يحسب بعض الأجانب ممن لا خبرة له ولا اطلاع أن تكوّن الأسرة العربية كان بصورة همجية ووحشية اقتضاها المحيط فلا تعد من الأسر المنتظمة، ولا الشرعية.. الخ.
وهذا الزعم باطل تكذبه الحالة التي عليها الأسرة العربية مهما بلغت من العراقة في البداوة، فهنا يفرق بين البداوة والوحشة في أن الأولى تابعة لنظام والأخرى لا تعرفه.
إن العائلة كان تكوّنها نتيجة تمثلات وتطورات واتباعًا لشرائع ونظم قويمة سواء كانت مكتوبة في الأصل أو متلقاة من أهل الشرائع أو الحالة اقتضت ذلك.. وهذه الحال لا يدرك أولها لقدمها وهي مألوفة الى أن ظهرت الإسلامية، وان الشريعة الغراء لم تغير فيها تغييرًا كبيرًا لأن أساسها من مقتضيات البيئة، وإنما أجرت إصلاحًا شذّب فيها وأكمل نقصها ودعا الى ما هي عليه اليوم.. أي أنها لا تفترق في تركيب عائلتها، وتأليفها سواء في اسلاميتها، أو في جاهليتها إلا قليلا وانكحة العرب (١) التي يذكرها أهل الآداب هي أشكال لا أساس أصليًا، أو كانوا يفعلونها لأحوال خاصة، أو أن المرأة لم تكن مصونة، ولا قاهر عليها تخشى منه !! واليوم تتمشى على قانون (الدين الاسلامي) ولكن التطبيق فيه متفاوت تفاوتًا ليس بالكبير واصلاحه مهم بالرغم من قلته، أحدث انقلابًا في الاسرة وفي غيرها محكم، قوي وبسيط ناشيء من روح القوم، سهل الاخذ مما لا نراه في شرائع الأمم السابقة بل وشرائع اليوم وقرر حقوق العائلة وافرد أحكامًا لكل من الزوجين.
واساسًا ان صلاح كل من الزوجين مطلوب ومرغوب فيه وأساسه (وعاشروهنّ بالمعروف) و(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) و(فامساك بمعروف او تسريح باحسان) الخ.
والتاريخ يقص علينا الشيء الكثير من نظام الأسرة ومكانتها عند العرب فلا نجدها تابعة للاهواء، متبدلة كل يوم، فتطبق وفق الرغبات، او الاحوال الآنية بل ثابتة مستقرة لا تقبل التبديل والتعديل بوجه بخلاف ما نراه اليوم في كثير من الأمم وانظمتها فاننا نجدها تابعة
[ ١٧ ]
للأهواء، والآراء الآنية، لا تستقر على حالة فالاسلامية اصلحت في نظام العائلة وساوت في الحقوق بين الزوج والزوجة ومنعت الظلم عنها وأقرت الزواج المشروع ومنعت ما هو مستكره وهو اتخاذ (الاخدان)، او (البغايا)، ووافقت على العنعنات المرعية الفاضلة والاعتيادات التي لا تؤدي الى الاجحاف، او القسوة مما لا يخل بالاساس ومنعت الوأد، والعضل، وقررت نظام الارث وبهذا صانت حقوق المرأة سواء كانت امًا، او زوجة، او بنتًا، او ما ماثل
فالبيت يتكون من الركنيين المذكورين. وهذا أس العائلة ودعامتها المكينة ولا يستطيع احد ان يتزوج بدون عقد، أي ان يغشى امرأة دون ان ينال عقوبته، او ان يكون منفورًا والعقر عند العرب دية التجاوز على عفاف المرأة فلو كانت غير مرتبطة بعقد لما احتيج الى ذلك، ولا روعيت الولاية عليها ومما ابقته اللغة والقرآن الكريم لفظ (الخدن) وهو الصاحب بلا زواج ولا عقد فانه مرذول كما هو المنقول، ومنفور منه وان المرأة التي تسلك هذه الطريق تعد خدنًا، او فاحشة، او زانية، او بغيًا، وان لم تكن مبتذلة للكل واذا كان لها اقارب او عشيرة قتلتها وغسلت العار لحد ان العربي كان يوجس خيفة من لصوق العار فيقتل ابنته حية بطريق (الوأد) قبل ان يأتي أوان زواجها خشية ان ترتكب ما يجلب العار وهذا التوهم وتوقع العار ساقه الى ارتكاب جناية قتلها قبل ان يقع الذنب. وقد منع الاسلام منه ووقف القوم عند حدود الشرع (واذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) .
وكانوا ولا يزالون يبذلون جهودًا لانتقاء الزوجة واستيلاد من يكونون مثل آبائهم واسرتها وأمثلة هذا جمة سنأتي بالكثير منها في حينها عن كل قبيلة مما هو محفوظ عنها ومرتكز في نفوس القوم
والعرب يكرهون بل يمقتون ان ياكلوا فضلات غيرهم او يلغوا في اناء ولغ فيه كلب ما او يشربوا سؤره، والحاصل ان نفوسهم تعاف مأكول الغير، ومشروبه ويمقتون القبيلة التي تبيّت أكلها، فمن الاولى ان لا يتصل بامرأة هي متاع كل واحد او فضالة كل شارب، وهذا عام في كل القبائل يأنفون من ذلك كل الأنفة:
اذا وقع الذباب على اناء رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الاسود ورود ماء اذا كان الكلاب ولغن فيه
وقد وصف القرآن الكريم هذا النوع من الاتصال باشنع وصف واصدقه (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) . واما الزواج المشروع فقد نوّه بذكره وحبّذه بقوله: (ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجًا لتسكنوا اليها وجعل في قلوبكم مودة ورحمة) الآية والغاية في ذاك ارضاء الشهوة وهي معروفة. وليس الغرض اتصال الود والرأفة
والمهر ايضًا معروف لديهم ومتبع عندهم ويتغالون به ونكاح الشغار مما ابطاله الاسلام بل اوجب فريق من الفقهاء الزام مهر المثل فيه وكذا هو منفور منهم وقول العوام (غصه بغصه ولا كصه بكصه) (١) المثل العامي مما يؤيد معتادهم. وليس هذا معناه شراء المرأة، او مساواتها بمبلغ معروف معين واستكراه هذه الحالة من بعض المتمدنين، او الذين يحاولون هدم كل قديم فالامر لا يفهم منه ذلك وإنما هو ضمان للزوجة ان تعيش بضرورة بل لدفع كفافها، وحراسة وضعها لمدة حتى تتبصر من امرها وتعين وجهتها وحكاية ام شهلبه وبنت الفوري تعين ذلك (٢) . وكذا يقال عن المراسيم للأعراس والزفاف ومراعاة الكفاءة والنهوة لمن لم تعرف كفاءته وذلك من أي قريب حفظًا للسمعة والنسب. ولكن الاسلامية تحوطت في هذا الامر وجعلت له سياجًا معقولًا من التصرف. كما ان الغرض مصروف الى الاهتمام والمغالاة لئلا تكون المرأة بضاعة رخيصة او مبتذلة.
ومن ثم نرى العرب قد حافظوا على انسابهم وأعراضهم وصيانة اخلاقهم. وهذا نظام متأصل فيهم من زمن قديم لا يدرك اوله، ومزاعم أهل الطوتمية مردودة، وغير معروفة (٣) . ونكتفي بهذا لمناسبة البيت وبيان اركانه
ولا يسع المرء ان ينكر ما يشاهده في العرب عن خيولهم التي هي وسائل نجاتهم من الاخطار وأنهم قد حفظوا على انسابهم (ارسانها) وبالغوا في ذلك وحكوا الحكايات عن الكراب على الفرس أو حمل الاثقال عليها مما يدل على ان القوم كما يهتمون بانفسهم يرعون بعين الاهتمام ما هو أعز لديهم من خيول لانها وسائل نجاتهم وكسبهم في حروبهم
[ ١٨ ]
٤ - الفخذ: ويقال له (البديدة) وجمعها بدايد والفندة وجمعها (فند) وكذا يقال له (بيت) كما تقدم. والفخذ في الاصل عدة بيوت من جد قريب لا يكاد يتجاوز الجد الخامس في الاغلب. وهذا تابع لكثرة النفوس، ولظهور من ينال مكانة ويحصل على مقدرة شخصية ومواهب مؤهلة حتى يكون رأس بيت او فخذ جديد.
ونرى التلازم والتكاتف بين افراد هذه البيوت والتضامن بينهم قويًا جدًا فالمسؤولية الشخصية للواحد على الآخر متجلية في هذا كما ان التكافوء في الحقوق ظاهر ومن ثم تتضاءل الرابطة حينما تعلو وتقل وحينئذ يكون التكاتف في المصلحة العامة والاحوال التي تخص القبيلة او العشيرة
ومن هنا ساء ظن من زعم ان هؤلاء وحوش لا جامعة تجمعهم ولا رابطة تربطهم، وانهم بيوت مبعثرة في الصحراء. واننا لنعجب ممن يكتب ولا يعرف حقيقة ما يكتب وإنما يقرأ بعض المباحث من المغرضين ويتخيلها حقيقة فيبني عليها اوهامًا من عنده ومطالعات فاسدة من رأيه فيحسب انه قطع جهيزة كل كاتب وخطيب والحال ان الفخذ في تضامن وتكاتف وفق ترتيب معهود لديهم وشكل منظم معروف وركنه الركين الاحتفاظ بحياة الجماعة، والتكاتف للشر غير مقصود فهو ضمان الجماعة، ودعامة بقائها، وأس صلاحها..
وعلى هذا الفخذ تترتب الاحكام التالية: ١ - الدية. هو المسؤول عنها لحد خمسة بطون أو أظهر أو ان الكل مسؤولون كما هو معتاد كثيرين من القبائل المحدودة في موطن وترى الضرورة تدعوها الى هذا التضامن فشاعت في الكل وصارت نظامًا لهم وحينئذ لا تقتصر المسؤولية عند الأقرب فالكل مطالبون ومن مؤيدات هذه الفكرة ان قاتل قريبه مسؤول شخصيًا تشديدًا للعقوبة عليه مع الجلاء وما ماثل
٢ - الحلال بخمسة أيضًا أو المسؤولية المالية.
٣ - الوسكة (الوسقة) تجري على هؤلاء المسؤولين وتشدد على السارقين من الأقارب أوالجيران لعين السبب المذكور في الفقرة الأولى.
وأمثال ذلك من المطالب عن الجناية الشخصية أو المالية
ويلاحظ هنا ان بعض الأفراد قد يجلى أو يرحل الى قبيلة أخرى لأسباب كثيرة فيحافظ على مكانته ويؤسس له اسمًا فينسى جذمه الذي درج منه. وحينئذ لا يمكن أن نعده فرعًا من فروع القبيلة أو بيتًا من بيوتها وانما نعلم اجمالا انه من تلك القبيلة. وهذا وقع كثيرًا في مواطن متعددة واذا كان نسي أصله فيعد من هذه القبيلة الأخيرة
ملحوظة: قد شاعت التسمية بالبيت، وكذا بالعشيرة أو القبيلة باسم مؤسسها أو من اشتهر أمره منها. وقل من تسمى باسم غيره إلا أن يكون بنبز كسنجاره وآل الجرباء ولم تعرف التسمية الى المواطن إلا قليلا وهذا قد يكون للفصل بين المواطن والأماكن فيما اذا تفرقت القبيلة كأن يقال شمر الجبل وشمر الجزيرة الخ بصورة عامة وإلا فأكثر القبائل تنسب الى جدها وتعرف باسمها
والأقوام الأخرى كالاثوريين والكرد، والترك، إنما تعرف قبائلهم باسمها الأصلي المعروفة به وبقريتها أو أرضها التي تحل فيها، وهذا هو الغالب فيهم ولا يؤمل الاطلاع الى ما هو شبيه او مماثل لما عند القبائل العربية من تفريع وافخاذ وإذا عرف هذا في الرؤساء فهو وقتي ولمدة. والترك اقرب الى الأوضاع القبائلية في بداوتهم