إن مواد هذا الكتاب لم تكن مكتوبة بمعنى أنني إذا أردت الرجوع إلى كتب لا نقل منها المعلومات عن أسر بريدة، فإنني لا أجد شيئًا منها لذلك كان لابد من أن أجمع المعلومات جمعًا من أفواه الرجال، ومن صدور الحفظة من العامة.
وهذا في حد ذاته مشكل، لا من حيث توثيقه فحسب، وإنما من حيث اتساقه في نفسه، واتساقه مع الأخبار التي يرويها الآخرون، ومع الآراء التي يرونها.
لذلك بدت لي بعض إفادات الشيوخ من كبار السن والمهتمين من غيرهم متناقضة بعض الأحيان، أو متعارضة في أحيان أخرى.
والأدهى من ذلك أن الزمن يفعل فعله في أولئك الرواة الإخباريين ليس ذلك بالموت المحتوم على العباد فحسب، وإنما بما يحدثه من خلل في أذهانهم أو من تغير في حفظهم.
فكنت في بعض الأحيان أسمع من بعضهم معلومة مهمة ثم لا أدونها ليس عدم إدراك مني لأهميتها ولكنني لا أفعل ذلك على الفور طلبًا للتوثيق، أو للمزيد من التفصيلات، فأؤجل البحث مع صاحبها لفترة قد تمتد لسنوات حتى إذا رجعت إليه وجدت ذاكرته قد تغيرت، وأن تلك المعلومة في ذهنه قد تشوشت، فلا يجد ما يعتذر به عن ذلك إلَّا قوله: إني نسيت أو يضرب المثل المشهور: (الذهن خَوّان) أو المثل الآخر: (القلب ماهوب كتاب).
وهذا الأمر - على سوءه - هو أهون من أن أفاجأ بأن الذي لديه تلك المعلومة قد مات، وكثيرًا ما يبلغني أحد الأصدقاء أو حتى أقرأ في إحدى الجرائد وفاة فلان، ﵀ مكتوبة مسطرة كما تسطر وفيات الآخرين، ولكنها بالنسبة إليَّ ليست كذلك، بل تعني ضياع معلومة مهمة هي جزء مؤمل
[ ١ / ٢٤ ]
من هذا الكتاب، فتجدني في مثل هذه الحالة أتألم وأندم من حيث لا ينفع الندم، أو أتخبط في البحث عن مثل ذلك الميت أريد تعويضه به فلا أجد! ! !
ولذلك لابد لنا من الرجوع إلى الوثائق المكتوبة حيث عدم غيرها من وسائل المعرفة المكتوبة الموثقة بأحوال الماضين من بني قومنا.
والوثائق التي عنيناها لم تكتب لتكون تاريخًا، بل لم يكن يدور في أذهان من أملوها أو كتبوها أنها ستكون كذلك، وإنما هي وثائق أو لنقل إنها أوراق إثبات مداينات، أو وصايا لأموات أو أوقاف لأحياء من محبي الخير من الأحياء.
ولكنها أفادتنا فوائد عظيمة إذ عرفنا من بعضها أن أشخاصًا من ذوي الأهمية كانوا موجودين أثناء تاريخ كتابتها لكونهم من المعنيين بها أو لكونهم على الأقل - من الشهود المذكورين فيها.
وعكس ذلك كان تذكر شخصًا موصي إليه في وصية، أو وقف أوقفه شخص آخر ومع ذكره دعاء (﵀) فنعرف أنه قد توفي قبل ذلك التاريخ.
وأناس تغيرت أسماؤهم وأقصد من ذلك بعض الأسر نجد في بعض الوثائق أنهم آل فلان الملقبون بكذا فنعرف تغير اسمائهم، وأناس ذكروا في الوثائق ولم نعثر من الذين عرفناهم من المعاصرين على من ينتسبون إليهم، فنعرف أنهم قد انقرضوا، أو أنهم خبا ذكرهم وقل قدرهم، والشي الذي آلمني وترددتُ فيه حتى كاد يمنعني من إيراد بعض الوثائق أن بعض الأشخاص الذين لابد لنا من ذكر أي معلومة عنهم قد ورد ذكرهم مرة أو مرات في وثائق مداينات كانوا فيها هم المدينين وليسوا الدائنين.
ومع أن ذلك أمر طبيعي في تلك العصور، وربما حتى في الوقت الحاضر، ولكن مجرد كون جد من أجداد إحدى الأسر لم يذكر اسمه، ولم يسجل في التاريخ، إلا في معرض كونه استدان من التاجر الفلاني شيئًا، أو أنه مطالب بوفاء ذلك
[ ١ / ٢٥ ]
الدين، هو أمر محزن لي، وربما كذلك لأسرته أو لأفراد من أسرته.
ونحن نعرف من أحوال الناس في تلك العصور أن الفلاحين والمزارعين - على وجه العموم - كلهم أو أكثرهم من الفقراء الذين يمارسون الفلاحة، بغية الحصول على لقمة العيش التي لا تزيد على الكفاف الخشن، ولكنهم ليست لديهم أية قدرة مالية، فيذهبون إلى التجار المداينين يستدينون منهم ما يحتاجون إليه إلى وقت معين يكون في الغالب عند نضوج ثمرة النخل من التمر أو إبان حصاد الزرع من القمح وشبهه.
وقد استقر رأيي على أن أذكر تلك الوثائق لأنها لا تتضمن سبًا من السباب، بل ولا ذمًا في المدين، بل تفيد أنه قد استدان، وذلك أمر غير معيب، فقد استدان كبار الصحابة والتابعين حتى روي أن علي بن أبي طالب قد استدان من يهودي ورهن درعه عنده.
وإذا كانت تلك الوثائق التي هي وثائق المداينات هي الوحيدة التي ذكرت الشخصيات التي نذكرها فإنها تكتسب عندنا أهمية مضافة تجعلنا لا نجد مفرًا من ذكرها، ويكفي في العزاء لنفوس ذرية ذلك الشخص المستدين أن يتفكروا بما هم عليه الآن من نعمة ووفرة في الأرزاق، وبعضهم يملكون ثروات طائلة لا يصدق أولادهم أن آباءهم أو أجدادهم كانوا من المحتاجين إلى أن يستدينوا من أحد.