عباد بن حمزة وأمه: هند بنت قُطبة بن هرم بن قُطْبَة بن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري.
وهَرِم بن قُطْبة الذي حكمه عامر بن الطفيل وعلقمة بن عُلاثَة في منافرتِهما، وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة:
يَا هَرِمَ ابنَ الأكرمِينَ مَنْصبَا
إنكَ قد وَلِيتَ أمرًا مُعْجَبًَا
فأحكُمْ وصوب رأس من تصوباَ
وعامرٌ خيرُهُما مُرَكَّباَ
وعامرٌ أدْنَى لقيسٍ نَسَبَا
إن كنتَ تقتافُ الأحبَّ الأقرباَ
[ ٥٠ ]
وقال في ذلك الأعشى، أعشى بني بكر بن وائل، ينتحل حُكم هرم لعامر بن الطُفيل:
عَلْقَمَ ما أنت إلى عامرٍ الناقِضِ الأوتارَ والواتِرِ
سُدْتَ بني الأحْوَصِ لم تَعْدُهُمْ وعامرٌ سادَ بني عامِرِ
قد حَكَّموهُ فَقَضى بينَهُمْ أبلجُ مثلُ القَمَر الباهرِ
لا يأخُذُ الرِّشْوةَ في حُكْمِه ولا يُبَالي غَبَنَ الخاسِرِ
وقال عمر بن الخطاب في ولايته لهرم بن قُطبة: أي الرجلين كان عندك أشرف؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو قلتها اليوم لمضت! فقال له عمر: إلى مثلك فلتستبضع الرجال أحلامها.
وكان عباد بن حمزة سريا سخيا حلوًا، أحسن الناس وجهًا، يضرب المثل بحسنه. وإياه عنى الأحوص حين يقول يصف امرأة:
لَهَا حُسنُ عبادٍ وجِسْمُ ابن واقدٍ وريحُ أبي حفْصٍ ودينُ ابن نَوْفَلِ
عباد بن حمزة، وابن واقد: عثمان بن واقد بن عبد الله بن عمر، وأبو حفص: عمر بن عبد العزيز، كان عطرًا، وابن نوفل: أبان، كان بالمدينة، كان فتيانيًا.
[ ٥١ ]
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: كان عباد بن حمزة قد ضل من أبيه وهو صغير، فأرسل في طلبه حتى وجد، ففي ذلك يقول عبيد الله بن قيس الرقيات:
باتَتْ بحُلْوانَ تبتغيكَ كما أرسَلَ أهلُ الوليِدِ في طَلَبِهْ
الوليد: عباد بن حمزة.
وكان آثر الناس عند أبيه. وكان أبوه أعطاه الربض والنجفة، عينين بواد يقال له الفرع، بين المدينة ومكة، تسقيان أكثر من عشرين ألف نخلة، ولهما قدر عظيم.
قال الزبير: وسألت سليمان بن عياش السعدي، وكان من أفقه الناس في الكلام العرب: لم سمى الحجاز حجازًا؟ ولم سميت عين الرُّبُضِ الرُّبُضَ؟ ولم سميت عين النجفَةِ النَّجفَةَ؟ ولم سمى العقيق عقيقًا؟ قال: سمي
[ ٥٢ ]
الحجاز، لأنه حجز بين تهامة ونجد. قلت: فأين منتهاه؟ قال: ما بين بئر أبيك بالشقرة إلى أثاية العرج. قال: فما وراء بئر أبيك بالشقرة فمن نجد، وما وراء أثالية العرج فمن تهامة. وأما الربض، فإن منابت الأراك في الرمل تدعى الأربلض. وسميت النجفة، لأنها يف نجف الحرة. وسمي العقيق، لأنه عق في الحرة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: سمعت بدويًا يستقي على بئر أبيك بكر بن عبد الله بالشقرة ويرتجز:
بئرُ أبي بكْر وربّ القبْرِ
تزدادُ طيبًا في أداوَى السَّفْرِ
كأنَّ دَلْوَيهاَ جناَحاَ نَسْرِ
يدعو له الناسُ غَداةَ النَّحْرِ
وليلةَ الأضحَى ويومَ الفِطْرِ
حدثنا الزبير قال، وحدثني علي بن صالح، عن هشام بن عروة، عن عروة: أن الفرع أول قرية مارت إسماعيل النبي صلى الله عليه
[ ٥٣ ]
وسلم، التمر بمكة، وكانت من عمل عادٍ، شقت لها بين جبلين، ثم سلكت بالسيل فيه.
حدثنا الزبير قال، وحدثني علي بن صالح، عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة، عن عروة: أن أسماء بنت أبي بكر قالت لعبد الله: أي بني أعمر الفرع. قال: نعم يا أمتاه، لقد عَمِر، واتخذت به أموالًا. قالت: والله لكأني أنظر إليه حين مررنا مهاجرين من مكة، وكأني أرى فيه نخلات، وأسمع نباح كلب.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: أعتمل عبد الله بن الزبير بالفرع عين الفارعة والسنام، وأعتمل عروة بن الزبير عين المهد وعسكر، وأعتمل حمزة بن عبد الله عين الربض والنجفة.
قال: وكان حمزة بن عبد الله يقول: ما جاءني سائل قط يكرم على، إلا ظننت أنه يسألني الربض والنجفة.
[ ٥٤ ]
وزعموا أنه كان جالسًا بفناء قصره بظاهر قباء، قافية الحياة، الذي يقول فيه موسى شهوات:
بالقَصْرِ قافية الحَيَاةِ لمن أتاهُ، وفوُقَ وائلْ
فطلع عليه عمه جعفر بن الزبير راكبًا على فرس كان له أيام عبد الله أبن الزبير، فسلم جعفر، فرد عليه حمزة ورحب به وقال: أنزل يا عم. قال: لا والله لا أنزل أو تقضى حاجتي. قال: وما حاجتي. قال: وما حاجتك؟ قال: لا أخبرك بها حتى تقول نغم. قال: فتغير وجه حمزة، ثم قال: نعم. قال جعفر: إني خرجت إليك من منزلي على فرسي هذا، والله ما أتمسك به إلا صبابة بذكر أبيك، كنت أحضر معه عليه القتال، قد عرفت ذلك، أسألك أن تقضي عن ألف دينار علي، وتأمر لي بجارية تخدمني وتخدم فرسي. فأسفر وجه حمزة، ودعا له بألف دينار، وبجارية رضيها جعفر فدفعها إليه. فأردف الجارية خلفه، وأخذ الألف فوضعها بين يديه، وأنصرف ولم ينزل. فقال عباد بن حمزة لأبيه حين ذهب جعفر: يا أبة، ما أشد ما شقت عليك مسألة جعفر، حتى عرفت التغيير في وجهك، ثم يا أبة، ما أشد ما شقت عليك مسألة جعفر، حتى عرفت التغيير في وجهك، ثم أسفر حين عرفت ما يطلب! قال: يا بني، ما ظننته إلا يسألني الربض والنجفة، ولو فعل ما رجع إلا بهما، وقد وهبتهما لك: فحازهما عباد في حياة أبيه، حتى مات وهما في يده، فقام عليه أخوته بنو حمزة، فخاصموه إلى عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة زمان عبد الملك بن مروان، فقضى بهما لعباد.
وكان عامر بن حمزة، وأمه أم ولد، من سَرَوات آل الزبير
[ ٥٥ ]
وجلدائهم، فيمن خاصمه. فلما قضى عليهم عمر لعباد، وجعل عامر بعد ذلك بيسير يغدو إلى عمر بن عبد العزيز ويروح في أجراد من ثيابه، فيتغدى معه ويتعشى، فوقع في نفس عمر بن عبد العزيز مع الذي رأى من ظاهر كسوته، ويتعشى، فوقع في نفس عمر بن عبد العزيز مع الذي رأى من ظاهر كسوته، أن به إلى ذلك حاجة، وأن أباه أجحف به فيما صنع بعباد. فأرسل إلى عباد فقال له: إني كنت قضيت لك بالربض والنجفة، وقد رأيت غير ذلك ولا أراني إلا سأكر النظر في أمرك وأمر إخوتِك. فقال له عباد: إن الذي رأيت من أخي إنما هو مكر منه، والله ما به إليه حاجة، وما أخذت هاتين العينين لأستأثر بهما، وأنا أشهدك أني قد أسلمتهما إليهم، ورددتهما ميراثًا. فجزاه عمر خيرًا، وصارتا ميراثًا، فاقتسمتا.
وليس لعامر بن حمزة عقب إلا من قبل النساء. بنته فأخته بنت عامر بن حمزة، كانت عند نافع بن ثابت، فولدت له عبد الله الأكبر بن نافع وأمه الجبار، ولا ولد لها.
وتصدق عامر بن حمزة بحقه بالربض على بنيه فأخته وأسماء وعلى أعقابهما. فأما أسماء فولدت محمد بن عمر بن المنذر بن الزبير، وقد أنقرض ولدهما، وصارت تلك الصدقة لولد عبد الله بن نافع الأكبر.
[ ٥٦ ]
وهلك عامر بن حمزة بواسط، عند خالد بن عبد الله القسري، فقال عروة بن أذينة يرثيه، أخبرتني ذلك ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب، عن يحيى بن جعفر بن مصعب بن الزبير:
مَن لعينٍ كثيرةِ الهَمَلانِ ولُحزْنٍ قد شَفَّنِي وبرَانِي
أنْ تولَّى أخي وعارفُ حقِّي وأمينِي في السّرّ والإعلانِ
عامِرٌ مَنْ كعَامِر يرقَعُ الثَّلْمَ ويكفيكَ حضرةَ السلطانِ
حيثُ لا يَنفَعُ الضَّيفُ ولا للوَغْلِ في الجدِّ بالفِئَامِ يدَانِ
فَثَوى بالعراقِ رَمْسًا غرِيبًا لا بدارٍ ولا حَرَى أوطانِ
نائيًا عن بَنِي الزُّبَيْر مُقِيمًا بين أنهارِ واسطٍ والجِنانِ
سِّيدًا وابنَ سادةٍ يَشْتَرُونَ الحَمْدَ قِدْمًا بأرْبحِ الأثمانِ
قدَّمُوا أفضل المكارِم مَجْدًا ولهُمْ سِرُّ كُلِّ عِرْقٍ هِجَانِ
ورّثوه مَجْدَ الحياةِ فَثَبَّى مَجْدَ بانٍ أشادَ في البُنْيانِ
بقيامٍ على الجسيم من الأمْ رِ وضَغمٍ للمُتْرَف الحَيْرَانِ
وانصراف عن جَهْل ذي الرَّحِم المُفْرِطِ لَوْ شاءَ نالَهُ بهَوانِ
منْ يَلُمْ في بُكائِه لا أطِعْهُ وأقُلْ: مثْلُ عامرٍ أبْكانِي
مَنْ يُصَادِى سُخْطٍى ويحلُمُ عنّي وإذا قلت: من لأمرِي؟ كفانِي
[ ٥٧ ]
حدثنا الزبير قال، وحدثتنا ظبية: أنها سمعت يحيى بن جعفر أبن مصعب ينشد لعروة بن أذينة، يرثى عامر بن حمزة:
أرقت فما أنام ولا أنيم وجاء بحزني الليل البهيم
وأصبح عامر قد هد ركني وفارقني به اللطف الحميم
فكان ثمالنا تأوى إليه أراملنا وعائلنا اليتيم
ومدره خصمنا في كل أمر له تجذو على الركب الخصوم
وقيمنا على الجلى بجد إذا ما الكرب أفظع من يقوم
أتى الركبان بالأخبار تهوى بها وبهم حراجيج هجوم
فقالوا قد تركناه سقيمًا فما صدقوا، ولا صح السقيم
فعز على أن القوم آبوا وأنت بواسط جدث مقيم
جزاك الله خيرًا حيث أمست من البلدان أعظمك الرميم
فنعم الشيء كنت، وليس شيء من الدنيا وما فيها يدوم
تضعضع جل قومك واستكانوا لفقدك، إنه حدث عظيم
قضى نحبًا فبان، وكان حصنًا يعوذ به المدفع والغريم
يريش الأقربين ويطبيهم ولا يبرى كما يبرى القدوم
وهي أكثر من هذه.
[ ٥٨ ]