أهم طرق القصر أربعة:
- النفى والاستثناء: ويكون المقصور عليه فى هذه الطريق بعد أداة الاستثناء، كقوله تعالى: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ
[ ١٨٠ ]
قَبْلِهِ الرُّسُلُ» (١)، وقوله: «وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ» (٢) أى: لستم فى دعواكم للرسالة عندنا بين الصدق والكذب كما يكون ظاهر حال المدعى إذا ادعى بل أنتم عندنا كاذبون فيها.
ومنه: «ما محمد إلّا شاعر» ووجه القصر فيه أنّه متى قيل: «ما محمد» توجه النفى إلى صفته لا ذاته لأنّ أنفس الذوات يمتنع نفيها وإنّما تنفى صفاتها، وحيث لا نزاع فى طوله وقصره وما شاكل ذلك وإنما النزاع فى كونه شاعرا أو كاتبا تناولهما النفى، فاذا قيل: «إلا شاعر» جاز القصر. وتستعمل «غير» فى القصر استعمال «إلّا».
- إنّما: ويكون المقصور عليه مؤخرا وجوبا، ومنه قوله تعالى: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (٣).
ومنه قول قيس بن الرقيات:
إنّما مصعب شهاب من الله تجلّت عن وجهه الظّلماء
والدليل على أنّها تفيد القصر أمور:
الأول: كونها متضمنة معنى «ما» و«إلّا»، لقول المفسرين فى قوله تعالى: «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ» (٤) - بالنصب- معناه «ما حرم عليكم إلا الميتة».
الثانى: لقول النحاة إنّ «إنّما» لإثبات ما يذكر بعدها ونفى ما سواه.
الثالث: لصحة انفصال الضمير معها مثل: «إنّما يضرب أنا»، أى:
«ما يضرب إلّا أنا».
_________________
(١) آل عمران ١٤٤.
(٢) يس ١٥.
(٣) فاطر ٢٨.
(٤) البقرة ١٧٣.
[ ١٨١ ]
ومن ذلك قول الفرزدق:
أنا الذائد الحامى الذمار وإنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى
وقول عمرو بن معد يكرب:
قد علمت سلمى وجاراتها ما قطّر الفارس إلّا أنا (١)
- العطف ب «لا» أو «لكن» أو «بل»: فان كان العطف ب «لا» كان المقصور عليه مقابلا لما بعدها، وإن كان العطف ب «لكن» و«بل» كان المقصور عليه ما بعدهما.
ومثال قصر الموصوف على الصفة إفرادا: «محمد شاعر لا كاتب»، أو «ما محمد كاتب بل شاعر».
ومثال قصر الموصوف على الصفة قلبا: «محمد قائم لا قاعد»، أو «ما محمد قاعدا بل قائم».
ومثال قصر الصفة على الموصوف إفرادا أو قلبا بحسب المقام: «محمد قائم لا خالد»، أو «ما خالد قائما بل زيد».
- تقديم ما حقه التأخير: وهنا يكون المقصور عليه هو المقدم. فمن قصر الموصوف على الصفة إفرادا «شاعر هو» لمن يعتقده شاعرا أو كاتبا.
ومن قصر الموصوف على الصفة قلبا: «قائم هو» لمن يعتقده قاعدا.
ومثال قصر الصفة على الموصوف إفرادا: «أنا كفيت مهمّك» بمعنى وحدى لمن يعتقد أنّك وغيرك كفيتما مهمّه.
ومثال قصر الصفة على الموصوف قلبا: «أنا كفيت مهمّك» بمعنى لا غيرى لمن يعتقد أنّ غيرك كفى مهمه دونك.
_________________
(١) قطر: صرع.
[ ١٨٢ ]
وهذه الطرق الأربعة تختلف من وجوه:
الأول: أنّ دلالة الثلاثة الأولى بالوضع دون الرابع.
الثانى: انّ الأصل فى العطف أن يدل على المثبت والمنفى جميعا بالنص فلا يترك ذلك إلّا كراهة الإطناب فى مقام الاختصاص كما إذا قيل «محمد يعلم النحو والصرف والعروض والقوافى» أو «محمد يعلم النحو، وخالد وبكر وعمرو» فتقول فيهما «محمد يعلم النحو لا غير» وفى معناه «ليس إلّا» أى لا غير النحو ولا غير محمد.
وأما الثلاثة الباقية فتدل بالنص على المثبت دون المنفى.
الثالث: أنّ النفى لا يجامع الأول لأنّ شرط المنفى ب «لا» أن لا يكون منفيا قبلها بغيرها ويجامع الآخرين فيقال: «إنّما زيد كاتب لا شاعر» و«هو يأتينى لا محمد».
الرابع: أنّ أصل النفى والاستثناء أن يكون ما استعمل له مما يجهله المخاطب وينكره كقولك لصاحب وقد رأيت شبحا من بعيد «ما هو إلّا محمد» إذا وجدته يعتقده غير محمد ويصر على الإنكار. وعليه قوله تعالى: «وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ» (١).
وهناك طرق أخرى للقصر غير أنّ البلاغيين لم يتفقوا عليها كل الاتفاق ولذلك تظل الوجوه الأربعة عمدة هذا الأسلوب (٢)
_________________
(١) آل عمران ٦٢.
(٢) ينظر مفتاح العلوم ص ١٣٨، والإيضاح ص ١١٨، وشروح التلخيص ج ٢ ص ١٦٦.
[ ١٨٣ ]