وذكر أبو هلال العسكرى (- هـ) رأيين فى الفصاحة:
الأول: إن الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما؛ لأنّ كل واحد منهما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له. يقول:
«فأما الفصاحة فقد قال قوم: إنّها من قولهم: أفصح فلان عما فى نفسه إذا أظهره، والشاهد على أنّها هى الإظهار قول العرب: أفصح الصبح إذا اضاء. وأفصح اللبن إذا انجلت عنه رغوته فظهر، وفصح أيضا. وأفصح الأعجمى إذا أبان بعد أن لم يكن يفصح ويبين، وفصح اللحان إذا عبر عما فى نفسه وأظهره على جهة الصواب دون الخطأ.
وإذا كان الأمر على هذا فالفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما» (١).
الثانى: أنهما مختلفان، وذلك أنّ الفصاحة تمام آلة البيان فهى مقصورة على اللفظ، لأنّ الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى، والبلاغة إنّما هى إنهاء المعنى إلى القلب فكأنّها مقصورة على المعنى. يقول: «وقال بعض علمائنا:
الفصاحة تمام آلة البيان، فلهذا لا يجوز أن يسمّى الله تعالى فصيحا إذ كانت الفصاحة تتضمن الآلة، ولا يجوز على الله تعالى الوصف بالآلة ويوصف كلامه بالفصاحة لما يتضمن من تمام البيان. والدليل على ذلك أنّ الألثغ والتمتام لا يسميان فصيحين لنقصان آلتهما عن إقامة الحروف. وقيل:
«زياد الأعجم» لنقصان آلة نطقه عن إقامة الحروف، وكان يعبر عن «الحمار» بالهمار، فهو أعجم وشعره فصيح لتمام بيانه» (٢).
ووضّح الأمر بقوله: «ومن الدليل على أنّ الفصاحة تتضمن اللفظ والبلاغة تتناول المعنى، أنّ الببغاء يسمّى فصيحا ولا يسمى بليغا إذ هو مقيم
_________________
(١) كتاب الصناعتين، ص ٧.
(٢) كتاب الصناعتين، ص ٧.
[ ٢٢ ]
الحروف وليس له قصد إلى المعنى الذى يؤديه. وقد يجوز مع هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيد السبك، غير مستكره فج ولا متكلف وخم، ولا يمنعه من أحد الاسمين شئ لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف». (١)
وهذا هو رأيه، أما الرأى الأول فقد عرضه، لأنّ بعضهم يذهب إلى ذلك. وعقد فصلا فى تمييز الكلام تحدث فيه عن صفات الألفاظ الحسنة، وانتهى إلى أنّ الكلام إذا جمع العذوبة والجزالة والسهولة والرصانة مع السلاسة والنصاعة، واشتمل على الرونق والطلاوة، وسلم من الحيف فى التأليف، وبعد عن سماجة التركيب، وورد على
الفهم الثاقب- قبله ولم يرده، وعلى السمع المصيب استوعبه ولم يمجه، والنفس تقبل اللطيف وتنبو عن الغليظ. (٢)
وأعطى الألفاظ أهمية كبيرة، لأنه ليس الشأن فى إيراد المعانى، لأنّ المعانى يعرفها العربى والعجمى والقروى والبدوى، وإنما هو فى جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه مع صحة السبك والتركيب. وليس يطلب من المعنى إلّا أن يكون على هذه الأوصاف، وهو ما أشار إليه الجاحظ من قبل، ولكنه جعل التصوير أساس البيان.