حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن ابراهيم، عن محمد بن معن قال: دخل عمر بن مصعب على ابن مطيرة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم مع قوم في حاجة لهم، فقال له ابن مطيرة: من أنت أعرف؟ قال: أنا عمر ابن مصعب بن الزبير. فقال: لا أعرفك. فقال له: أعرفك نفسي، أنا النجم، وأبي القمر، وأمي الشمس، وكما قال أمية بن الأسكر:
إذا زادَ أقوامًا جَهَالةُ غيرِهم بِهمْ ضَعَةً أزْرَي بجاهِلِنا الجَهلُ
فبصق في وجهه ابن مطيرة، وهو إذ ذاك والي المدينة، فوقعت تفلة من بصاقه في عين عمر بن مصعب، فوجعها أربعة أشهر، فكان العواد يأتونه فيقول لهم: إن الله قد جعل ريق ابن مطيرة داءً! إن أحدنا لتخرج به النابتة في جسده، فيتفل عليها من ريقه، فيبرئها الله.
[ ٣٢٣ ]
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن بعد الرحمن الحكمي قال: قدم الوليد بن يزيد المدينة يريد الحج، وهو إذ ذاك ولي عهد، فدخل عليه الناس، ودخلت عليه الشعراء، فدخل فيهم أبو معدان مهاجر مولي آل أبي الحكم، وكان رواية الأحوص وقد استعان بعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب، وعمر بن مصعب بن الزبير، وابن أبي عتيق، والمنذر بن أبي عمرو كاتب الوليد بن يزيي على الوليد، فأنشده النصيب، ثم قام أبو معدان فأنشده:
ألمْ تَرَ للنَّجْم إذ شيّعَا يُزَاوِل من بُرْجِه المَرْجِعَا
تَحَيَّرَ عن قَصْد مَجْرَاتِه أبَي الغَوْرَ والتَمَسَ المطلَعَا
سُرِرتُ بِهِ إذ بَدَا كابيًا وأمّا ابن شِمْرانَ فأسترجَعَا
لعلّ الوليدَ دَنَا مُلْكُهُ وأمسَى إليه قدِ استجَمعَا
أغرُّ الجبين إذا ما بَدَا رأيتَ الملوكَ لَهُ خُشَّعَا
نؤمّل من مُلكِهِ حَبْرَةً كتأميل ذي الجَدْب أن يُمْرِعَا
[ ٣٢٤ ]
قال: فأنكره الوليد وقال: من أنت؟ قال: أنا أبو معدان. قال: فمن ابن شمران؟ قال: أصلحك الله، جرى به الروى. قال: فأعاد عليه المسألة، قال: ومن أبو معدان؟ قال: من لا تنكر أصلحك الله، مهاجر مولاك. فبدأهم عبد الله بن معاوية فقال: هذا أبو معدان أصلح الله الأمير، وهو أنبه عندنا من أن يجهل، وإنا لنتهادى شعره بيننا كما تتهادى باكورة الفاكهة. ورفده عمر بن صعب بن الزبير، وخذله ابن أبي عتيق، والمنذر بن أبي عمرو. فأمر له الوليد بمئة دينار وكسوة، فأنشأ أبو معدان يقول:
لم أجدْ منذرًا تخوَّفَ ذمِّي يوم لاقيتهُ ولا ابنُ عَتيقِ
أجْرَعاني مَشُوبةً مَذَقَاهَا ليس صِرْفُ الشَّراب كالممذوقِ
وأراهَا من وِجْهَة الرّيحِ تأتي نَفَختْ مِثْلَ نفخِ ريح الخَريقِ
كيف لا تجْعَلُ المواعيدَ حَتْمًا لَهْفَ نفسِي وأنتَ للِصِّدِّيقِ
والزُّبَيْريُّ قد أعان عليهَا ببَليغٍ من الكلامِ وَفِيقِ
فإذا أبْرَقَ الزُّبيريُّ بَرْقًا فأبتْغِ الخَيْرَ تحت تلك البُروقِ
فإذا ما أصبتَهُ من قُرَيشٍ هَاشِميًّا أصَبتَ وَجْهَ الطّريقِ
[ ٣٢٥ ]
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: نصبت الحرورية بقديد لواء، فقالوا: من دخل تحته فهو آمن. فدخل الناس تحته، فأقبل يأخذ بعضهم ببعض، ويتعلق بعضهم ببعض، فامتدوا كالحبل شبيهًا بالقطار، أولهم تحت اللواء، وآخرهم هناك وأشار بيده إلى ناحية قاصية. قال: فما فعلوا ولا آمنوهم، ونظروا إلى من كان تحت اللواء وقدروا حوزته ومقدار ظل اللواء، فتركوهم، وقتلوا صبرًا ممن تناءى عن ظل اللواء وحوزته. قال: فبلغني أن مصعب بن عكاشة بن مصعب بن الزبير قال للناس: ألا ترون ما يصنع هؤلاء بكم؟ لأن يقتل الرجل وهو يقاتل بسيفه، خير له أن يتعبث به هؤلاء. فتقدم في خمسين رجلًا فقاتل وقاتلوا جميعًا، فلم يبق أحد منهم إلا قتل.
قال: وكان مصعب بن عكاشة بن الزبير قد صبر وصبر أصحابه معه، وأمعن الناس في الهرب، فيقال: ما ردهم عنهم إلا قتال مصعب.
حدثنا الزبير قال، وأخبرني المنذر بن عمارة بن حمزة بن مصعب ابن الزبير قال: ما بت تلك الليلة حتى دفنت أبي وجدي، وأتيت معركة الناس
[ ٣٢٦ ]
بقديد بعد ذلك، فوجدت في المعركة سيفًا وخاتمًا لعمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير دفنه في الرمل. وكان عمارة من أشد الناس.
حدثنا الزبير قال: وحدثني أحمد بن عبيد الله بن المنذر بن عبيد الله ابن المنذر بن الزبير، عن خالة أبيه صفية بنت الزبير بن هشام بن عروة: أن رجلًا وجد بقديد خاتمًا من فضة فصه ياقوتة صفراء، بعد مقتل أهل قديد بخمس وعشرين سنة، فأخذه بفصه، فبقى الفص بيده وذهب الفضة. فبلغ ذلك والي المدينة، فكتب إلى عامل قديد يقول له: " لله دمك إن فاتك الفص أن تبعث به إليّ ". فبعث به إليه، فطيف به في الناس، فلم يعرفه أحد. فدخل به على أن زيد نبت عاصم بن المنذر بن الزبير، وكانت عند عمارة بن حمزة، فقالت: سبحان الله، أما تعرفونه؟ هذا خاتم حمزة بن مصعب بن الزبير. فجلوه، فبان نقشه، فإذا فيه: " حمزة بن مصعب يؤمن بالله ". فدفعه والي المدينة إلى المنذر بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير. قال: وقال لي أحمد بن عبيد الله: فرأيته في يده.
حدثنا الزبير قال، حدثني علي بن صالح، عن عامر بن صالح ابن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: كان هاشم بن الحارث بن أسد، وابنه
[ ٣٢٧ ]
أبو البختري بن هاشم، والمطلب والأسود ابنا البختري، جميعًا يسمون: " الأجمال الشرف "، لأجسامهم. فاستب عمر بن مصعب بن الزبير، وسعيد بن عبد الله بن الأسود بن أبي البختري في خصومه، فقال سعيد: " أنا ابن الأجمال الشرف "! فقال عمر: أخفها أحمالًا، وأقلها مخا. قال سعيد: " أنا ابن عقير الملائكة "! قال عمر بن مصعب: " أنا ابن وزير الملائكة "! وابنه: مصعب بن عمر، كان جوادًا بليغًا.
[ ٣٢٨ ]
وله يقول الدارمي:
يا ربِّ إنْ أبقيتَ لي مُصْعَبًا فَشأْنَكَ النَّاسَ سِوَى مُصْعَبِ
ذاك الزُّبيريُّ خليليِ الّذِي لِنائباتِ الدَّهْرِ مَا أخْتَبِي
لعُمَرٍ ومُصْعَب بَخٍ بهِ وللزُّبَيْرِ الخَيْرِ منْ مَنْصِبي
طابَ وطابتْ رِيحُ أعرَاقِه للأطْيَبِ الأطْيَبِ فالأطْيَبِ
قد قلتُ للدُّنْيَا وأيَّامها: إذا اقتَفَى بي مُصْعَبٌ فاصعُبي
إن يُبْقِه الله فأنِّي بِهِ عَنْكِ شَديدُ الأسْرِ والمَنْكِبِ
يا مُصْعَبَ الخَيْرَاتِ إنّي امرُؤٌ أعْيَي سِواكَ اليَوْمَ بي مَذْهَبِي
وله يقول أبو الخشخاش الثعلبي، وكانت له ضياع ببطن نخل، فكان يطلعها، فقال أبو الخشخاش في قدمةٍ قدمها:
[ ٣٢٩ ]
يا نَخْلُ باكَرَكِ الرَّبيعُ ومُصْعَبٌ إنّ الرَّبيعَ ومُصْعبًا مِثْلاَنِ
وقال رجل من ولد أبي بكر الصديق لجدي عبد الله بن مصعب: إنما جاءكم البلاغة من قبل أبي بكر. فأشار له عبد الله بن مصعب إلى مصعب ابن عمر فقال: فهذا من أين جاءته البلاغة؟ وله يقول مسور بن عبد الملك اليربوعي:
يا ربّ حَيَّيْتُ عَلَى نَأْيِةِ وغَرْبَةِ الدَّار أخِي مُصْعَبَا
قد قلتُ لما جَدَّ سَيْرٌ بِهِ: اللهُ جارٌ لكَ أن تَعْطَبَا
[ ٣٣٠ ]
ابنُ الحَوَاريّ عَقِيدُ النَّدَى وحامِلُ الصَّاحبِ إن أجْدَبَا
ليسَ بنِكْسٍ خامِلٍ ذكْرُهُ بل يَحْمِلُ الثِّقْلَ إذا أتْعَبَا
تَرَكْتَنِي بعدَكَ لاَ صاحبًا أغْشَى وأن أغضَبَ أوْ أعتَبَا
أنت الَّذِي يدعُو لَهُ قومُهُ ِللهِ والبِرِّ بأن يُصْحَبَا
حدثنا الزبير قال، وحدثني إبراهيم بن حمزة، عن أبي بكار زريق ابن يسار، مولى أمه بنت عمر بن مصعب بن الزبير قال: وحدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب: أن عبد الله بن مصعب عتب على أبيه، فخرج إلى مرابط بخراسان، فمات به في حياة أبيه، فقال:
ومُشْفِقَةٍ هَبَّتْ بلَيْلٍ تلومُنِي فقلْتُ ذَرِيني إنّنيِ مُجمِعٌ أمْرَا
فلمّا رَأَتْنِي لا أنامُ كأنّني أسِيرُ دَمٍ في السِّجْنِ أو طالبٌ وِتْرَا
[ ٣٣١ ]
بَكتْ من حِذارٍ أن أبينَ وقد رأتْ مَتِينَ القُوَىُ تُمْضَي مَرَائِرُه شَزْرَا
وقالت أبو حفصٍ غِنًى ومُعَوَّلٌ فلا تَخْشَ إقْلاَلًا لدَيْه ولاَ عُسْرَا
بَياضٌ ومِثْلُ الّلاَبَتَيْنِ وسابحٌ بمُلْتَطِمٍ تُضْحِى جَدَاولُه كُدْرَا
ومالَكِ من يُسْرِ امرِئ ليس يُسْرُهُ لنا حين تَعرُونَا نوائبُنَا يُسْرَا
وللمرء في عَرْض البلادِ مَنَادِحٌ يُجِيزُ إليهَا السَّهْلَ والمنزِلَ الوَعْرَا
وإني لأمْضِي الهَمَّ مُسْتَضْلِعًا بهِ إذا الهُّم من وَاهِي القُوَى مَلأ الصَّدْرَا
كأنّيَ لم ألبَثْ بيَثْرِبَ بُرْهَةً ولم يَسْمُرِ السُّمَّارُ عندِي بها عَصْرَا
[ ٣٣٢ ]
ولم أرَ أبناءَ الربَّابِ بغِبْطَةٍ يجرُّونَ أبْرَادًا وأكِسيةً خُضْرَا