صحابية ﵂ اسمها غُزية، واختلف في اسم أبيها فقيل: بنت جابر بن حكيم الدوسي (٤)، وقيل: دودان بن عمرو (٥)، والأكثرون على أنها هي التي وهبت
_________________
(١) هذا يؤيد أن أم جميل هي الوافدة على عمر - ﵁ -، وعمرو المذكور هو لدها، وتقدم أنه من ذوي الجاه في قريش.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٦٢.
(٣) أم شريك بن أبي العكر الأزدي من ميدعان، وأمها خبية بنت غزوان بن هلال بن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو. إكمال الإكمال ٣/ ١١٩.
(٤) المنتظم ٢/ ١٥٦، وتفسير الألوسي ١٧/ ١٨٠.
(٥) إكمال الإكمال ٣/ ١١٩.
[ ٣٧ ]
نفسها للنبي - ﷺ - فلم يقبلها، فلم تتزوج حتى ماتت (١)، قال محمد بن عمر الواقدي: رأيت مَن عندنا يقولون: إن الآية نزلت في أم شريك وإن الثبت عندنا أنها امرأة من دوس من الأزد (٢).
قلت: الصحيح أنه قبلها بغير مهر، ودخل عليها (٣)، وهي التي غارت منها عائشة ﵂، وكانت أم شريك جميلة، وهي غير أسماء الجونية المتعوذة، قالت عائشة ﵂: ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك ﵂: فأنا تلك، فسماها الله مؤمنة قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، فلما نزلت الآية قالت عائشة ﵂: إن الله يسارع لك في هواك (٥) - تعني رسول الله ﷺ - قال السيوطي: نزلت في أم شريك الدوسية (٦)، وقد أمر رسول الله - ﷺ - فاطمة بنت قيس ﵂ أن تقضي عدتها عند أم شريك، فقال: «كوني عند أم شريك ولاتسبقيني بنفسك» (٧).
قلت: كان من قصتها: أن وقع في قلبها الإسلام فأسلمت وهي بمكة، وكانت تحت أبي العَكَر، أو العكير الدوسي (٨)، ثم جعلت تدخل على النساء قريش سرا فتدعوهن
_________________
(١) الصحيح أنه قبلها، ودخل بها وعليه أكثر العلماء، وزعم بعضهم أن رسول الله - ﷺ - رأى بغزيّة كبرة فطلقها (أنساب الأشراف ١/ ١٨٦).
(٢) الطبقات الكبرى ٨/ ١٥٥.
(٣) المنتظم ٢/ ١٥٦، وحلية الأولياء ١/ ٢٣١، وصفة الصفوة ١/ ١٨٤، والإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ١٠١، وتخييل من حرف التوراة والإنجيل ١/ ٤٦٩.
(٤) الآية (٥٠) من سورة الأحزاب.
(٥) مسلم حديث (٣٧٠٤).
(٦) الدر المنثور ٨/ ١٨١.
(٧) انظر: لفظ مسلم حديث (٣٧٧٣).
(٨) معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢٤/ ٢٤١، وأسد الغابة ٣/ ٤٤٦.
[ ٣٨ ]
وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها وقالوا: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم.
وذكر ابن سعد بسنده عن منير بن عبدالله الدوسي قال: أسلم زوج أم شريك؛ غزية بنت جابر الدوسية من الأزد، وهو أبو العَكر فهاجر إلى رسول الله إلى رسول الله مع أبي هريرة، مع دوس حين هاجروا، قالت أم شريك: فجاءني أهل أبي العَكر فقالوا: لعلك على دينه؟، قلت: أي والله إني لعلى دينه (١)، قالوا: لا جرم والله لنعذبنك عذابا شديدا، فارتحلوا بنا من دارنا، ونحن كنا بذي الخلصة (٢)، وهو موضعنا، فساروا يريدون منزلا، وحملوني على جمل ثفال (٣)، شر ركابهم وأغلظه، يطعموني الخبز بالعسل، ولا يسقوني قطرة ماء، حتى إذا انتصف النهار وسخنت الشمس حتى ذهب عقلي وسمعي وبصري (٤)، ففعلوا ذلك بي ثلاثة أيام، فقالوا لي في اليوم الثالث: اتركي ما أنت عليه، قالت: فما دريت ما يقولون إلا الكلمة بعد الكلمة، فأشير بأصبعي إلى السماء بالتوحيد، قالت: فوالله إني لعلى ذلك وقد بلغني الجهد، إذ وجدت برد دلو على صدري، فأخذته فشربت منه نفسا واحدا، ثم انتزع مني فذهبت انظر فإذا هو معلق بين السماء والأرض فلم أقدر عليه، ثم دلي إليَّ ثانية فشربت منه نفسا، ثم رفع فذهبت انظر فإذا هو معلق بين السماء والأرض، ثم دلي إليَّ الثالثة فشربت منه حتى رويت، وأهرقت على رأسي ووجهي وثيابي، فخرجوا فنظروا فقالوا: من أين لك هذا يا عدوة الله؟ !، فقلت لهم: إن عدوة الله غيري: من خالف دينه، وأما قولكم: من
_________________
(١) السياق أن الضمير في " دينه" يعود لأبي العُكر، فهل أسلم أبو العكر وهاجر؟ وأسلمت أم شريك وبقيت؟، وإذا صح هذا فكيف عرضت نفسها على النبي - ﷺ -؟، والجواب إما أن تكون أسلمت قبل زوجها وفرق بينهما إسلامها، كما في أسد الغابة، أو أنه طلقها لما أسلمت، وهاجرا منفصلين، والله أعلم.
(٢) هذا يؤيد من قال: كان عمرو بن لحي بن قمعة نصبه بأسفل مكة حين نصب الأصنام في مواضع شتى، (الفائق في غريب الحديث ١/ ٣٨٩) وهو غير الذي بتبالة، والقيض في مكة وليس في السراة، ولا تضرب فيها الأخبية من حر الشمس، وفعلا المسافة بين والسراة لا تقل في ذلك الوقت عن ثلاثة أيام بالركائب، فبطل قول من زعم أن صنم ذي الخلصة في دوس.
(٣) بطيئا ثقيلا (الكنز اللغوي ١، ١٠٦).
(٤) مبالغة في الوصف لشدة ما نزل بها.
[ ٣٩ ]
أين هذا؟، فمن عند الله رزقا رزقنيه الله، فانطلقوا سراعا إلى قربهم وإداواتهم فوجدوها موكأة لم تحل، فقالوا: نشهد أن ربك هو ربنا، وأن الذي رزقك ما رزقك في هذا الموضع بعد أن فعلنا بك ما فعلنا هو الذي شرع الإسلام، فأسلموا وهاجروا جميعا إلى رسول الله، وكانوا يعرفون فضلي عليهم، وما صنع الله إليَّ (١).