قال وهب: إن الله تعالى بعث صالحًا حين راهق الحُلُمَ وكان رجلا أحمر إلى البياض. سبط الشعر، وكان يمشي حافيا، ولايتخذ حذاء، كما يمشي المسيح، ولايتخذ مسكنا ولا بيتا، ولا يزال مع ناقه رَبَّهِ حَيْثُ توجَّهت، وهو صالح بن عبيد بن أنيف ابن ماشخ بن عبيد بن جائر بن ثَمُود بن عابر بن إرم بن سام ابن نوح: فبعثه الله تعالى إلى قومه وهو غلام، وكان بينه وبين هود فترة خمسمائة سنة، وكانت منازل قومه الحِجْر وبين الحجر وبين القرح ثلاثة عشر ميلا، وقرح: وادي القرى.
وكان الله ﷿ بعث صالحا إلى قومه من ثمود حين كفروا نعمة الله وأظهروا الفساد في الأرض، وعَتَوْا عن أمره. وكانوا يسكنون الحجر إلى وادي القُرى بين الحجاز والشام. وكان الله أمْهَلَهم في الدنيا، فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من الممَدرَ فيتهدم والرجل منهم حَيَّ، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بُيُوتًْا فَرِهِين، فنحتوها وجابوها وجوفوها، وكانوا في سعة من مَعَاشِهم. فلما أهلك الله ﵎ قومَ عاد الذين كَاَنَ المُلْكُ فيهم وانقرضوا ولم يبق لهم نسل تَحَوَّل المُلْك من بعدهم إلى قَحّطَان بن هود بن عبيد الله شالخ بن أخلود بن الخلود بن عاد بن عَوْص ابن إرم بن سام بن نوح وولده وَهُم بنو عمهم.
[ ٣٣ ]
وكان قحطان بن هود أوّل من مَلَكَ اليَمَن، وأوّل من سُلِّمَ عليه بأبَيْتَ اللَّعْنَ: كما كان يقال للملوك من بعده، واليمن كلهم من ولده وجُمَّاعُهم إليه. وسُمِّيَت ولده اليَمَن حين تَيَامَنُوا إليها ونزلوا بها. وكان بنو عَمِّهم ثَّمُود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح مُلُوكًا من تًحْتَ إيديهم، وكانت منازلهم الحجر إلى واد القرى بين الحجاز والشام. وكان الله ﵎ قد أمهلهم في الدنيا وأطال أعمارهم حتى جعل يبني المسكن من المدر فينهدم وهو بعد حي.
وفي نسخة وهو صالح بن آسف بن كاشح بن إرم بن ثمود بن عابر فبعثه الله رسولا يدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، حتى عَتَوْا عن أمِرْ ربهم فكفروا به وأفسدوا في الأرض، وكان من جوابهم له) قالُوا: يا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًْا قَبْلَ هَذّا أتَنْهاَناَ أنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإنَّنَا لَفِي شَكٍ مِمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ مُرِيب (وكان الله قد مدَّ لهم في الأعمار، يقول الله جل ثناؤه يذكر عن نبيه صالح حين حذّر قومه العذاب فقال) وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُم خُلَفَاءَ من بعد عادٍ وَبْوأكُمْ تَّتخِذونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصٌورًا وتَنْحِتُونَ الجَبَالَ بُيُوتًا (وهو قوله) وَثَمُودَ الَّذِيَن جَابُوا الصَّخْرَ بالْوَاد (وقال) وَلَقدْ كَذَّبَ أصْحَابُ الحِجْرِ المُرْسَلِين (. وقال) إذْ قَالَ لَهُمْ أخُوُهُمْ صَالِحُ ألاَ تَتَّقُونَ (.
فلما قال له قومه أئتنا بأية أتى لهم بهضبة فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل، ثم انشقت عن الناقة، وعَاقِرُ الناقةِ هو أحْمَرُ ثَمُود الذي يُضْرَب به المثل في الشُّوْم، واسمه قدار بن سالف، وكان أحمر أشقر أزرق قصير القامة والعاقرُ الآخر مصدع بن مهرج، وكان رجلا نحيفا طويلا أهوج مضطربا. ولما عقرت الناقة صعد فصيلها جبلا ثم رغا، فأتاهم العذاب. قال غير وهب: فلذلك تقول العرب في القوم إذا هلكوا: رغا فوقهم صقب السماء.
[ ٣٤ ]
وكان الله ﵎ قد بعث إليهم صالحًا رَسُولًا يدعوهم إلى توحيد الله والإفراد بالعبادة حين عتوا على ربهم وَكَفَروْا به، ولم يزل صالح يدعوهم إلى الله وهم على تَمَرُّدِهِم وطُغْيَانِهم، فلم يزدهم دعاؤه إياهم إلا مباعدة من الإجابة، فلما طال ذلك من أمرهم وأمر صالح قالوا: إن كنت صادقا فادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله، فدعا صالح ربه ثم قال لهم: اخرجوا إلي هضبة من الأرض. فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل. ثم إنها تفرَّجَت فخرجت من وسطها الناقةَ، فقال لهم صالح:) هَذِهِ نَاَقَةُ الله لَكُمْ آيّةٌ فَذَرُوها تأكُلْ في أرْض الله وَلاَ تَمَسوُّها بِسُوءٍ فَيَأخُذكم عَذَابٌ ألّيم (وقال) لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمَ مَعْلُومٍ (وكان شربها يوما وشربهم يوما، فإذا كان يوم شربها خلوا عنها وعن الماء وحلبوها، فملآوا منها كل إناء ووعاء وسقاء فإذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء ولم تشرب منه شيئا فملئوا كل إناء وسقا فأوحى الله إلى صالح: أن قومك سيعقرون ناقتك فكلمهم في ذلك. فقالوا: ما كنا لنفعل. فقال لاتعقروها أنتم، أوْشَك أن يولد فيكم مولود يَعْقِرها. قالوا: وما علامة ذلك المولود؟ فو الله ما نجده إلا قتلناه. قال إنه غلام أشقر أصهب أحمر قال: وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفوا، فجمع بينهما مجلسٌ فقال أحدهما لصاحبه: ما منعك أن تُزَوِّج ابنك،؟ قال: لا أجد له كفوًا قال فإن ابنتي كفو له، وأنا أزوُّجه بها. قال فزوّجَه إياها فولد بينهما ذلك المولود، وكان في المدينة تسعة رهط يُفْسِدُون في الأرض ولا يصلحون. فلما قال صالح إنما يعقرها مولودٌ فيكم اختاروا ثماني نِسْوة قَوَابل من القرية أدخلوا معهن شُرَطًا كانوا يطوفون في القرية، فإذا وجدوا المرأة تتمخض نظروا ما ولدها؟ فإن كان غلامًا قبلنه فينظرون ما لونه. وإن كان جارية أعرضوا عنها، فلما وجدوا ذلك المولود صَرخ النسوةُ وقُلْنَ هذا الذي يريُد رسولُ الله صالح، فأراد الشُرَطُ أن يأخذوه، فأحال جَدَّاه بينه وبينهم، وقالوا لهم: إنْ صالح أراد هذا قتلناه. فكان شَرَّ مَوْلُودٍ، وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة فاجتمع الثمانية بعد التسعة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون - وفيهم الشيخان قالوا: استعمل عَلَيْنا هذا الغلام، لمنزلته وشرف جديه، وكانو تسعة وكان صالح لا ينام معهم في القرية. كان في مسجد يقال له مسجد صالح فيه يبيت الليل، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم، فإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه قال فأرادوا أن يمكروا بصالح فائتمروا بينهم بقتله. فمشوا حتى أتوا على سَرَبٍ على طريق صالح فاختبأ فيه ثمانية، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه، وأتينا أهله. فخرج عليهم، فبيتناهم، فأمر الله الأرض فاستوت عليهم.
[ ٣٥ ]
وقيل إنهم لما عزموا على قتله فأقبلوا حتى دخلوا تحت صَخْرَةٍ يرصدونه، فأرسل الله عليهم الصَخَّرة فرضختهم فأصبحوا رضخا: فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رُضخ فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله أما رضى صالح أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم؟ فاجتمع أهل القرية على عَقر النَّاقة أجمعون، وأجمعوا عنها إلا ذلك الابن العاشر فمشوا إلى الناقة وهي على حوضها قائمة، فقال الشقي لأحدهم: أئتها فأعقرها، فأتاها فتعاظمه ذلك، فأضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظم ذلك، فجعل لا يبعث رجلا إلا تعاظمه أمرها. حتى مشى إليها وتطاول فضرب عُرقُوبها فوقعت ترتكض، فأتى رجل منهم صالحا فقال: أدرك الناقة فقد عُقرت. فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه يل نبي الله إنما عقرها فلان، إنه لا ذنب لنا.: قال: انظروا هل تدركون فصيلها، فإذا أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب. فخرجوا يطلبونه، فلما رأى الفصيلُ أمه تضطرب أتى جَبَلا. يقال له القادة قصيرا فصعده، فصعدوا وذهبوا ليأخذوه. فأوحى الله إلى الجبل فتطاول في السماء حتى تناله الطير: قال: ودخل صالح القرية فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحا فَرَغا رغوة، ثم رغا أخرى ثم رغا ثالثة، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم، وذلك قوله تعالى) فَقَالَ تَمتَّعُوا في دَارِكم ثَلاثَة أيّامٍ ذَلِكَ وَعَد غَيرُ مَكذُوبٍ (ألا إن آية العذاب أن اليوم الأول تُصبحُ وجوههم مُصفَرَّة، واليوم الثاني مُحمَرَّة، واليوم الثالث مسودة. فلما أصبحوا في اليوم الأول فكأن وجوههم طُليت بالخلوق صَغِيرهم وكبيرهم وذكرهم وأناثهم، فلما أمسوا صَاحوا بأجمعهم ألا إنه قد مضى يوم من الأجل، وحضرهم العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الثاني إذا وجوههم مُحمرَّة كأنها خُضِّبت بالدِّماء، فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومان من الأجل وحَضركم العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الثالث فإذا وجوهُهُم مُسودة كلها كأنها طُليت بالقار، فصاحوا جميعا ألا قد حَضِركم العذاب فتكفنوا وتحنطوا وكان حنوطهم الصَّبر والمُقل. وكانت أكفانهم الأنطاع. ثم ألقوا نفوسهم بالأرض فجعلوا يَقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة لا يدرون من حيث يأتيهم العذاب، من فوقهم من السماء أو من تحت أرجلهم من الأرض خُشَّعًا فُرقا. فلما أصبحوا، اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فتقطعت من صوتها قُلُوبهم في صدورهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
وعن ابن جُريج قال: حُدَّثتُ أنه لما أخذتهم الصيحة أهلك الله من بين المشارق والمغارب منهم إلا رجلا واحدة. كان في حرمه الله، وهو أبو رغال، ويقال إن أبا رغال هو ثقيف. وقال رسول الله ﷺ حين أتى على قرية ثمود قال لأصحابه، لا يدخلن أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم وأراهم مُرتقى الفصيل حينَ أرتقى في القارة.
وبإسناد عن ابن جُريج عن النبي ﷺ حين مروا على قرية ثمود قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين: إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يُصيبكم ما أصابهم " قال ابن جريج، قال جابر بن عبد الله وغيره: لإن النبي ﷺ لما أتى على الحِجرِ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم ورودها.