ بن سام بن نوح شبكة بنت يافث، فولدت له فارس، وجرجان، وأجناس الفرس. وولد لاوذ مع فارس: طَسم، وجَدِيس، وعِمليق. ولا أدري أهؤلاء لأم الفرس أم الا، فعمليق أبو العماليق، كلهم أمم تفرقت في البلاد، وكان منزل عِملِيق الحَرَم وأكناف مكة، ولحق بعضُ وِلده بالشام، فمنهم كانت العماليق الذين قاتلهم مُوسى ببني إسرائيل، ومن العماليق الَفرَاعِنة بمصر، منهم فِرعون يُوسف واسمه الرّيان بن اللوليد بن ثروان بن راشة بن قاران بن عمرو بن عِمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح.
ومنهم قابوس بن المصعب بن معاوية بن نُمير السلواس بن قاران ابن عمرو بن عِمليق بن لاوذ بن إرم سام بن نوح. وكلاهما كانا في أيّام يوسف.
ومن ولد الرّيان آسية بنت مَّزاحم بن عبيد امرأة فرعون موسى.
ومنهم معاوية بن عمرو بن لاوذ بن بكر ابن شييم بن سكير بن هليل بن عمرو بن عمليق بن لاوذ صاحب الحَرادَتين، جاريتين كانتا له للأستسقاء.
[ ٢٦ ]
وولد لاوذ أيضا أميم بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان كثير الولد، فنزع بعضُ ولده إلى حام بن يافث بالمشرق، وأجناس الفرس كلهم من ولده. وفي ذلك يقول بعض شعراء فارس:
أبونا أمُيم الخيرِ مِن بَعِد فارس وفارس أرباب الملوك لهم فخر
وقال قوم: الفرس بنو فارس بن تيرس بن باسود بن سام بن نوح، وقال آخرون: هم بنو فارس بن المرزبان بن الأسود بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇.
وقال آخرون: بل هم لاوذ بن سام.
وأكثر القول: إن فارس بن أمُيم بن لاوذ بن سام بن نوح، وفارس من ولد فهلوج بن إيران ابن الأسود بن سام بن نوح، فمن ولد الأسود إيران بن الأسود وبه سمي إيران شِهر ومن ولد إيران كوز. فقالوا كرمان رهط شهريار بنوكوين بن فهلوج بن إيران بن الأسود بن سام. قال: وكذلك سموا كِرمان، أي هم بقية ولد كرين بن فهلوج، وقالوا: سِجستان بنوأشك بن فهلوج.
وقال ابن قتيبة طسم وجديس ابناء لاوذ نزلوا اليمامة، وكانت جديس قوما عرب يتكلمون بهذا اللسان العربي، وكانت جُديس تسكن اليمامة، فقتلتها طَسم وأَفنتها وطَسم أبناء لاوذ وأخوهما عِمليق بن لاوذ، نزل بعضهم الشام ومنهم العماليق تفر في البلاد، ومنهم فراعنة مصر، والجبابرة ومنهم ملوك فارس، وأهل خُرسان ومنهم من كان بالمشرق وعُمان والحجَاز، ومنهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقر لهم الكنعانيون، ومنهم من كان بعمان والبحرين، أمة منهم يُسمون جاسم. قال: ولد أميم بن لاوذ بن سام وبار بن أميم، فنزل وبار بأرض وبار برَمل عالج وكان ولده قد كثروا بها وربلوا، فأصبتهم من الله نقمة من معصية أصابوها فهلكوا وبقيت منهم بقية، وهم الذين يقال لهم النسناس، يزعم العرب أنهم قد بعضهم للرجل والمرأة نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة، ويد واحدة ورجلواحدة تدخل في شق واحد ينفرون كما تنفر الظباء، يقال لهم النسناس. وإنما سُمِّيِت وَنَبار لَوِبَار بن أمَيْم، ووَبَار بلاد لايطؤها الناس، امتنعت من الجِنّ، وهم فيما يزعمون أكثر أرض الله نَخْلًا.
محمد بن إسحق، عن عامر بن الأسود بن وهب الثقفي، عن بعض العرب: أن رجلا مِنَ الجِنَّ وقف في الجاهلية بسُوق عُكَاظ على بعير له مثل الشاة، ثم قال حتى أسَمَعَ النَاس، وكانت عكاظ سوقًا من أسواق العرب يجتمعون فيها. فقال:
مَنْ يُعْطِني سِتَّا وسِتِّين بَكْرَة هِجَاناَ دراما أهداها لَوبَار
ثم ضرب بعيرة فَلَمع به كالبرق والعرب تزعم إنما يمنعهم منها أن سكانها الجن، وأنه قد خاذ خائض منهم إليها، فلم يقدر على أن يطمئن بها مِنْ عرف الجِنَّ إذا أمسوا، فتركتها العرب وبها آثار الناس مساكن ودور ليس بها ساكن.
قال أو حاتم السِّجِسْتَاني: وذكر بعض الثقات من شيوخنا: أن رجلا من اليمن رأى في إبله جَمَلاَ كأنه الكَوْكَب بياضًا وحُسنًا، فأقره فيها حتى ضربها، فلما لقحت ذهب راجِعًا حتى كان العام المُقبِل وإنه قد جاء قد نتج الرجل إبله، وتحركت أولادُها: فلم يزل فيها حتى ألقحها، ثم كرّ راجعا، وتبعه أولادُه وتَبِعَه الرجلُ، فلم يزل فيها حتى صار بعين وبار - وهي عين ماء الجن لا يَدْرِي أحدٌ ماهي اليوم - فأدركها عند إبل وَحْشِيَة وحَمِير وظباء وبقر ونَخلْ قَدَ بَلغ ثَمَرها، وأنها ليس بها أحدًا يطوَّها، ولا يعلم بها، وتلك الوحوش تحميها. قال وإنه أتاه ردلُ من الجِنّ فقال له ما أوقعك هنا؟ فقال: تبعتُ إبلي هذه. فقال: لو كنتُ قَدِمْتُ إليك قَبْلُ لَقَتَلْتك، ولكن اذهب ولا تعُد، وعمد إلى إبله فحازها له، وصرفها معه فيزعمون أن هذه النجائب المَهْرِيَّة من ذلك النسل، وجاء الرجل فحدّث به بعض ملوك كِنْدة فطلبها حتى أعيا. فلم يَقْدر عليها، ولم يهلم أين هي حتى الساعة، فتلك عين وبار.
وحدثني، أصحابنا قال: خرج رجلٌ من إرم ينعى على ضالة له، فوقع على وَبَار، فرأى نَخلاَ كثيرا وماءً وثَمْرًا مَطْرُوحًا تحت النخل، ثم رجع فأخبر بما رأى، ثم عَلَّم الطريق بعلامات، فاجتمع معه قومٌ ومضوا أياما، وطلبوا العلامات فلم يقدروا على وبار، ولم يَرَوْها.
[ ٢٧ ]
قال: وكان طسُم بن لاوذ ساكن اليمامة وما حولها قد كثروا بها وربلوا إلى البَحْرَين: وكانت طَسْمٌ والعماليق قومًا عَرَبًا لسانُهم الذي جُبِلُوا عليه لسان عربي، وكانت فارس من هذا المشرق يتكلمون بهذا اللسان الفارسي. فعادٌ وثمود والعماليق وأمَيْم وطَسم وجَديس وجاسم وبنو قحطان بن هود هم العرب العاربة، لأن لسانهم الذي جبلوا عليه عربي. ويقولون لبني إسماعيل بن إبراهيم العرب المعترية، لأنهم إنما تكلموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا أظهرهم وكانت عاد بهذه الرملة إلى حضر موت واليمن كله، وكان الله قد أعطاهم بسطة في الخلق. وكانت ثمود بالحِجْر بَيْن الحجاز والشام إلى وادي القُرى إلى ما حوله، ولحقت جديس وطَسْم وكانوا معهم باليَّمامَة وما حولها إلى البحرين، وأسم اليمامة إذ ذاك " جَوّالي أن بَغَتْ جَديس على طَسَمْ فغزاهم تُبَّعَ فأبادهم. ونزل العماليق البَحْرَيْن وعُمان، ثم انتشروا في البلاد حتى ملأوا جزيرة العرب، وحدود جزيرة العرب في الطول ما بين العُذَيب إلى عَدَن.
قال الهَيْثَم بن عَدِيّ، قال مجاهد: سئل الشّعَبيّ عن جزيرة العرب فقال: ما بين العُذَيب إلى حَضَرَمَوْت. قال: أخبرني أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السَجِسْتَاني، قال حدثنا أبو عُبَيْدة مَعُمَر بن المَثَنَّى، قال: جزيرة العرب خمسة أقسام، تِهَامَةوالحجاز، ونَجْد والعَرُوض واليَمَن، وذلك أن جبل السَّراة. هو أعظم جبال الَعَرب. أقبل من ثغرة اليَمَن حتى بلغ أطراف بَوَادي الشام، فسمته العرب حجازا: لأنه حَجَز بين الغور وهو هابط وبَيْن نَجْد، وهو ظاهر ثم صار ما خَلْف هذا الجبل من غريبة إلى سيَاف البحر من بلاد الأشعريين، وعَكَّ. وفرسان كنانة وما حولها إلى ذات عرِقْ والجُحْفة وما صَاقَبها وغَعَار من أرضها الغور غَوْر تِهامة وتهاكة تجمع ذلك كلّه. وصار شَرْقي هذا الجبل من الصَّحَارَى والنَخَلُ إلى أطَرْاف العِراق والسَّمَاوة، وما يليها نَجْدًا، ونَجْد تَجْمَع ذلك كله. وصار الجبل كله سراة، وسمي السراة لارتفاعه وهو الحجاز والحجاز ما احتجز به من الجبال، وشرقي مُرْد والحرار إلى ناحية فيد وجبلي طَي إلى المدينة ومن بلاد مذحج، وهي متاخمة اليمن إلى تثليث وما دونها إلى فيد حجازا، والعرب تسميه نَجْدًا وجِلْسًا وحجازا، والحجاز يجمع ذلك كله، وصارت اليمامة والبحرين وما والاها عَرُوضا. وفيها تهايَّم ونُجُود. ونجد لقربها من النجاد وانخفاض مَسَايل الأودية، وصار ما خلف تثليث إلى صنعاء إلى حَضَرَمَوْت والشَّحْر وعُمان يَمَناَ، وفيها التهايم والنجد. واليمن يجمع ذلك كله. ويتلوه الذي في الرقعة عجلا مُصْعدًا حتى يَنْحَدر إلى ثنايا ذات عرق فإذا فعلت ذلك فقد انتهت إلى البَحْر، وإذا عرضَتْ لك الحرار. وأنت بنَجْد فتلك الحجاز، وأذا تصوبت فالحجاز مكة والمدينة وما والاهما.
والعرب تسمى اليمامة والبحرين العَرُوض، قال أبو المنذر هشام بن محمد: بن السائب إنما بلاد العرب الجزيرة لإحاطة البحور بها والأنهار بها من أطرافها وأقطارها، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحور، وذلك أن الفراق أقبل من بلاد الرُّوم فظهر بناحية قنسرين، ثم انحط إلى أطراف البَصْرة والأبُلّة، وامتد البحر من ذلك مُطِيفًا ببلاد العَرَب، مُنْعَطفًَا عليها، فأتى منها على سفوان وكاظمة، ونفذ منها إلى القطِيَف وهَجَر، وأسياف قطرُ عُمان. ومال منه إلى حَضَرَمَوْت وناحية أبين وعدن ودهلك واستطال ذلك العنق، فطعن إلى تهايُم اليمن بلاد فَرَسان وحكم والأشعريين وعَكّ ومضى إلى ساحل جدّة، وحازَ ساحل المدينة ثم ساحل الطُّور وخليج أيْلة، وساحل بانه حتى بلغ قَلْزَم مصر، وخالط بلادها، وأقبل النيل في غربي هذا العنف من أعلى بلاد السُّودان مستطيلا معارضا للبحر معه حتى دفع في بحر مصر والشام، ثم أقبل ذلك البحرُ من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين، فمر بعَسْقَلان وسواحلها، حتى إذا أتى على ساحل الأردن، وعلى بيروت وذواتها من سواحل دمَشْق، ثم نفد إلى سواحل حِمْص وسواحل قُنسرين حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحطا على أطراف قنسرين والجزيرة إلى سوادِ العِراق. قد ذكرت العرب هؤلاء الخمسة الأقسام في أشعارها.
[ ٢٨ ]
قال: وذات عرق جبل بين تهامة ونجد. قال أبو المنذر وكانت الأرضُ ثلاث منازل، فما كان قبل مَهَبِّ الشمال والصُبَا وهو الصفوان عن يمين الشمال إلى مَغْرَبَها فلبني يافث بن نوح، فجعل الله فيهم الشقرة والحُمرة لبُعْد أرضهم وسمائهم من الشمس، واشتد بردها، فليس يجري فوقهم شيء من النجوم السبعة الجارية، لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجَدْي والفَرْقَدْين، وابتلوا بالطاعون، وما كان من مَهَبّ الجنوب والدّبُور وهو لدّاوُم عن يسار الشمس إلى مغربها وسماءهم، وأجرى الشمس والنجوم فوقهم، ورفع عنهم الطاعون.
وما كان من سرة الأرض، وهو المَجْدل ما بين المشرق إلى المغرب فلبني سام بن نوح، والمجدل ما بين ساتيد ما إلى البحر، وما بين البحر إلى الشام.
وقال الشرقي: نزل سام بن نوح الشام أوّل من نزلها فسميت به، وقال الكلبي: لما تفرقوا من بابِل أخذ قومُ يمينا فسميت اليَمَن، وأخذ قوم شمالا فسميت الشام، فجعل الله تعالى لبني سام النبوة والكتاب والملك والجهاد والأدمة والبياض، فللعرب من المجدل ما دون هذه الخمسة، تهامة ونجد والحجاز والعَرْوض واليَمَن. والحجاز مكة والمدينة وما والاهما، والعرب تسمى اليمامة والبحرين العروض، لأنها كانت في ناحية العرب معترضة.
وأما السواد فإنهما سودان البصرة وسواد الكوفة فأما سواد البصرة فالأهواز ودست مَيْسان، وفارس. وأما سواد الكوفة فكُسْكُر. وحُلْوَان والكُوفة والجَزِيرة - هي ما بين دجلة والفرات - والموصل من الجزيرة إلى الجودي.
قال: ومن العماليق بنو مأرب بن قاران بن عمرو بن عِمْلِيق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكانت عبيل ابن العوص بثيرب، فأخرجتهم العماليق منها إلى الجحفة، فأقبل سيل فاجتحفهم، فسميت الجحفة لذلك. وفي موضع آخر ثم لحقت عبيل بموضع يَثْرب ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضهم إلى يثرب وأخرجوا منها عبيلا، فنزلوا بموضع الجُحفة فأقبل سيل فاجتحفهم وذهب بهم، فسميت الجحفة، وذكر هودَ النبي ﷺ وقصة قومِهِ. قال وهب بن منبه: هو هود بن عبد الله بن أرباح بن جادب بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.