الأصل فى الخبر أن يلقى لغرضين هما: فائدة الخبر، ولازم الفائدة، غير أنّه كثيرا ما يخرج على خلاف مقتضى الظاهر. ولكنه لا يقتصر على ذلك وإنما يخرج مجازا إلى أغراض كثيرة تفهم من السياق وقرائن الأحوال ومن ذلك:
_________________
(١) الإيضاح ص ١٩، وينظر دلائل الإعجاز ص ٢١١، ومفتاح العلوم ص ٨٢.
(٢) المؤمنون ١٥.
(٣) البقرة ٢.
(٤) المؤمنون ١٦.
[ ١٠٢ ]
- إظهار الضعف: ومنه قوله تعالى: «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا» (١) وقول الشاعر:
إنّ الثمانين- وبلغتها- قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وقول أبى نواس:
دبّ فىّ السقام سفلا وعلوا وأرانى أموت عضوا فعضوا
- الاسترحام: ومنه قول إبراهيم بن المهدى مخاطبا المأمون:
أتيت جرما شنيعا وأنت للعفو أهل
فان عفوت فمنّ وإن قتلت فعدل
وقول الآخر:
فمالى حيلة إلا رجائى لعفوك إن عفوت وحسن ظنى
- تحريك الهمة: ومنه قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» (٢).
- إظهار التحسر: ومنه قول أعرابى يرثى ولده:
ولما دعوت الصبر بعدك والأسى أجاب الأسى طوعا ولم يجب الصّبر
وقول المتنبى:
أقمت بأرض مصر فلا ورائى تخبّ بى الركاب ولا أمامى
وقوله فى الرثاء:
الحزن يقلق والتجمل يردع والقلب بينهما عصىّ طيّع
يتنازعان دموع عين مسهّد هذا يجئ بها وهذا يرجع
_________________
(١) مريم ٤.
(٢) يونس ٢٦.
[ ١٠٣ ]
- المدح: ومنه قول النابغة الذبيانى:
فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
- الفخر: ومنه قول عمرو بن كلثوم:
إذا بلغ الفطام لناصبىّ تخرّ له الجبابر ساجدينا
وقول أبى فراس الحمدانى:
إنّا إذا اشتد الزما ن وناب خطب وادلهم
ألفيت حول بيوتنا عدد الشجاعة والكرم
للقا العدا بيض السيو ف، وللندى حمر النّعم
هذا وهذا دأبنا يودى دم ويراق دم
وقول الشريف الرضى:
لغير العلى منى القلى والتجنّب ولولا العلى ما كنت فى العيش أرغب
وقور فلا الألحان تأسر عزمتى ولا تمكر الصهباء بى حين أشرب
ولا أعرف الفحشاء إلّا بوصفها ولا أنطق العوراء والقلب مغضب
- التوبيخ: ومن ذلك قولنا لتارك الصلاة: «الصلاة ركن من أركان الإسلام».
- التحذير: ومنه قول النبىﷺ-: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
[ ١٠٤ ]
- الأمر: ومنه قوله تعالى: «وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ» (١) وقوله:
«وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ» (٢)، فان السياق يدل على أنّ الله تعالى أمر بذلك لا أنّه خبر.
- النهى: ومنه قوله تعالى: «لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (٣).
- الوعد: ومنه قوله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ» (٤).
- الوعيد: ومنه قوله تعالى: «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (٥).
- الدعاء: ومنه قوله تعالى «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (٦)، أى:
أعنّا على عبادتك، وقولنا: «عفا الله عنه».
- الإنكار والتبكيت: ومنه قوله تعالى: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» (٧)
- التمنى: ومنه قولنا: «وددتك عندنا».
- الإنكار: ومنه: «ماله علىّ حق».
- النفى: ومنه: «لا بأس عليك».
- التعظيم: ومنه: «سبحان الله».
_________________
(١) البقرة ٢٢٨.
(٢) البقرة ٢٣٣.
(٣) الواقعة ٧٩.
(٤) فصلت ٥٣.
(٥) الشعراء ٢٢٧.
(٦) الفاتحة ٥.
(٧) الدخان ٤٩.
[ ١٠٥ ]
وربما كان اللفظ خبرا والمعنى شرطا وجزاء، كقوله تعالى: «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ» (١)، فظاهره خبر، والمعنى إنّا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا. ومنه قوله: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ» (٢)، والمعنى:
من طلّق امرأة مرتين فليمسكها بعدهما بمعروف أو يسرحها باحسان (٣).
_________________
(١) الدخان ١٥.
(٢) البقرة ٢٢٩.
(٣) تنظر أغراض الخبر المجازية فى الصاحبى لابن فارس ص ١٧٩، والبرهان فى علوم القرآن ج ٢ ص ٣١٠.
[ ١٠٦ ]