وقعة (بقعا) هي أولى الوقعات الكبيرة على أهل القصيم جميعهم، وقد ذكرها الإخباريون وأولهم ابن بشر ﵀، وذكر سببها عنده وهو غزو أناس من عنزة وهم من أتباع أهل القصيم أو حلفائهم على أناس من شمر وهم أتباع ابن رشيد حاكم الجبل وهو مدينة حائل وما يتبعها.
قد يكون هذا هو السبب الظاهر، ولكن السبب الأساسي غير هذا كما ذكره لنا الإخباريون الذين كثيرًا ما تكون في جعبتهم أخبار أوضح أو أدنى للعقل مما لدى المؤرخين بحكم كون المؤرخين من خارج منطقة القصيم وكثيرًا ما يتناولون الأمور حسب أخبار أو إفادات تصل إليهم من أناس لم يعرفوا الأمور على حقيقتها.
يقول الإخباريون: إنه بعد أن رحَّل الأتراك الذين يراد بهم في نجد الجنود المصريون الإمام فيصل بن تركي عن نجد بالقوة وأخذوا معه بعض اخوانه وأسرته حملوهم من نجد إلى المدينة المنورة في عام ١٢٥٤ هـ فمروا بهم على المدينة المنورة ثم ذهبوا بهم إلى مصر، فأرجف بأن الدولة السعودية التي هي الثانية قد انتهت برحيل الإمام فيصل بن تركي وأنها لم تقم لها قائمة، والذين لم يعتقدوا ذلك عرفوا أن الإمام فيصل رحل من نجد قهرًا عنه وأبقي في مصر.
ومن أولئك أهل القصيم فاجتمع أهل القصيم أو من يمثلون أكثريتهم وهم أهل بريدة ومن يتبعونها من سائر القصيم الذين رئيسهم جميعًا عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان وأهل عنيزة الذين رئيسهم أميرها ابن سليم على أن يكونوا
_________________
(١) عنوان المجد، ج ٢، ص ٢٤٥.
[ ١ / ٢٣٦ ]
يدًا واحدة على من حاربهم، بل على من ناواهم، وكان أهم من في أذهانهم من أولئك آل رشيد في منطقة حائل.
فصاروا يتلمسون كيف يلقنون ابن رشيد درسًا وهم على ما هم عليه من كثرة في الرجال ووفرة في الأموال، بالنسبة إلى أهل نجد.
وقد حدثنا الإخباريون عن الازدهار الذي كان في القصيم في تلك الفترة بالنسبة إلى سائر نجد وبخاصة جنوبها الذي لو لم تكن لهم من مصيبة إلا مصيبة ترحيل الإمام فيصل بن تركي رأس الدولة المعروف بحلمه وأناته وبعده عن الظلم لكفت، فكانت واقعة غزو أمير حايل ومن معه من شمر وأهل الشمال على عربان عنزة حلفاء أهل القصيم مبررًا فيما رآه أمراء القصيم الذين على رأسهم عبد العزيز بن محمد.
وعندما عزم على غزو حايل بلغ ذلك الشيخ سليمان بن علي المقبل قاضي بريدة فاستنكره اشد الاستنكار، وأعلن من منبر المسجد الجامع في بريدة ذلك لأنه خطيب الجامع ولو لم يصرح باسم الأمير عبد العزيز بن محمد، وإنما قال: الفتنة راقدة الخ.
وقد ذكرت ذلك في (معجم بلاد القصيم) (رسم بريدة) وبينت ما يتعلق بهذه المسألة مما لا أرى داعيًا لإعادته هنا، وربما يأتي الكلام عليه في ترجمة الشيخ سليمان المقبل في حرف الميم.
أما الوقعة نفسها فإن الهزيمة حلت فيها بأهل القصيم، وقتل فيها منهم جماعة منهم أمير عنيزة يحي السليم.
ويقول أهل القصيم: إن سبب الهزيمة أن عربان عنزة الذين كانوا معهم قد تخلفوا عنهم عندما احتدمت المعركة، بل ذكروا ابن مجلاد من شيوخهم بالاسم وقالوا: إنه نادى بأعلى صوته (يا القصمان ترى ما فيها مهاش) أي لا مجال للحرب.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وكان أهل القصيم يعتمدون على خيالة عنزة في مقاومة خيالة شمر، لأن أهل الحضر كانوا من جنود المشاة والرماة.
وقد قيل في ذلك أقوال رواها أهل القصيم ذكروا أنها سبب هزيمتهم في (بقعا) وهي أن أمير حائل أرسل سرًّا إلى كبير قبيلة عنزة وقال له ما معناه: إنه إذا انتهت الحرب عاد راعي بريدة إلى بريدة وعاد راعي عنيزة إلى عنيزة، وكلّ تحصن في ديرته واعتبر أن الحرب قد انتهت، أما بالنسبة إلينا وإليكم فإن الأمر مختلف، إذ نحن من أهل البادية التي لا غنى لها عن طلب المرعي والاحتكاك بعضها ببعض، فالأولى أن تكفونا شركم وتأخذوا كذا وكذا، مبلغًا من المال بالذهب - كما روي رواة أهل القصيم - وتتركوننا والحضران أهل القصيم.
قالوا: فأثمر ذلك وكان سبب تخلف بعض شيوخ البادية عن الاستمرار في الحرب.
قال الإخباريون: وكانت الوقعة في زمن الحر، فتفرق أهل القصيم في نخيل بقعا يبحثون عن الظل والماء وتركهم أهل حايل وأهل الحضر ومن معهم من أهل البدو الذين يتبعون أمير حائل حتى عرفوا أنهم تفرقوا في النخيل ثم هجموا عليهم بالبنادق، واعترضت الخيل على من أراد الهرب، فكانت مقتلة عظيمة على أهل القصيم كلهم ممن اشتركوا في هذه الوقعة.
وهذا ما ذكره المؤرخ ابن بشر ﵀ عن وقعة بقعا، قال: