أيُّهَا الحمَادَى ــ أَسْعَدَكُمُ اللهُ فِيْ الْدَّارَيْنِ ــ لَا يَظُنُّ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّ هَذَا الْمَوْضُوْعَ مِنْ بَابِ الْفَخْرِ بِالْأَحْسَابِ، الَّذِي وَرَدَ الْنَّهْيُ فِيْهِ، كَمَا فِيْ حَدِيْثِ أَبِيْ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -﵁- أَنَّ الْنَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «أَرْبَعٌ فِيْ أُمَّتِيْ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُوْنَهُنَّ: الْفَخْرُ فِيْ الْأَحْسَابِ، وَالْطَّعْنُ فِيْ الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالْنُّجُوْمِ، وَالْنِّيَاحَةُ ». (^١)
هَذَا الْكِتَابُ «الْحَمَادية»، مَا ذُكِرَ مِنْ بَابِ الْفَخْرِ بِالْأَحْسَابِ (^٢)، بَلْ
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٩٣٤).
(٢) قال الزجاجي -﵀- في «الأمالي» ــ ط. الغرب ــ (٣/ ١٣٦٣): (الحسب: الكرم والشرف، قال أهل اللغة: اشتقاق الحسَب من قولك: حسَبتُ الشئ إذا عددْتُه، فكأنه الذي يعُدُّ لنفسه مآثر وأفعالًا حسنة، أو يعُدُّ آباءً أشرافًا). قال القاضي عياض -﵀- في «مشارق الأنوار» (١/ ٤٣١): (أصل الحسَب الأَفعال الحَسَنةُ كأنها مَأخُوذَةٌ من الحِسَاب، كأنه تُحسَبُ لهُ خِصَالُه الكرِيمة. وحسَبُ الرجُل آباؤه الكرام الذين تُعَدُّ مناقبُهم وتُحْسَبُ عِند المُفاخَرَة. والحَسْبُ والحَسَبُ: العَدُّ). قال ابن قتيبة -﵀- في «أدب الكاتب» (ص ٨٥): (الحسيب من الرجال الذي يَعُدُّ لنفسه مآثر وأفعالًا حسَنة، أو يعد آباء أشرافًا). وفي «المصباح المنير» (١/ ١٣٤): (الحسَب: الفعال له ولآبائه، مأخوذ من الحِساب وهو عدُّ المناقب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا حسَب كلُّ واحد مناقبَه ومناقبَ =
[ ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) آبائه ). قال أبو علي الحسن القيسي (ت في القرن ٦ هـ) -﵀- في كتابه «إيضاح شواهد الإيضاح» (١/ ٦٨): (والمجد والكرم والشرف والحسب بمعنى واحد، ومن الناس من فرَّق بينهما، فقال: الشرَف والمَجدُ لا يكونان إلا في الآباء والأجداد، والكرم والحسَبُ يوصف بهما الرجل الذي له آباء أشراف، ويوصف بهما الرجل أيضًا الذي يشرُف بنفسِه. وهذا التقدير تحكُّمٌ مِن قائله، لأن الشرفَ: مشتق من الإشراف والعلو، فكل مَن علا غيرَه بفَضْلٍ في نفسِه، أو في آبائه، فقد استَحَقَّ أن يُسمَّى شَرِيفًا. وكذلك المَجْدُ: مِن قولهم: مَجَدَتْ الإبِلُ مُجُودًَا إذا شَبِعَتْ مِن الكَلأ، وأمجَدَهَا صاحِبُها، فكُلُّ مَن كَثُرَتْ مَنَاقِبُه، وحَسُنَتْ أفعَالُه، فهُو مَاجِدٌ). قال المناوي -﵀- في شرح الحديث كما في «فيض القدير» (١/ ٤٦٢): (أي الشرفُ بالآباء، والتعاظم بعَدِّ منَاقِبهم ومآثرهم وفضائلهم؛ وذلك جَهْلٌ، فلا فَخْرَ إلا بالطاعة ولا عِزَّ لأَحَدٍ إلا بالله. والأحسَابُ: جمع حسَبٍ وهو: ما يعُدُّه المرءُ مِن الخصال لَهُ أو لآبائهِ مِن نحوِ شجَاعَةٍ وفَصَاحَةٍ). وقال الشيخ سليمان بن عبدالله -﵀- في «تيسير العزيز الحميد» (ص ٣٨٩) في شرح الحديث: (أي: التشرف بالآباء والتعاظم بعدِّ مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم، وذلك جهل عظيم، إذ لا شرَف إلا بالتقوى كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وروى أبو داود عن أبي هريرة
[ ٥٧ ]
لِأَهْدَافٍ سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْفَخْرِ، فَهُوَ فِيْ الْفَخْرِ الْمَحْمُوْدِ بمَآثِرَ وَأَعْمَالِ الْأُسْرَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَبِالْنِّتَاجِ الْعِلْمِيِّ الْطَّيِّبِ لِلْحَمَادَى، فَخْرًَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْتَّكَبُّرُ وَالْاسْتِعْلَاءُ وَالْرُّكُوْنُ إِلَيْهِ دُوْنَ الْجِدِّ وَالْاهْتِمَامِ فِيْ الْازْدِيَادِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللهِ -﷿-، وَالْفَرَحُ بِفَضْلِهِ، وَالْتَّذَكِيْرُ بِالْخَيْرَاتِ؛ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَالْازْدِيَادِ مِنْهَا، وَالْاسْتِفَادَةِ
_________________
(١) مرفوعًا: «إنَّ اللهَ قد أذهب عنكم عُبِّية الجاهلية وفخرَها بالآباء مؤمنٌ تقِي، أو فاجرٌ شقي، الناسُ بنو آدم، وآدم من تراب، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فخرَهم بأقوام إنما هُم فَحْمٌ من فَحْمِ جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن». والأحساب جمع حسَب وهو ما يَعدُّه الإنسانُ له ولآبائه من شجاعة وفصاحة ونحو ذلك). أفاد الشيخ ابن باز -﵀- في «شرح كتاب التوحيد» (ص ٢٨٣) أن المنهي إذا كان للترفع على الناس، والتعاظم بين الناس. قال الشيخ صالح الفوزان في «الملخص في شرح كتاب التوحيد» (ص ٢٤٣) في معنى الفخر بالأحساب، أي: (التعاظم على الناس بالآباء ومآثرهم). قلت: فعُلِم مما سبق أن المحذور في الفخر بالأحساب: إذا كان القصد التعاظم على الناس، والترفع عليهم، واحتقارهم. وانظر: «مرعاة المفاتيح» للمباركفوري (٥/ ٤٦٥)، وعنه: «البحر المحيط الثجاج» للأثيوبي (١٨/ ٢٦٣).
[ ٥٨ ]
مِنْهَا، وَالْنَّفْعِ بِهَا، وَنَشْرِهَا.
قَالَ الْطِّيْبِيُّ (ت ٧٤٣ هـ) -﵀-: (الْمُفَاخَرَةُ نَوْعَانْ: مَذْمُوْمَةٌ وَمَحْمُوْدَةٌ، فَالْمَذْمُوْمُ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنَ الْفَخْرِ بِالْآبَاءِ وَالْأَنْسَابِ؛ لِلْسُّمْعَةِ وَالْرِّيَاءِ.
وَالْمَحْمُوْدُ مِنْهَا مَا ضُمَّ مَعَ الْنَّسَبِ الْحَسَبُ فِيْ الْدِّيْنِ، لَا رِيَاءً، بَلْ إِظْهَارًَا لِأَنْعُمِهِ تَعَالَى عَلَيْهِ). (^١)
عَلَى أَنَّ الْفَخْرَ لَيْسَ مَدْحًَا فِيْ كُلِّ صُوَرِهِ، نَعَمْ ذَكَرَ ابْنُ رُشَيْق (ت ٤٦٠ هـ تَقْرِيْبًَا) أَنَّ الْفَخْرَ هُوَ الْمَدِيْحُ نَفْسُهُ، لَكِنْ ثَمَّةَ مَنْ خَالَفَ كَالْرَّافِعِيِّ وَذَكَرَ أَنَّ حَقِيْقَةَ الْفَخْرِ (لَيْسَتْ مَدْحًَا كَمَا قِيْلَ، وَلَكِنَّهَا تَارِيْخٌ، وَسَوَاءٌ فِيْ مَعْنَى التَّارِيْخِ فَضِيْلَةُ الْفَرْدِ وَفَضِيْلَةُ الْجَمَاعَةِ
وَعَلَى هَذَا الْتَّأَوِيْلِ نَرَى الْفَخْرَ فِطْرَةً فِيْ الْعَرَبِ، فَلَا يَكَادُ الْسَّيِّدُ مِنْهُمْ يَأَتِيْ عَمَلًَا إِلَّا تَنَاوَلَهُ شَاعِرُ قَبِيْلَتِهِ وَفَخَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لِسَانُ الْقَبِيْلَةِ وَمُؤَرِّخُ
_________________
(١) «شرح المشكاة» (١٠/ ٣١٤٥)، وانظر: «المنهاج في شعب الإيمان» للحَليمي (٣/ ١١)، و«مسبوك الذهب» لمرعي الكرمي (ص ٥١ - ٥٢).
[ ٥٩ ]
أَحْسَابِهَا، وَإِذَا فَخَرَ أَحَدُهُمْ بِفَضِيْلَةٍ فِيْ نَفْسِهِ كَالْشَّجَاعَةِ أَوْ الْكَرَمِ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّمَا يَكُوْنُ ذَلِكَ فِيْ مَعْرِضِ الْتَّذْكِيْرِ بِهَذِهِ الْفَضِيْلَةِ، وَاسْتِشْهَادِ التَّارِيْخِ الْحَيِّ عَلَيْهَا، أَوْ يَكُوْنُ تَوْطِيْنًَا لِنَفْسِهِ وَتَحْمِيْسًَا لَهَا بِمَا يُهَيِّجُ مِنْ كِبْرِيَائِهَا، كَمَا يُغَنِّيْ الْشُّجَاعُ فِيْ الْحَرْبِ، وَكَمَا يُنَبِّهُ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الْضَّرْبَةِ الْقَاضِيَةِ وَالْطَّعْنَةِ الْنَّافِذَةِ؛ وَهَذَا هُوَ بَابُ الْحَمَاسَةِ). (^١)
وَالْصَّوَابُ ــ وَاللهُ أَعْلَمُ ــ أَنَّ الْفَخْرَ لَايَأَخُذُ حُكْمًَا وَاحِدًَا مَدِيْحًَا أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنِّمَا يُحْكُمُ عَلَيْهِ حَسَبَ بَاعِثِهِ، وسِيَاقِهِ، وَالْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِالْقَائِلِ وَالْمَقُوْلِ وَالْحَالِ؛ فَمِنْهُ: مَا هُوَ مَدْحٌ مَحْمُوْدٌ، وَمِنْهُ مَاهُوَ مَدْحٌ مَذْمُوْمٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ عَرْضٌ تَارِيْخِيٌّ مُجَرَّدٌ لا يُقْصَدُ فِيْهِ الْمَدِيْحَ، وَرُبَّمَا يَأَتِيْ الْفَخْرُ وَيُقْصَدُ بِهِ أَوَّلَ مَا يُقْصَدُ الْهِجَاءُ، كَمَنْ يُعَدِّدُ مَفَاخِرَ جَمَاعَةٍ فِيْ مَعْرِضِ الْحَدِيْثِ عَنْ جَمَاعَةٍ أُخْرَى
وَالْحَدِيْثُ هُنَا عَنْ مَآثِر الحَمَادَى، وَنِتَاجِهِمِ الْعِلْمِيِّ، جَاءَ لِلْدِّلَالَةِ وَالإِرْشَادِ، وَنَشْرِ الْعِلْمِ، وَتَذْكِيْرِ الْخَلَفِ مِنَ الْأُسْرَةِ بِفِعْلِ الْسَّلَفِ مِنْهَا،
_________________
(١) «العمدة» (٢/ ٨٢٤)، «تاريخ آداب العرب» (٣/ ٦٩).
[ ٦٠ ]
وَعَرْضٍ لِلْتَّارِيْخِ؛ خَاصَّةً أَنَّ ثَمَّةَ كِتَابًَا يُؤَلَّف عَنْهَا ــ كَمَا سَبَقَ ــ.
وَغَالِبُ هَذِهِ الْمَآثِرُ فِيْ هَذَا الْنِّتَاجِ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُعَاصِرِيْنَ، تُذْكَرُ فَتُشْكَرُ ــ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ وَشُكْرِهِ ــ، وَلِتُظْهِرَ اتِّصَالَ الْخَيْرِ مِنَ الْأَسْلَافِ الْصَّالِحِيْنَ، وَالْفَضْلُ أَوَّلًَا وَآخِرًَا وَظَاهِرًَا وَبَاطِنًَا مِنَ اللهِ الْكَرِيْمِ الْوَهَّاب، فَرَحْمَةُ اللهِ وَمَغْفِرَتُهُ وَعَافِيَتُهُ عَلَى الْجَدِّ: الْحُمَيْدِيِّ بْنِ حَمَدٍ (ت ١٠٩٥ هـ تقريبًا) وَعَقِبِهِ أَجْمَعِيْنَ.
ذَكَرَ الْحَسَنُ الْيُوْسِيُّ (ت ١١٠٢ هـ) -﵀- أَنَّ الْنَّاسَ فِيْ الْفَخْرِ بِالْحَسَبِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، مُلَخَّصُهَا:
١. رَجُلٌ كَانَ أَصْيْلًَا ثُمَّ قَامَ هُوَ أَيْضًَا يُشِيْدُ بُنْيَانَهُ، وَيَحُوْطُ بُسْتَانَهُ، كَالَّذِيْ قَبْلَهُ، فَهَذَا أَكْرَمُ الْنَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِكُلِّ مَفْخَرَةٍ.
٢. وَرَجُلٌ لَا أَصْلَ لَهُ يَنْتَمِيْ إِلَيْهِ، وَلَا حَسَبَ يُعَرِّجُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ انْتَهَضَ فِيْ اقْتِنَاءِ الْمَآثِرِ، وَاقْتِنَاصِ الْمَفَاخِرِ، حَتَّى اشْتُهِرَ بِمَحَاسِنِ الْخِلَالِ، وَصَارَ فِيْ عِدَادِ أَهْلِ الْكَمَالِ، وَأَنْشَدَ لِسَانُ حَالِهِ فَقَالَ:
* وَبِنَفْسِيْ شَرُفْتُ لَا جُدُوْدِيْ (^١)
_________________
(١) للمتنبي، وصدره: لا بقومي شرفتُ بل شرفوا بي *
[ ٦١ ]
فَهَذَا أَحْرَى أَنْ يَشْرُفَ بِوَصْفِهِ وَحَالِهِ، وَأَنْ يَشْرُفَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، وَأَنْ يَكُوْنَ هُوَ أَسَاسُ بَيْتِهِ، وَعِرْقُ شَجَرَتِهِ.
٣. وَرَجُلٌ لَهُ أَصْلٌ، وَقَدِيْمُ شَرَفٍ، ثُمَّ لَمْ يَبْنِهِ، وَلَمْ يُجَدِّدْهُ، وَهُوَ: إِمَّا أَنْ تَخْفَى عَوَامِلُهُ فَلَمْ يُبْنَ وَلَمْ يُهْدَمْ، مَعَ أَنَّهُ بِالْحَقِيْقَةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيْ زِيَادَةٍ فَهُوَ فِيْ نُقْصَانٍ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى غِمَارِ الْنَّاسِ فَلَا يُجَدِّدُ الْمَآثِرْ، وَلَا يَخْرُجْ إِلَى الْمَعَايِبِ، فَهَذَا لَا فَضِيْلَةَ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الْنَّسَبِ وَالْفَخْرُ الْعِظَامِيُّ كَمَا مَرَّ.
وَإِمَّا أَنْ يَهْدِمْهُ بِمُلَابَسَةِ ضِدِّ مَا كَانَ أَوَّلًَا، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ هَدَمَ الْدَّارَ ثُمَّ حَفَرَ الْبُقْعَةَ أَيْضًَا فَأَفْسَدَهَا؛ فَهَذَا مَذْمُوْمٌ بِمَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ وَبِمَا جَنَى عَلَى حَسَبِهِ وَنَسَبِهِ ). (^١)
هَذَا، وَقَدْ رَدَّ الْرَّاغِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ (ت ٥٠٢ هـ) -﵀- عَلَى مَنْ لَا يَرَى الْاعْتِدَادَ بِشَرَفِ الْآبَاءِ، وَذَكَرَ أَنَّ «كَرَمَ الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ مَخِيْلَةٌ لِكَرَمِ الْمَرءِ وَمَظِنَّةٌ لَهُ، فَالْفَرْعُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَفْسُدُ أَحْيَانًَا، فَمَعْلُوْمٌ أَنَّ أَصْلَهُ
_________________
(١) «المحاضرات في اللغة والأدب» (١/ ٦٧ ــ ٧٦) مختصرًا.
[ ٦٢ ]
يُوْرِثُهُ الْفَضِيْلَةَ وَالْرَّذِيْلَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُوْنُ مِنَ الْنَّخْلِ الْحَنْظَلُ، وَلَا مِنَ الْحَنْظَلِ الْنَّخْلُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْشَّاعِرُ:
وَمَا يَكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإنَّمَا تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ
وَهَلْ يُنْبِتُ الْخَطِّيَّ إلَّا وَشِيْجُهُ وَتُغْرَسُ إلَّا فِيْ مَنَابِتِهَا النَّخْلُ (^١)
وَقِيْلَ:
إِنَّ الْسَّرِيَّ إِذَا سَرَى فَبِنَفْسِهِ وَابْنَ الْسَّرِيِّ إِذَا سَرَى أَسْرَاهُمَا
وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ الْأَخْلَاقَ نَتَائِجُ الْأَمْزِجَةِ، وَمِزَاجُ الْأَبِ كَثِيْرًَا مَا يَتَأَدَّى إِلَى الْابْنِ، كَالْأَلْوَانِ وَالْخَلْقِ وَالْصُّوَرِ
ثُمَّ ذَكَرَ الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّ عَلَى الِإنْسَانِ أَنْ يَسْعَى لِاقْتِبَاسِ الْعُلَى، وَأَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى مَآثِرِ الْآبَاءِ، وَأَنَّ الْمَآثِرَ الْمَورُوْثَةِ قَلِيْلَةُ الْغَنَاءِ، سَرِيْعَةُ الْفَنَاءِ، مَا لَمْ تُضَامَّهَا فَضِيْلَةُ الْنَّفْسِ (^٢)، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُحْمَدُ لِكَي يُوْجَدَ الْفَرْعُ
_________________
(١) البيتان لزهير بن أبي سُلمى، انظر «ديوانه» (ص ٨٣).
(٢) قال الماوَرْدي (ت ٤٥٠ هـ) -﵀- في «أدب الدنيا والدين» (ص ٥٠٥) ضمن كَلامٍ جَميلٍ عن شَرَفِ النَّفْس: ( فأما شَرَفُ النَّفسِ إذا تجرَّد عن عُلُوِّ الهِمَّة، فإنَّ الفضلَ به عاطِل، والقَدْرَ به خاملٌ، وهو كالقوة في الجَلْد الكَسِل، أو الجبَان الفَشِل، تضيعُ قُوَّتُه بكسَلِه، وجَلَدُه بفَشَلِه ).
[ ٦٣ ]
مِثْلَهُ؛ وَمَتَى أَخْلَفَ الْفَرْعُ وَتَخَلَّفَ؛ فِإِنَّهُ يُخْبِرُ بِأَحَدِ شَيئَيْنِ: إِمَّا بِتَكْذِيْبِ مَنْ يَدَّعِي الْشَّرَفَ لِعُنْصُرِهِ، وَإمَّا بِتَكْذِيبِهِ فِيْ انْتِسَابِهِ إِلَى ذَلِكَ الْعُنْصُرِ، وَمَا فِيْهِمَا حَظٌّ لِمُختَارٍ.
وَالْمَحْمُودُ أَنْ يَكُوْنَ الْأَصْلُ فِيْ الْفَضَائِلِ رَاسِخًَا، وَالْفَرْعُ بهِ شَامِخًَا، كَمَا قَالَ الْشَّاعِرُ:
زَانُوا قَدِيمَهُمُ بِحُسْنِ حَدِيثِهِمُ وَكَريْمَ أَخْلَاقٍ بِحُسْنِ خِصَالِ
وَمَنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ الأَمْرَانُ؛ فَلَأَنْ يَكُوْنَ الْمَرْءُ شَرِيْفَ الْنَّفْسِ دَنِئَ الْأَصْلِ، أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُوْنَ دَنِئَ الْنَّفْسِ شَرِيْفَ الْأَصْلِ، كَمَا قِيْلَ:
إِذَا الْغُصْنُ لَمْ يُثمِرْ وَإنْ كَانَ شُعْبَةً مِنَ المُثمَرَاتِ اعْتَدَّهُ النَّاسُ فِيْ الحَطَبِ
فَمَا الْحَسَبُ المَوْرُوثُ لَا دَرَّ دَرُّهُ بمُحَتَسَبٍ إِلَّا بِآخَرَ مُكَتَسَبِ
وَمَنْ كانَ عُنْصُرُهُ فِيْ الْحَقِيقَةِ سَنِيًَّا وَفِي نَفْسِهِ دَنِيًَّا؛ فَذَلكَ أُتِيَ إمَّا مِنْ إهْمَالِهِ نَفْسَهُ وَسَوْمَهَا، وَإمَّا لِتَعَوُّدِهِ عَادَاتٍ قَبِيْحَةً، وَصُحْبَةِ أَشْرَارٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعَناصِرِ الْكَريْمَةِ فَلَيْسَ سَبَبُ الْرَّذِيْلَةِ
[ ٦٤ ]
شَيْئًَا وَاحِدًَا). (^١)
الْحَسَبُ الَّذِي يُحْمَدُ بِهِ الْإِنْسَانُ: مَا تَحَلَّى بِهِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ فِيْ نَفْسِهِ، لَا مَا يَعُدُّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ. (^٢)، «مَنْ قَعَدَ بِهِ أَدَبُهُ، لَمْ يَرْفَعْهُ حَسَبُهُ» (^٣)، وَ«مَنْ قَصَّرَ بِه نَسَبُهُ، نَهَضَ بِهِ أَدَبُهُ» (^٤)، وَمَنْ فَاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ حَسَبُ أَبِيْهِ. (^٥) وَ«شَرَفُ الْأَعْرَاقِ يَحْتَاجُ إِلَى
_________________
(١) «الذريعة الى مكارم الشريعة» للراغب الأصبهاني (ص ١١٢ - ١١٣)، و«فيض القدير» للمُناوي (٤/ ١١١).
(٢) «الميسر في شرح المصابيح» للتوربشتي (٢/ ٤٠٤). قُلْتُ: هَذَا الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ الإنسان: حسَبُ نَفسِهِ، أمَّا الاعْتِدَادُ فبِهِ أوَّلًَا وأَصْلًَا، وبِحَسَبِ آبَائِه أيْضًَا ــ كما سَبَقَ ــ.
(٣) روي عن عمر بن الخطاب -﵁- كما في «الأمالي» للزجاجي (ص ١٣٦).
(٤) قال الزجاجي -﵀- في «أماليه» ــ ط. الغرب ــ (٢/ ٢٨٧): أخبرنا ابن دُريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعتُ الأصمعي كثيرًا ما يقول: فذكره.
(٥) قاله قِسُّ بن ساعدَة. «العِقد» لابن عبدربه (٢/ ٢٩٠)، ونُسِب إلى ميمون بن ميمون كما في «عيون الأخبار» (١/ ٢٩٦). وانظر للفائدة: «نقد الشعر» لقدامة (ص ٧٢)، «العمدة» لابن رشيق (٢/ ٨٢٦).
[ ٦٥ ]
شَرَفِ الْأَخْلَاقِ، وَلَا حَمْدَ لِمَنْ شَرُفَ نَسَبُهُ وَسَخُفَ أَدَبُهُ». (^١)
رُوِيَ عَنْ هَاشِمٍ جَدِّ الْنَّبِيِّ -ﷺ- قَوْلُهُ: « عَلَيْكُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّهِا رِفْعَةٌ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأَخْلَاقَ الْدَّنِيْئَةَ فَإِنَّهَا تَضَعُ الْشَّرَفَ وَتَهْدِمُ الْمَجْدَ». (^٢)
وإذَا الفَتَى هَبَطَتْ بِهِ أفْعَالُهُ لَمْ تُعْلِهِ الآبَاءُ وَالأجْدَادُ (^٣)
قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ -﵀-:
لَسْنَا وَإِنْ كَرُمَتْ أَوَائِلُنَا يَوْمًَا عَلَى الْأَحْسَابِ نَتِّكِلُ
نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوْا (^٤)
_________________
(١) «غرر الخصائص الواضحة» (١/ ١٩).
(٢) «الأمالي» للزجاجي ــ ط. الغرب ــ (٣/ ١٣٥٩)، «أعلام النبوة» للماوردي (ص ١٩٣).
(٣) «الدر الفريد وبيت القصيد» لابن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠ هـ) (٦/ ٤٤٢).
(٤) «الحيوان» (٧/ ٩٥)، «الكامل» للمبرد (١/ ٢١١)، «العقد الفريد» (٢/ ٢٩٠)، «التذكرة الحمدونية» (٢/ ٦٧).
[ ٦٦ ]
قَالَ الْشَّاعِرُ:
إذَا الْمَرْءُ لَمْ يَبْنِ افْتِخَارًَا لِنفْسِهِ تَضايَقَ عَنْهُ مَا ابْتَنَتْهُ جُدُودُهُ
وَلَا خَيْرَ فِيْ مَن لَا يَكُوْنُ طَرِيْفُهُ دَلِيْلًَا عَلَى مَا شَادَ قِدْمًا تَلِيْدُهُ (^١)
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ (ت ٥٩٧ هـ) -﵀-: الحَسَبُ إِذا انْفَرد لَمْ يُعْتَبر، وَإِنَّمَا يُعْتَبر إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَالتَّقْوَى. (^٢)
قَالَ أَرْدَشِيْرُ بْنُ بَابِكَ: (أَرْبَعَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى أَرْبَعَةٍ: الْحَسَبُ إِلَى الْأَدَبِ، وَالْسُّرُوْرُ إِلَى الْأَمْنِ، وَالْقَرَابَةُ إِلَى الْمَوَدَّةِ، وَالْعَقْلُ إِلَى الْتَّجْرِبَةِ). (^٣)
قَالَ ابْنُ حَزْمِ الأَنْدَلُسِيِّ (ت ٤٥٦ هـ) -﵀- فِيْ حَدِيْثٍ عَنْ الْافْتِخَارِ بِالآبَاءِ دُوْنَ أَنْ يَضُمَّ الْإِنْسَانُ إِلَى شَرَفِهِمْ عَمَلًَا مُشَرِّفًَا: (فَإِنْ
_________________
(١) «محاضرات الأدباء» للراغب (١/ ٧٠٥).
(٢) «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٤/ ١٥٦)، وانظر: «الدين الخالص» لصديق خان (٤/ ٤٣٣).
(٣) «التمثيل والمحاضرة» (ص ٤٧١)، «بهجة المجالس» (٣/ ١٣٢)، «ربيع الأبرار» (٣/ ٤٥٧)، «التذكرة الحمدونية» (٣/ ٢٧١).
[ ٦٧ ]
أُعْجِبْتَ بِوِلَادَةِ الْفُضَلَاءِ إِيَّاكَ، فَمَا أَخْلَى يَدَكَ مِنْ فَضْلِهِمْ إِنْ لَمْ تَكُنْ أَنْتَ فَاضِلًَا! وَمَا أَقَلَّ غِنَاؤُهُمْ عَنْكَ فِيْ الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْسِنًَا!
وَالْنَّاسُ كُلُّهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ الَّذِيْ خَلَقَهُ اللهُ ــ تَعَالَى ــ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ؛ وَلَكِنْ مَا أَقَلَّ نَفْعَهُ لَهُمْ وَفِيهِمْ كُلُّ مَعِيْبٍ، وَكُلُّ فَاسِقٍ، وَكُلُّ كَافِرٍ.
وَإِذَا فَكَّرَ الْعَاقِلُ فِيْ أَنَّ فَضْلَ آبَائِهِ لَا يُقَرِّ بُهُ مِنْ رَبِّهِ ــ تَعَالَى ــ وَلَا يُكْسِبُهُ وَجَاهَةً لَمْ يَحُزْهَا هُوَ بِسَعْدِهِ أَوْ بِفَضْلِهِ فِيْ نَفسْهِ، وَلَا مَالًَا؛ فَأَيُّ مَعْنَى لِلْإِعْجَابِ بِمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيْهِ؟!
وَهَلْ الْمُعْجَبُ بِذَلِكَ إِلَّا كَالْمُعْجَبِ بِمَالِ جَارِهِ، وَبِجَاهِ غَيْرِهِ، وَبِفَرَسٍ لِغَيْرِهِ سَبَقَ كَانَ عَلَى رَأسِهِ لِجَامُهُ إلخ). (^١)
قَالَ الْشَّيْخُ: عَبْدُالْرَّحْمَنِ الْجَزِيْرِيُّ (ت ١٣٦٠ هـ) -﵀- فِيْ حَدِيْثِهِ عَنْ الْتَّكَبُّرِ عَلَى الْنَّاسِ لِأَجْلِ الْنَّسَبِ: (هَذَهِ الْصِّفَةِ تَكُوْنُ كَالْعَدَمِ،
_________________
(١) «الأخلاقُ والسِّيَر» تحقيق: إيفا (ص ١٦٤ ــ ١٦٥). وانظر: «الدين الخالص» لصِدِّيْق خَان القنُّوجِي (٤/ ٤٢٨ ــ ٤٤٥) ففيه مبحث طويل عن الفخر بالنسب، وهو جَيِّدٌ في الجملة، رغم تضمنه بعض الأقوال المنكرة.
[ ٦٨ ]
إِذَا لَمْ يَتَجَمَّلْ صَاحِبُهَا بِالْفَضِيْلَةِ، وَأَنْ الْكِبْرَ هُوَ أَشَدُّ الْرَّذَائِلِ الَّتِي تُذْهِبُ بِمَحَاسِنِ تِلْكَ الْصِّفَاتِ وَتَقْضِيْ عَلَيْهَا.
فَمَنْ اغْتَرَّ بِنَسَبِهِ وَتَكَبَّرَ عَلَى الْنَّاسِ؛ فَقَدْ هَدَمَ ذَلِكَ الْنَّسَبَ مِنْ أَسَاسِهِ، وَقَضَى عَلَى فَضْلِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ شَرَّ قَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ وَتَكْرِيْمَ الْنَّاسِ لَا يُكْسَبَانِ بِالْأَنْسَابِ وَحْدَهَا، بَلْ بِالْتَّمَسُّكِ بِالْفَضِيْلَةِ وَاجْتِنَابِ الْرَّذِيْلَةِ، وَكَذَلِكَ مَاعِنْدَ اللهِ مِنْ مَنْزِلَةٍ فَإِنَّهُ لُا يُكْسَبُ بِالْأَنْسَابِ، لِهَذَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات، آية ١٣)، نَعَمْ إِنَّ لِلْأَنْسَابِ فَضْلًَا فِيْ تَكْوِيْنِ خُلُقِ الْإِنْسَانِ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْلٍ طَيِّبٍ وَعُنْصُرٍ كَرِيْمٍ؛ كَانَتْ أَخْلَاقُهُ حَسَنَةً وَصِفَاتُهُ كَرِيْمَةً؛ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تُحْتَرَمُ الْأَنْسَابُ، وَيَكُوْنُ لِصَاحِبِهَا فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ ). (^١)
قُلْتُ: فَاحْتِرَامُهُ لَيْسَ لِأَجْلِ الْنَّسَبِ وَحْدَهُ، بَلْ لِمَا أَثْمَرَهُ مِنْ خَيْرٍ، فَالْأَنْسَابُ مَظِنَّةُ الْخَيْرِ، وَلَيْسَتْ خَيْرًَا بِذَاتِهَا، قَالَ اليُوسِيُّ (ت ١١٠٢ هـ) -﵀-: (كَرَمُ الْنَّسَبِ فَضِيْلَةٌ وَوَصْفُ الْإِنْسَانِ وَسَعْيُهُ هُوَ الْشَّأَنُ،
_________________
(١) «الأخلاق الدينية والحِكَم الشرعية» (ص ١٥٤ - ١٥٥).
[ ٦٩ ]
وَالْنَّسَبُ زِيَادَةٌ، فَإِلْغَاءُ الْنَّسَبِ رَأَسًَا جَوْرٌ؛ وَالْاقْتِصَارُ عَلَيْهِ عَجْزٌ فَعَلَيْهِ مَعَ الْنَّسَبِ أَنْ يُحَصِّلَ الْحَمْدَ وَيَبْتَنِيَ الْمَجْدَ). (^١)
أيُّهَا الحمَادَى، أَنْتُمْ حَمَادَى، لَكُمْ صِيْتٌ فِيْ النَّاسِ (^٢)، وَأَرَى الذِّكْرَ الْحَسَنَ فِيْكُمْ هَالَةً لَامِعَةً، والْشَّرَفَ فِيكُمْ مُتَرَبِّعًَا وَسَطًَا جَامِعَةً
_________________
(١) «المحاضرات في اللغة والأدب» للحسن اليوسي (١/ ٦٤ - ٦٥) بتصرف.
(٢) الصِّيْتُ: هو الذِّكْرُ الحَسَنُ، يُقَال: ذَهَبَ صِيْتُه إذا انتَشَر. انظر: «مقاييس اللغة» (٣/ ٣١٩)، «القاموس المحيط» (ص ١٥٥). قال الغزي (ت ١٠٦١ هـ) -﵀- في «حُسْن التنبُّه» (٤/ ٣٩١): (إنما سُمِّي الصِّيْتُ صِيتًا؛ لأنَّ الأصوَاتَ ترفع به في الناس ). فَائِدَةٌ: حِيْنَمَا تُوْصَفُ الْجُدُوْدُ ــ أيُّ جُدُودٍ ــ بِالْصِّيْتِ، وَالْشُّهْرَةِ الْحَسَنَةِ، فَهُوَ اشْتِهَارٌ نِسْبِيٌّ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ اشْتِهَارُهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْنَّاسِ فِيْ الْبِلَادِ، بَلْ الْمَقْصُوْدُ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ: مَعْرِفَةُ الْعَشِيْرَةِ وَالْفَخِذِ وَأَهْلِ الْبَلْدَةِ الَّتِي كَانُوْا فِيْهَا، وَمَا أَبْقَوْهُ مِنْ أَثَرٍ وَمَعَالِمَ مُنِيْرَةٍ، قَالَ الْحَسَنُ الْيُوْسِيُّ (ت ١١٠٢ هـ) -﵀- فِيْ «الْمُحَاضَرَاتِ» (١/ ٦٨): ( وَلَا شَكَّ أَنَّ شَرَفَ الْإِنْسَانِ وَاشْتِهَارَهُ بِاعْتِبَارِ عَشِيْرَتِهِ أَوْ قَوْمِهِ إِنَّمَا يُعْرَفُ فِيْهِمْ وَلَا يَضِيْرُهُ أَلَّا يَعْرِفْهُ غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ سَادَاتِ الْعَرَبِ لَا يَعْرِفْهُمْ الْعَجَمُ، وَلَا الْعَكْسُ، وَكَذَا فِيْمَا بَيْنَ الْعَرَبِ غَالِبًَا ..).
[ ٧٠ ]
ــ وَللهِ الْحَمْدُ وَالْفَضْلُ والمِنَّةُ ــ، فَارْعَوْا مَكَانَهَ، وَتمِّمُوا مَرَامَهُ، وَكُوْنُوْا عَلَى الْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ بِتَعَاهُدِ وَحَمْلِ الْمَآثِرِ الْمُبَارَكَةِ إِلَى الْأَبْنَاءِ، فَأَعْظَمُ مَا تُوَرِّثُوْنَ أَحْفَادَكُمْ: دِينًَا قَويْمًَا، وَصَلَاحًَا وَمُرْوْءَةً، وَعِلْمًَا وَأَدَبًَا مَتِيْنًَا، هَذِهِ هِيَ الْمَآثِرِ الْمَجِيْدَةِ، وَهَذَا الْذِّكْرُ الْحَسَنُ، فَادْعُوْا اللهَ -﷿- ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (سورة الشعراء، آية ٨٤).
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِيْنَ فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (سورة ص، آية ٤٩) أَيْ: لَهُمْ مَعَ الْذِّكْرِ الحَسَنِ فِيْ الْدُّنْيَا، حُسْنُ مَرْجِعٍ في الآخِرَةِ. (^١)
وَقِيْلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَا أَحْمَدُ الْأَشْيَاءِ؟ قَالَ: أَنْ يَبْقَى لِلْإِنْسَانِ أُحْدُوْثَةٌ حَسَنَةٌ. (^٢)
قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ (ت ٦٧ هـ) -﵀-: (مَا ادَّخَرَ الْآبَاءُ لِلْأَبْنَاءِ، وَلَا أَبْقَتِ الْأَمْوَاتُ لِلْأَحْيَاءِ، أَفْضَلَ مِنْ الْمَعْرُوْفِ عِنْدَ ذَوِيْ الْأَحْسَابِ
_________________
(١) قاله النحاس في «معاني القرآن» (٦/ ١٢٦).
(٢) «شرح مقامات الحريري» للشُّريشي (٣/ ١١٣).
[ ٧١ ]
وَالْآدَابِ). (^١)
وَمِنْ الْوَصايا: لا تُؤْثِرُوا المَالَ عَلَى الذِّكْرِ الحَسَنِ؛ فَإِنَّ الْمَالَ فَانٍ، وَالذِكْرَ بَاقٍ. (^٢)
قَالَ أَبُوْ يَعْلَى ابْنُ الْهَبَّارِيَّةِ الْعَبَّاسِيُّ الْبَغْدَادِيُّ:
الْمَالُ فَانٍ وَالْذِّكْرُ بَاقٍ وَالْوَفْرُ فَرْعٌ وَالْعِرْضُ أَصْلُ
فَاجْعَلْهُ دُوْنَ الْعِيَالِ سَتْرًَا فَالْصَّوْنُ فِيْ أَنْ يَكُوْنَ بَذْلُ (^٣)
قَالَ الْمَعَرِّيُّ:
وَلَنْ يُحْوَى الْثَّنَاءُ بِغَيْرِ جُوْدٍ وَهَلْ تُجْنَى مِنَ الْيَبَسِ الْثِّمَارُ؟
جَمَالُ الْمَجْدِ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ وَلَوْلَا الْشَّمْسُ مَا حَسُنَ الْنَّهَارُ (^٤)
_________________
(١) «غرر الخصائص الواضحة» (١/ ٥٧٠).
(٢) «الثبات عند الممات» لابن الجوزي (ص ٩٥).
(٣) «خريدة القصر» للعماد الأصبهاني ــ تحقيق: بهجة الأثري ــ (العراق ٢/ ٨٨).
(٤) «سقط الزند» (ص ١٣٣).
[ ٧٢ ]
قَالَ الْحَسَنُ الْيُوْسِيُّ (ت ١١٠٢ هـ) -﵀-: (اعْلَمْ أَنَّ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْمَزَايَا الَّتِيْ يَتَشَرَّفُ بِهَا الْإِنْسَانُ حَتَّى يَشْرُفَ بِشَرَفِهِ مَنْ انْتَسَبِ إِلَيْهِ كَثِيْرَةٌ، مِنْهَا:
دِيْنِيَّةٌ: كَالْنُّبُوَّءَةِ وَهِيَ أَجَلُّهَا، وَكَالْعِلْمِ، وَالْصَّلَاحِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَغْيْرِ ذَلِكَ.
وَدُنْيَوِيَّةٌ: كَالْمُلْكِ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا، وَكَالْنَّجْدَةِ، وَالْكَرَمِ، وَالْقُوَّةِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَكَثْرَةِ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَكَثِيْر مِنْهَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ دِيْنِيًَّا وَدُنْيَوِيًَّا: كَالْقُوَّةِ، وَالْعِزِّ، وَالْكَرَمِ، وَسَائِرِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
وَبَعْضُهَا دِيْنِيٌّ وَدُنْيَوِيٌّ مَعًَا: كَالْنُّبُوءَةِ، وَالْخِلَافَةِ، وَالْعِلْمِ.
وَبَعْضُ ذَلِكَ حِسِّيٌّ، وَبَعْضُهُ مَعْنَوِيٌّ، وَبَعْضُهُ وُجُوْدِيٌّ، وَبَعْضُهُ عَدَمِيٌّ، وَشَرْحُ ذَلِكَ يَطُوْلُ فَلْنَقْتَصِرْ الْقَوْلَ مَعَ تَمْثِيْلٍ وَتَمْهِيْدٍ: أَمَّا الْتَّمْثِيْلُ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ اعْتُبِرَ رَجُلَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِيْ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَالْنَّسَبِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ فَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَفِيْ مِثْلِهِمَا قَالَ عَلْقَمَةَ بْنُ عُلَاثَةَ لِلْمُتَنَافِرَيْنِ: صِرْتُمَا كَرُكْبَتَيْ الْبَعِيْرِ الْآدَمِ.
[ ٧٣ ]
وَلَوْ اخْتُصَّ أَحَدُهُمَا بِالْفِقْهِ فَهَذِهِ مَزِيَّةٌ وُجُوْدِيَّةٌ يَفْضُلُ بِهَا الْآخَرُ، وَلَوْ اخْتُصَّ أَحَدُهُمَا بِكَوْنِهِ ظَلُوْمًَا فَهَذِهِ مَزِيَّةٌ مَذْمُوْمَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْشَّرْعِ (^١)، وَقَدْ سَلِمَ مِنْهَا الْآخَرُ، فَلَهُ الْفَضْلُ بِمَزِيَّةٍ هِيَ عَدَمِيَّةٍ، وَعِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ بِعَكْسِ هَذَا إلخ). (^٢)
قَالَ الْرَّاغِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ (ت ٥٠٢ هـ) -﵀-: (مَحَبَّةُ الْذِّكْرِ الْحَسَنِ أَشْرَفُ مَقَاصِدِ أَبْنَاءِ الْدُّنْيَا، وَهِيَ فِيْ جِبِلَّةِ الْنَّاسِ (^٣) وَمِنْ خَصَائِصِهِمْ (^٤)، وَلَا تُوْجَدُ فِيْ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ، كَمَا قَالَ الْشَّاعِرُ:
. . . . . . . . . . . . . . . . حُبُّ الْثَّنَاءِ طَبِيْعَةُ الْإِنْسَانِ (^٥)
_________________
(١) مذمومة في الشرع، وعند المسلمين.
(٢) «المحاضرات في اللغة والأدب» (١/ ٤٩ ــ ٥٠).
(٣) وانظر: «أدب الدنيا والدين» للماوردي (ص ٣٧٩).
(٤) قيل: محبةُ الذِّكر الجَميل مِن جِبِلَّة الإنسان وخصائصه. «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ص ٢٣٥)، ولم أجده في «الربيع».
(٥) البيت لابن نباتة السَّعْدي، وأولُه: يَهوِي الثناءَ مُبرِّزٌ ومُقَصِّرٌ * انظر: «يتيمة الدهر» (٢/ ٤٦٦)، ولم أجده في «ديوان ابن نباتة» ط. التمدن المصرية (١٣٢٣ هـ).
[ ٧٤ ]
وَلَوْلَا الْكَلَفُ بِهِ لَمَا ظَهَرَتِ الْعَدَالَةُ مِنْ أَكْثَرِ الْنَّاسِ، وَمَنْ لَا يَخُوْفُهُ الْهِجَاءُ وَلَا يَسُرُّهُ الْثَّنَاءُ؛ فَلَا يَرْدَعْهُ عَنْ سُوْءِ الْأَفْعَالِ إِلَّا نَارٌ أَوْ سَيْفٌ، وَقَدْ قِيْلَ: الَّذِيْ يَنْفُرُ عَنِ الْقَبِيْحِ وَيَحُثُّ عَلَى الْجَمِيْلِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْعَقْلُ، ثُمَّ الْحَيَاءُ، ثُمَّ الْمَدْحُ وَالْهِجَاءُ، ثُمَّ الْتَّرْغِيْبُ وَالْتَّرْهِيْبُ.
وَقَدْ قِيْلُ: مَنْ لَمْ يَرْدَعْهُ الْذَّمُّ عَنْ سَيِّئَةٍ، وَلَمْ يَسْتَدْعِهِ الْمَدْحُ إِلَى حَسَنَةٍ، فَهُوَ جَمَادٌ أَوْ بَهِيْمَةٌ؛ وَلِأَجْلِهِ تَنَازَعَ الْنَّاسُ الْرِّيَاسَةَ وَالْمَنَازِلَ الْرَّفِيْعَةَ.
وَلَيْسَ الْثَّنَاءُ فِيْ نَفْسِهِ بِمَحْمُوْدٍ وَلَا مَذْمُوْمٍ، وَإِنَّمَا يُحْمَدُ وَيُذَمُّ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ، فَمَنْ قَصْدُهُ طَلَبَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْثَّنَاءَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِيْ يُسْتَحَبُّ، فَذَلِكَ مَحْمُوْدٌ، وَهُوَ طَرِيْقَةُ إِبْرَاهِيْمَ الْخَلِيْلِ -ﷺ- حَيْثُ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (سورة الشعراء، آية ٨٤). أَيْ: اجْعَلْنِيْ بِحَيْثُ أَفْعَلُ مَا إِذَا مُدِحْتُ بِهِ يَكُوْنُ مَادِحِيْ صَادِقًَا، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ نُدِبَ الْإِنْسَانُ إِذَا مُدِحَ أَنْ يَقُوْلَ: الْلَّهُمَّ اجْعَلْنِيْ خَيْرًَا مِمَّا يَظُنُّوْنَ.
وَالْمَذْمُوْمُ مِنْهُ: أَنَّهُ يَمِيْلُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَجْرِبَةٍ لِفِعْلِ مَا يَقْتَضِيْهِ، وَذِلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْآفَاتِ لِمَنْ تَحَرَّاهُ؛ فَإِنَّهُ يَفْتَحُ بَابَ الْحَسَدِ، وَالْحَسَدُ يَفْتَحُ بَابَ
[ ٧٥ ]
الْكَذِبِ، وَالْكَذِبُ رَأَسُ كُلِّ مَذْمُوْمٍ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى مَنْ طَلَبَ الْمَحْمَدَةَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ حَسَنَةٍ تَقْتَضِيْهَا، فَقَالَ تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران، آية ١٨٨». (^١)