والآخر من مرتبة المئين والألوف، فلما حَصَل الاتفاق كأشدَّ ما يكون في شكل اليد مع الاختلاف، كأبلغ ما يوجد في المقدار والمرتبة من العدد، كان التشبيه بديعًا، قال المرزباني وهذا ما أبدع فيه الخليل، لأنه وصف انقباض اليدين بحالين من الحساب مُختلفين في العدد، متشاكلين في الصورة، وقوله هذا إجمالُ ما فصّلتُه، ومما ينظُرُ إلى هذا الفصل ويُداخِله ويرجع إليه حين تحصيله، الجنْسُ الذي يُرَاد فيه كونُ الشيء من الأفعال سببًا لضدّه، كقولنا أحسن من حيث قَصَدَ الإساءة ونفع من حيث أراد الضُّرَّ، إذْ لم يقنع المتشاغِلُ بالعبارة الظاهرة والطريقة المعروفة، وصَوَّرَ في نفس الإساءة الإحسانَ، وفي البخلِ الجودَ، وفي المنع العطاءَ، وفي موجب الذمّ موجِبَ الحمد، وفي الحالة التي حقُّها أن تُعَدَّ على الرجل حُكْمَ ما يُعتدّ له، والفعلِ الذي هو بصفة ما يُعاب ويُنكر، صفةَ ما يَقْبَلُ المنّة ويُشكَر، فيدُلُّ ذلك بما يكون فيه من الوِفاقِ الحسن مع الخِلاف البيِّن، على حِذق شاعره، وعلى جُودة طبعه وحِدّة خاطره، وعلوّ مصعَده وبُعْد غوصه، إذا لم يفسده بسوء العبارة، ولم يخطئه التوفيقُ في تلخيص الدلالة، وكَشَفَ تمام الكشف عن سُرر المعنى وسِرِّه بحسن البيان وسِحْره، مثالُ ما كان من الشعر بهذه الصِّفة قولُ أبي العتاهية:
[ ١٥٥ ]
جُزَيَ البخيلُ عليَّ صالحةً عنّي بخِفَّته على ظَهْرِي
أُعلِي وأُكْرِم عن يديه يدي فَعَلَتْ ونَزَّهَ قدرُهُ قَدْرِي
ورُزقتُ من جَدْواهُ عافيةً أن لا يضيق بشُكْرِه صَدْرِي
وغَنِيتُ خِلْوًا من تفضُّلِه أَحْنُو عليه بأحْسَن العُذْرِ
مَا فاتني خَيْرُ امرئٍ وَضَعتْ عنّي يَداه مَؤُونةَ الشُّكْرِ
ومن اللطيف مما يُشبه هذا قول الآخر:
أعتَقَنِي سُوءُ ما صنعتَ من ال رِقِّ فيا بَرْدَهَا على كَبِدِي
فَصِرتُ عبدًا للسُّوءِ فيك وما أحسنَ سُوءٌ قبلي إلى أَحَدِ
[ ١٥٦ ]
فصل
" هذا فن آخر من القول يجمع التشبيه والتمثيل جميعًا "؛ اعلم أن معرفة الشيء من طريق الجملة، غيرُ معرفته من طريق التفصيل، فنحن وإن كنّا لا يُشكل علينا الفَرْقُ بين التشبيه الغريب وغير الغريب إذا سمعنا بهما، فإنّ لوضع القوانين وبيانِ التَّقسيم في كل شيء، وتهيئةِ العبارة في الفروق، فائدةً لا يُنكرها المميز، ولا يخفَى أن ذلك أتَمُّ للغرض وأشفى للنفس، والمعنى الجامع في سبب الغرابة أن يكون الشَّبَهُ المقصودُ من الشيء مما لا يتسرّع إليه الخاطر، ولا يقع في الوهم عند بديهة النظر إلى نظيره الذي يُشبَّه به، بل بعد تثبُّتٍ وتذكر وفَلِْي للنفس عن الصور التي تعرفها، وتحريكٍ للوهم في استعراض ذلك واستحضار ما غاب منه، بيان ذلك أنك كما تَرى الشمس ويجري في خاطرك استداراتُها ونورُها، تقع في قلبك المرآة المجلّوة، ويتراءَى لك الشَّبه منها فيها، وكذلك إذا نظرتَ إلى الوشي منشورًا وتطلّبتَ لحسنه ونَقْشه واختلاف الأصباغ فيه شبهًا، حَضَرَك ذكرُ الرَّوض ممطورًا مُفْترًّا عن أزهاره، متبسّمًا عن أنواره، وكذلك إذا نظرت إلى السيف الصَّقيل عند سَلّه وبريق مَتْنِهِ، لم يتباعد
[ ١٥٧ ]
عنك أن تذكر انعقاق البرق، وإن كان هذا أقلَّ ظهورًا من الأوّل، وعلى هذا القياس، ولكنَّك تعلمُ أن خاطرَك لا يُسْرعُ إلى تشبيه الشَّمس بالمرآة في كفّ الأشلّ، كقوله " والشَّمس كالمرآة في كفّ الأشلْ "؛ هذا الإسراعَ ولا قريبًا منه، ولا إلى تشبيه البرق بإصْبع السّارق، كقول كشاجِم:
أَرِقْتَ أم نِمْت لضَوءِ بارقِ مُؤْتِلقًَا مِثلَ الفُؤَادِ الخَافقِ
كَأنَّه إصْبعُ كف السَّارقِ
وكقول ابن بابك:
ونَضْنَضَ في حِضْنَي سَمَائِكَ بارقٌ له جِذْوةٌ من زِبْرج اللاَّذِ لامِعَهْ
تَعوَّجُ في أعلى السحابِ كأنَّها بَنَانُ يدٍ من كِلَّة اللاَّذِ ضَارِعَهْ
ولا إلى تشبيه البرق في انبساطه وانقباضه والتماعه وائتلافه، بانفتاح المُصْحف وانطباقه، فيما مضى من قول ابن المعتز:
وكأنَّ البرقَ مُصحَف قارٍ فانطباقًا مرَّةً وانفتاحَا
[ ١٥٨ ]
ولا إلى تشبيه سطور الكتاب بأغصان الشوك في قوله:
بشَكْلٍ يأخُذُ الحَرْفَ المحَلَّى كأن سُطورَهُ أغصانُ شَوكِ
ولا إلى تشبيه الشَّقيق بأعلام يَاقوت على رِماح زَبَرجِد، كقول الصَّنَوبريّ:
وكأنّ مُحمرَّ الشقي قِ إذا تصوَّب أو تصعَّدْ
أعلامُ ياقوتٍ نُشِرْ نَ على رماحٍ من زَبَرْجَدْ
ولا إلى تشبيه النجوم طالعات في السماء مفترقات مؤتلفات في أديمها، وقد مازجت زُرقةُ لونها بياضَ نورها، بدُرٍّ منثورٍ على بساطٍ أزرق، كقول أبي طالب الرَّقّي:
وكأنّ أجرامَ النُّجومِ لَوامعًَا دُرَرٌ نُثِرْنَ على بِساطٍ أزرقِ
ولا ما جرى في هذا السبيل، وكان من هذا القبيل، بل تعلم أن الذي
[ ١٥٩ ]
سبَقَك إلى أشباهِ هذه التشبيهات لم يَسْبِق إلى مَدًى قريب، بل أحرز غايةً لا ينالها غير الجواد، وقَرْطَسَ في هدفِ لا يُصابُ إلاّ بعد الاحتفال والاجتهاد. واعلم أنك إنْ أردت أن تبحث بحثًا ثانيًا حتى تعلم لم وَجَبَ أن يكون بعضُ الشَّبه على الذكر أبدًا، وبعضه كالغائب عنه، وبعضُه كالبعيد عن الحضرةِ لا يُنال إلا بعد قطع مسافةٍ إليه، وفَضْل تعطُّفٍ بالفكر عليه فإنّ ها هنا ضربين من العِبرة يجب أن تضبطهما أوّلًا، ثم ترجع في أمر التشبيه، فإنّك حينئذ تعلم السَّبب في سرعة بعضه إلى الفكر، وإباءِ بعض أن يكون له ذلك الإسراع. فإحدَى العِبْرَتين أنّا نعلم أن الجملة أبدًا أسبق إلى النفوس من التفصيل، وأنت تجد الرؤية نفسها لا تصل بالبديهة إلى التفصيل، لكنك ترى بالنَّظَر الأوَّل الوصفَ على الجملة، ثم ترى التفصيل عند إعادة النظر، ولذلك قالوا: النظرة الأولى حمقاء، وقالوا لم يُنعِم النَّظَر ولم يَسْتَقْصِ التأمّل، وهكذا الحكم في السمع وغيره، من الحواس، فإنك تتبيّن من تفاصيل الصَّوت بأن يعاد عليك حتى يسمعه مرّةً ثانيةً، ما لم تتبيّنه بالسماع الأول، وتُدرك من تَفْصيل طعم المَذُوق بأن تعيده إلى اللِّسان ما لم تعرفه في الذَّوْقَةِ الأولى، وبإدراك التَّفصيل يقع التفاضُل بين راءٍ وراءٍ، وسامع وسامع، وهكذا، فأمَّا الجُمَل فتستوي فيها الأقدام، ثُمَّ تَعلم أنّك في إدراك تفصيل مَا تراه وتسمعه أو تذوقه، كمن ينتَقي الشيء من بين جُمْلة، وكمن يميِّز الشيء مما قد اختلط به، فإنك حين لا يهمُّك التفصيل، كمن يأخذ الشيء جُزَافًا وجَرْفًا.
[ ١٦٠ ]
وإذا كانت هذه العبرة ثابتةً في المشاهدة وما يجري مجراها مما تناله الحاسّة، فالأمرُ في القلب كذلك تجدُ الجُمل أبدًا هي التي تسبق إلى الأوهام وتقع في الخاطر أوّلًا، وتجد التفاصيل مغمُورة فيما بينها، وتراها لا تحضر إلا بعد إعمال للرؤية وإستعانةٍ بالتذكّر. ويتفاوت الحال في الحاجة إلى الفكر بحسب مكان الوصف ومرتبته من حدّ الجملة وحدّ التفصيل، وكلّماكان أوغل في التفصيل، كانت الحاجةُ إلى التوقُّف والتذكُّر أكثر، والفقرُ إلى التأمّل والتمهُّل أشدّ، وإذْ قد عرفتَ هذه العِبرة، فالاشتراك في الصفة إذا كان من جهة الجملة على الإطلاق، بحيث لا يشوبه شيء من التفصيل نحو أن كِلا الشيئين أسود أو أحمر فهو يقلّ عن أن تحتاج فيه إلى قياس وتشبيهٍ، فإن دخل في التفصيل شيئًا نحو أن هذا السوادَ صَافٍ برَّاقٌ، والحمرةَ رقيقةٌ ناصعةٌ احتجتَ بقدر ذلك إلى إدارة الفكر، وذلك مثل تشبيه حمرة الخدِّ بحمرة التُفّاح والوَرْد، فإن زاد تفصيلُه بخصوصٍ تَدِقُّ العبارة عنه، ويُتعرَّف بفضل تأمُّل، ازداد الأمر قوّةً في اقتضاء الفكر، وذلك نَحْو تشبيه سِقْط النار بعين الديك في قوله:
وسِقْطٍ كَعَيْن الدِّيكِ عَاوَرْتُ صُحْبَتِي
[ ١٦١ ]
وذلك أنّ ما في لون عينه من تفصيل وخصوصٍ، يزيد على كون الحمرةِ رقيقةً ناصعةً والسوادِ صافيًّا برَّاقًا، وعلى هذا تجد هذا الحدَّ من المرتبة التي لا يستوي فيها البليد والذكيُّ، والمهمِل نفسَه والمتيقّظ المستعدّ للفكر والتصوّر، فقوله:
كأنَّ عَلَى أنْيابِهَا كُلَّ سُحْرَةٍ صِياح البَوازِي من صَرِيفِ اللَّوائكِ
أرفعُ طبقةً من قوله:
كأن صَلِيلَ المَرْوِ حين تُشِذُّه صَلِيلُ زُيوفٍ يُنْتَقَدْنَ بَعَبْقَرا
لأن التفصيلَ والخصوص في صوت البازي، أَبْينُ وأظهر منه في صَلِيل الزيوف، وكما أن قولَه يصفُ الفَرس:
وللفؤاد وَجِيبٌ تَحْتَ أَبْهَرهِ لَدْمَ الغُلامِ ورَاء الغَيبِ بِالحَجَرِ
لا يُسوَّى بتشبيهِ وقْع الحوافر بهَزْمة الرعد، وتشبيه الصَّوت الذي يكون لغليان القِدْر بنحو ذلك، كقوله:
[ ١٦٢ ]
لها لَغْطٌ جُنْحَ الظَّلامِ كأنّه عَجَارِفُ غَيْثٍ رَائِحٍ مُتَهزِّمِ
لأنّ هناك من التفصيل الحَسَن ما تراه، وليس في كون الصوت من جنس اللَّغط تفصيلٌ يُعتدُّ به، وإنما هو كالزيادة والشدّة في الوصف. ومثالُ ذلك مِثالُ أن يكون جسمٌ أعظمَ من جسم في أنه لا يتجاوز مرتبة الجُمَل كبيرَ تَجاوُزِ، فإذا رأى الرجل شخصًا قد زاد على المعتاد في العِظَم والضخامة، لم يحتجّ في تشبيهه بالفِيل أو الجبل أو الجَمَل أو نحو ذلك إلى شيء من الفكر، بل يَحْضُره ذلك حضورَ ما يُعْرف بالبديهة، والمقابلات التي تُريك الفرق بين الجملة والتفصيل كثيرة، ومن اللَّطيف في ذلك أن تنظرُ إلى قوله:
يُتابِعُ لاَ يَبْتَغِي غَيرَه بأبيضَ كالقَبَس المُلْتَهِبْ
ثم تقابلَ به قولَه:
جَمَعْتُ رُدَيْنِيًّا كأنَّ سِنَانَه سَنَا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصلْ بدُخَانِ
فإنك ترى بينهما من التفاوُت في الفضل ما تراه، مع أن المشبَّه به في
[ ١٦٣ ]
الموضعين شيءٌ واحدٌ وهو شُعلة النار، وما ذاك إلا من جهة أن الثاني قَصَد إلى تفصيلِ لطِيفٍ، ومَرَّ الأوَّلُ على حكم الجمل. ومعلومٌ أن هذا التفصيل لا يقع في الوهم في أول وهلة، بل لا بدّ فيه من أن تتثَبَّت وتتوقَّف وتُرَوَّى وتنظر في حال كل واحد من الفرع والأصل، حتى يقوم حيئذ في نفسك أن في الأصل شيئًا يقدح في حقيقة الشبه، وهو الدُّخان الذي يعلو رأسَ الشعلة، وأنه ليس في رأس السنان ما يُشبه ذلك، وأنه إذا كان كذلك، كان التحقيقُ وما يؤدِّي الشيءَ كما هو، أن تستثني الدُّخان وتنفي، وتَقْصِر التَّشبيه على مُجرَّد السَّنا، وتصوّر السنان فيه مقطوعًا عن الدخان، ولو فرضتَ أن يقع هذا كلَّه على حدّ البَديهة من غير أن يخطر ببالك ما ذكرتُ لك، قدَّرتَ مُحالًا لا يتصوَّر، كما أنك لو قدَّرت أن يكون تشبيه الثُّريا بعنقود مُلاَّحية حين نوَّر بمنزلة تشبيهها بالنَوْر على الإطلاق، أو تفتُّح نَوْر فقط، كما قال:
كأنّ الثُّريا في أواخِر لَيلِها تَفَتُّح نَوْرٍ
حتى ترى حاجتَهما إلى التأمُّل على مقدار واحد، وحتى لا يُحْوِج أحدهما من الرجوع إلى النفس وبَحْثها عن الصور التي تعرفها، إلا إلى مثل ما يُحْوِج إليه الآخر أسرفتَ في المجازفة، ونَفَضْت يدًا بالصَّواب والتحقيق.
[ ١٦٤ ]
والعبرة الثانية أن ما يقتضي كونَ الشيء على الذِّكر وثبوتَ صورته في النفس، أن يكثُر دورانُه على العيون، ويدوم تردُّده في مواقع الأبصار، وأنِ تُدركه الحواسُّ في كل وقت أو في أغلب الأوقات وبالعكس، وهو أنّ من سبب بُعْد ذلك الشيء عن أن يقع ذكره بالخاطر، وتَعْرِض صورتُه في النفس، قِلّة رؤيته، وأنه مما يُحَسُّ بالفَينة بعد الفينة، وفي الفَرْطِ بعد الفَرْط، وعلى طريق النُّدرة، وذلك أن العيون هي التي تحفظُ صُوَر الأشياء على النفوس، وتجدِّدُ عهدها بها، وتحرسُها من أن تدْثُر، وتمنعها أن تزول، ولذلك قالوا: من غاب عن العين فقد غاب عن القلب، وعلى هذا المعنى كانت المُدارسة والمُناظرةُ في العلوم وكُرُورها على الأسماع، سَبَبَ سلامتها من النِّسيان، والمانعَ لها من التفلُّت والذَّهاب، وإذا كان هذا أمرًا لا يُشكُّ فيه، بانَ منه أنّ كل شَبَهٍ رَجع إلى وصف أو صورة أو هيئةٍ من شأنها أن تُرَى وتُبصرَ أبدًا، فالتشبيه المعقود عليه نازل مُبتذَل، وما كان بالضدّ من هذا وفي الغاية القُصْوَى من مخالفته، فالتشبيه المردُود إليه غريبٌ نادرٌ بديع، ثم تتفاضل التشبيهات التي تجيء واسطةً لهذين الطَّرَفين، بحسن حالها منهما، فما كان منها إلى الطَّرَف الأول أقرب، فهو أدنى وأنزل، وما كان إلى الطَّرَف الثاني أذهب، فهو أعلى وأفضل بوصف الغريبِ أجدر.
[ ١٦٥ ]
واعلم أن قولنا التفصيلُ عبارةٌ جامعة، ومحصولها على الجملة أنَّ معك وصفين أو أوصافًا، فأنت تنظر فيها واحدًا واحدًا، وتَفْصِل بالتأمّل بعضها من بعض وأنّ بك في الجملة حاجةً إلى أن تنظُر في أكثر من شيء واحد، وأن تنظر في الشىء الواحد إلى أكثر من جهة واحدة. ثم إنه يقع في أَوْجُهٍ أحدها وهو الأَوْلَى والأحقّ بهذه العبارة أن تفصّل، بأن تأخذ بعضًا وتدع بعضًا، كما فعل في اللَّهب حين عزل الدخان عن السَّنا وجرَّده، وكما فعل الآخر حين فَصَل الحدق عن الجفون، وأثبتها مفردةً فيما شبّه، وذلك قوله:
لها حَدَقٌ لم تتَّصِلْ بجُفُونِ
ويقع في هذا الوجه من التفصيل لطائف، فمنها قول ابن المعتّز:
بطارح النظرة في كل أُفُقْ ذي مِنْسرٍ أَقْنَى إذا شَكَّ خَرَقْ
ومقْلَةٍ تَصْدُقُه إذا رَمَقْ كأنَّها نَرْجَسةٌ بِلاَ وَرَق
وقوله:
[ ١٦٦ ]
تكتُبُ فيه أيدي المِزاج لَنَا مِيماتِ سَطْرٍ بَغَيْر تَعرِيقِ
والثاني أن تُفصّل، بأنْ تنظر من المشبَّه في أمور لتعتبرها محلها، وتطلبها فيما تُشبّه به، وذلك كاعتبارك، في تشبيه الثريا بالعنقود، الأنجُمَ أنفسَها، والشكل منها واللون، وكونها مجتمعة على مقدارٍ في القرب والبعد، فقد نظرتَ في هذه الأمور واحدًا واحدًا، وجعلتها بتأمُّلك فصلًا فصلًا، ثم جمعتها في تشبيهك، وطلبتَ للهيئة الحاصلة من عِدّة أشخاصِ الأنجُمَ، والأوصاف التي ذكرتُ لك من الشك واللون والتقارب على وجه مخصوص هيئةً أخرى شبيهةً بها، فأصبتها في العنقود المنِّور من المُلاَّحية ولم يقع لك وَجه التشبيه بينهما إلا بأن فصّلت أيضًا أجزاء العنقود بالنظر، وعلمت أنها خُصَلٌ بيضٌ، وأن فيها شكل استدارةِ النجم، ثم الشكل إلى الصِغَر ما هو، كما أن شكْل أنْجُم الثريّا كذلك وأنَّ هذه الخُصَل لا هي مجتمعةٌ اجتماع النظام والتلاصقِ،
[ ١٦٧ ]
ولا هي شديدة الافتراق، بل لها مقادير في التقارب والتباعد في نسبة قريبة مما تجده في رأى العين بين تلك الأنجم، يدُلُّك على أن التشبيه موضوعٌ على مجموع هذه الأوصاف، أنّا لو فرضنا في تلك الكواكب أن تفترق وتتباعد تباعُدًا أكثر مما هي عليه الآن، أو قُدِّر في العنقود أن يَنْتَثِر، لم يكن التشبيه بحاله وكذلك الحكمُ في تشبيه الثريَّا باللِّجام المفضَّض، لأنك راعيت الهيئة الخاصة من وقوع تلك القِطَع والأطراف بين اتّصال وانفصال، وعلى الشكل الذي يُوجبه موضوع اللجام، ولو فرضتَ أن تُركِّب مثلًا على سنَنَ واحدٍ طولًا في سَيْرٍ واحدٍ مثلًا ويُلصَق بعضها ببعض، بَطَل التشبيه، وكذا قوله:
تَعَرُّضَ أثناءِ الوِشَاحِ المفصَّلِ
وقد اعتُبِرَ فيه هيئة التفصيل في الوِشاح، والشكل الذي يكون عليه الخَرَزُ المنظوم في الوِشاح، فصار اعتبار التفصيل أعجبَ تفصيل في التشبيه، والوجه الثالث أن تُفصِّل بأن تنظر إلى خاصّةٍ في بعض الجنس، كالتي تجدها في صوت البَازِي وعين الديك، فأنت تأبَى أن تمرّ على جملة أنّ هذا صوت وذاك حمرة، ولكن تفصّل فتقول فيهما ما ليس في كل صوت وكل حمرة،
[ ١٦٨ ]
واعلم أن هذه القسمة في التفصيل موضوعة على الأغلب الأعرف، وإلا فدقائقُه لا تكاد تُضبَط، ومما يكثر فيه التفصيل ويقوَى معناه فيه، ما كان من التشبيه مركَّبًا من شيئين أو أكثر، وهو ينقسم قسمين: أحدهما أن يكون شيئًا يُقدّره المشبِّه ويَضَعَه ولا يكون، ومثال ذلك تشبيه النرجس بمداهن دُرٍّ حشوهنَّ عقيق، وتشبيه الشَّقيق بأعلامِ ياقوت نُشِرت على رِماح من زَبَرْجَد، لأنك في هذا النحو تُحصّل الشبه بين شيئين تُقدّر اجتماعَهما على وجهٍ مخصوص وبشرطٍ معلومٍ، فقد حصَّلته في النرجس من شكل المدَاهن والعقيق، بشرط أن تكون الداهن من الدُرّ، وأن يكون العقيق في الحَشْوِ منها وكذلك اشترطت هيئة الأعلام، وأن تكون من الياقوت، وأن تكون منشورَةٌ على رماح من زبرجد فبك حاجةٌ في ذلك إلى مجموع أمورٍ، لو أخللت بواحدٍ منها لم يحصل الشَّبه، وكذلك لو خالفتَ الوجَه المخصوصَ في الاجتماع والاتصال بَطَل الغَرَض، فكما بك حاجة إلى أن يكون الشكلُ شَكْلَ المُدْهُنِ، وأن يكون من الدُّرّ وأن يكون معه العقيق، فبك أيضًا فَقْرٌ إلى أن يكون العقيقُ في حَشْوِ المداهن، وعلى هذا القياس،
[ ١٦٩ ]
والقسم الثاني أن تعتبر في التشبيه هيئةً تَحصُل من اقتران شيئين، وذلك الاقترانُ مما يُوجد ويكون، ومثاله قوله:
غَدَا والصبحُ تحتَ اللَّيل بادٍ كطِرْفٍ أشهبٍ مُلْقَى الجِلالِ
قَصَدَ الشبه الحاصل لك إذا نظرت إلى الصبح والليل جميعًا، وتأمّلتَ حالهما معًا، وأراد أن يأتي بنظير للهيئة المشاهَدة من مقارنة أحدهما الآخر، ولم يُرِدْ أن يشبّه الصبحَ على الانفراد والليل على الانفراد، كما لم يقصد الأول أن يشبّه الدارة البيضاء من النرجس بمُدْهُن الدُّر، ثم يستأنف تشبيهًا للثانية بالعقيق، بل أراد أن يشبّه الهيئة الحاصلة من مجموع الشكلين، من غير أن يكون بَيْنٌ في البَيْن، ثم إن هذا الاقتران الذي وُضع عليه التشبيه مما يوُجد ويُعْهَدُ، إذ ليس وجود الفَرَس الأشهب قد ألقَى الجُلَّ، من المُعْوِز فيقالَ إنه مقصورٌ على التقدير والوهم، فأما الأوّل فلا يتعدَّى التوهُم وتقديرَ أن يُصنَع ويُعْمَل، فليس في العادة أن تُتّخذ صورةٌ أعلاها ياقوت على مقدار العَلَم، وتحت ذلك الياقوت قِطَعٌ مطاوِلةٌ من الزبرجد كهيئة الأرماح والقامات وكذلك لا يكون ها هنا مُداهنُ تُصنَع من الدُرّ، ثم يوضع في أجوافها عقيق، وفي تشبيه الشَّقيق زيادة معنًى يُباعِد الصورة من الوجود، وهو شرطه أن تكون أعلامًا منشورةً، والنَّشر في الياقوت وهو حجرٌ، لا يُتَصَوَّر موجودًا، ويَنبغي أن تعلم أن الوجهَ في إلقاء الجُلّ، أن يريد أنه أداره عن ظهره،
[ ١٧٠ ]
وأزاله عن مكانه، حتى تكشَّف أكثرُ جسده، لا أنه رمى به جملةً حتى انفصل منه، لأنه إذا أراد ذلك، كان قد قصد إلى تشبيه الصُّبح وحده من غير أن يفكِّر في الليل، ولم يشاكل قوله في أول البيت " والصبح تحت الليل باد " ٍ، وأمّا قوله:
إذا تَفَرَّى البرقُ فيها خِلْتَهُ بَطْنَ شُجاعٍ فِي كَثيبٍ يَضطرِبْ
وتارةً تُبْصِرْهُ كأنَّهُ أبلقُ مالَ جُلُّهُ حِينَ وَثَبْ
فالأشبهُ فيه أن يكون القصدُ إلى تشبيه البرق وحده ببياض البَرق، دون أن يُدْخل لون الجّل في التشبيه، حتى كأنَّه يريد أن يُريَك بياضَ البرق في سواد الغَمَام، بل ينبغي أن يكون الغرضُ بذكر الجُلّ أن البرقَ يلمع بَغتةً، ويلوح للعين فجأةً، فصار لذلك كبياض الأبلق إذا ظَهر عند وثوبه ومَيْلِ جُلّه عنه، وقد قال ابن بابك في هذا المعنى:
لِلبَرْقِ فيها لَهَبٌ طَائشٌ كما يُعَرَّى الفرَسُ الأبلقُ
إلاّ أن لقولِ ابن المعتزّ " حِينَ وَثَبْ "، من الفائدة ما لا يخفى. وقد عُنَي المتقدِّمون أيضًا بمثل هذا الاحتياط، ألا تراه قال:
وتَرى البرقَ عارضًا مُسْتطيرًا مَرَحَ البُلْقِ جُلْنَ في الأجلال
[ ١٧١ ]
فجعلها تمرحُ وتجول، ليكون قد راعَى ما به يتمّ الشَّبه، وما هو مُعظَم الغَرَض من تشبيهه، وهو هيئة حركته وكيفية لَمْعه. ثم اعلم أن هذا القسم الثاني الذي يدخل في الوُجود يتفاوت حاله، فمنه ما يتسع وجوده، ومنه ما يوجد في النادر، ويَبِين ذلك بالمقابلة، فأنت إذا قابلتَ قولَه:
وكأن أجرامَ النجوم لوامعًا دُرَرٌ نُثرن على بساط أزرقِ
بقول ذي الرّمة: " كأنَّها فِضّةٌ قد مَسَّها ذَهَبُ ". علمت فضلَ الثاني على الأول في سعة الوجود، وتقدُّم الأول على الثاني في عِزَّته وقلّته، وكَوْنِه نادرَ الوجود، فإنَّ الناس يرون أبدًا في الصياغات فِضّةً قد أجري فيها ذهبُ وطُلِيت به، ولا يكاد يتفق أن يوجد درٌّ قد نُثر على بساط أزرق، وإذ قد عرفت انقسام المركّب من التشبيه إلى هذين القسمين، فاعتبر موضعَهما من العبرتين المذكورتين، فإنك تراهما بحسب
[ ١٧٢ ]
نسبتهما منهما، وتحقُّقهما بهما، قد أعطَتَاهما لُطْفَ الغَرابة، ونفضتا عليهما صِبْغ الحُسن، وكَستَاهما رَوْعةَ الإعجاب، فتجدُ المقدَّر الذي لا يباشرُ الوجود، نحو قوله:
أعلامُ ياقوتٍ نُشرْ نَ على رِمَاحٍ من زَبَرْجَدْ
وكقوله في النيلوفر:
كُلُّنا باسطُ اليدِ نحو نَيْلَوْفَرٍ نَدِي
كَدَبَابيس عَسْجَدٍ قُضْبُها من زَبَرْجَدِ
قد اجتمع فيه العبرتان جميعًا، وتجد العبرة الثانية قد أتت فيه على غاية القوة، لأنه لا مزيد في بُعد الشيء عن العيون على أن يكون وُجوده ممتنعًا أصلًا حتى لا يُتصوَّر إلا في الوهم، وإذا تركت هذا القسم ونظرْت إلى القسم الثاني الذي يدخل في الوجود نحو قوله:
دُرَرٌ نُثرن على بِسَاط أزرقِ
وجدت العبرة الثانية لا تقوى فيه تلك القوة، لأنه إذا كان مما يُعلَم أنه يوجد ويُعهَد بحالٍ وإن كان لا يتّسع بل يندُر ويِقلّ فقد دنا من الوقوع في الفكرِ والتعرُّض للذكرِ دُنوًّا لا يدنوه الأول الذي لا يُطمَع أن يدخل تحت الرؤية للزومه العدم، وامتناعه أن يجوز عليه إلاّ التوهُّمَ، ولا جَرَمَ، لمَّا كان الأمر
[ ١٧٣ ]
كذلك، كان للضرب الأول من الرَوعة والحُسن، لصاحبه من الفضل في قوة الذِّهن، ما لم يكن ذلك في الثاني، وقَوِيَ الحكُمُ بحسب قُوة العلة، وكَثُر الوصف الذي هو الغرابة، بحسب الجالب له، وفي هذا التقرير ما تعلم به الطريق إلى التشبيه من أين تَفَاوَتَ في كونه غَريبًا؟ وَلِمَ تَفَاضَلَ في مجيئه عجيبًا؟ وبأي سبب وجدتَ عند شيء منه من الهِزَّة ما لم تجده عند غيره علمًا يُخرجك عن نقيصة التَّقليد، ويرفعك عن طبقة المقتصر على الإشارة، دون البيان والإفصاح بالعبارة. واعلم أن العبرة الثانية التي هي مرور الشيء على العيون، هو معنى واحد لا يتكثَّر، ولكنه يقوى ويضعف كما مضى، وأما العبرة الأولى، وهي لتفصيل فإنها في حكم الشيء يتكثر وينضمُّ فيه الشيء إلى الشيء، ألا ترى أن أحد التفصيلين يفضُل الآخر بأن تكون قد نظرتَ في أحدهما إلى ثلاثة أشياء، أو ثلاث جهات، وفي الآخر إلى شيئين أو جهتين والمثال في ذلك قول بَشَّار:
كأنّ مُثَارَ النَّفْع فوق رؤوسِنَا وأسيافَنا لَيلٌ تَهَاوَى كواكبُهْ
مع قول المتنبي:
يزورُ الأعادي في سَماءِ عَجاجةٍ أسِنَّتُه في جانِبَيْهَا الكواكبُ
أو قول كُلثوم بن عمرو:
[ ١٧٤ ]
تَبْنِي سَنَابَكُها من فوق أرْؤُسِهم سَقْفًا كواكُبه البِيضُ المَبَاتيرُ
التفصيُل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحدٌ، لأن كل واحد منهم يُشبّه لمعان السيوف في الغُبار بالكواكب في الليل، إلاّ أنك تجد لبيت بشّار من الفَضل، ومن كَرَمْ الموقع ولُطْف التأثير في النفس، ما لا يَقِلُّ مقداره، ولا يمكن إنكاره، وذلك لأنه راعَى ما لم يُراعه غيره، وهو أنْ جعل الكواكب تهاوَى، فأتمَّ الشَّبه، وعبّر عن هيئة السيوف وقد سُلَّت من الأغماد وهي تعلو وترسُب، وتجيء وتذهب، ولم يقتصر على أن يُريك لَمَعانها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران، وكان لهذه الزيادة التي زداها حظٌّ من الدقة تجعلُها في حكم تفصيل بعد تفصيل، وذلك أنّا وإن قلنا إن هذه الزيادة وهي إفادة هيئة السيوف في حركاتها إنما أتت في جملةٍ لا تفصيلَ فيها، فإنّ حقيقةَ تلك الهيئة لا تقوم في النَّفْس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة، وذلك أن تعلم أنّ لها في حال احتدام الحرب، واختلاف الأيدي بها في الضرب، اضطرابًا شديدًا، وحركاتٍ بسرعة، ثم إن لتلك الحركات جهاتٍ مختلفة، وأحوالًا تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض، وأنّ السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل، ويقع بعضها في بعضٍ ويصدِم بعضها بعضًا، ثم أن أشكال السيوف مستطيلة، فقد نَظَم هذه الدَّقائق كلها في نفسه، ثم أحضرك صُوَرَها بلفظةٍ واحدة، ونبّه عليها بأحسن التنبيه وأكملِه بكلمة، وهي قوله: تَهَاوَى، لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها، وكان لها في تهاويها تواقُعٌ وتداخلٌ، ثم إنها
[ ١٧٥ ]
بالتهاوي تستطيل أشكالها، فأمّا إذا لم تَزُلْ عن أماكنها فهي على صورة الاستدارة. ويشبه هذا الموضعَ في زيادة أحد التشبيهين مع أن جنسهما جنس واحد، وتركيبهما على حقيقة واحدةٍ بأنّ في أحدهما فضلَ استقصاءٍ ليس في الآخر، قولُ ابن المعتزّ في الآذرْيُون:
وطافَ بها ساقٍ أديبٌ بمبزُل كخِنْجرِ عَيَّارٍ صِناعتُه الفَتْكُ
وحُمِّل آذَريونَةً فوق أُذْنِه ككأسِ عَقِيقٍ في قرارَتِها
[ ١٧٦ ]
مِسكُ
مع قوله:
مَداهِنٌ من ذَهبٍ فيها بقايَا غَاليَةْ
الأول ينقص عن الثاني شيئًا، وذلك أن السواد الذي في باطن الآذرْيونة الموضوع بإزاء الغالية والمسكِ، فيه أمران أحدهما أنه ليس بشاملٍ لها، والثاني أن هذا السواد ليس صورتُه صورةَ الدِّرهم في قعرها، أعني أنه لم يستِدرْ هناك، بل ارتفع من قَعْر الدائرة حتى أخذ شيئًا من سمكها من كُلّ الجهات، وله في مُنْقَطَعه هيئةٌ تشبه آثارَ الغالية في جوانب المُدْهُن، إذا كانت بقيّةً بقيت عن الأصابع، وقوله: في قرارتها مسكُ يُبيّن الأمرَ الأوّل، ويُؤْمِن من دخول النقص عليه، كما كان يدخل لو قال: ككأس عقيق فِيها مسك، ولم يشترط أن يكون في القَرارة. وأمَّا الثاني من الأمرين، فلا يدلُّ عليه كما يدلُّ قوله بقايا غالية، وذاك من شأن المِسْك والشيءِ اليابس إذا حصل في شيء مستدير له قَعْرٌ، أن يستدير في القعر ولا يرتفع في الجوانب الارتفاعَ الذي تراه في سواد الأذَرْيونة، وأما الغاليةُ فهي رَطْبةٌ، ثم هي تؤخذ بالأصابع، وإذا كان كذلك، فلا بُدَّ في البقيّة منها من أن تكون قد ارتفعت عن القَرَارة، وحصلت بصفة شبيهة بذلك السواد، ثم هي لنعومتها ترِقُّ فتكُون كالصِبغ الذي لا جِرْم له يملك المكان وذلك أصدقُ للشَّبَه. ومن أبلغِ الاستقصاء وعجيبه قولُ ابن المعتز:
كأنَّا وضَوْءُ الصُّبحِ يَسْتَعْجِلُ الدُّجَى نُطيرُ غُرابًا ذَا قَوادِمَ جُونِ
شبّه ظلامَ الليل حين يظهر فيه الصبح بأشْخَاص الغِربان، ثم شَرَط أن تكون قوادمُ ريشهًا بيضًا، لأن تلك الفِرَقَ من الظلمة تقع في حواشيها، من حيث تَلَى مُعظَمَ الصبح وعَمُوده لُمَعُ نُورٍ يُتَخَيَّل منها في العين كشكل قوادمَ إذاَ كانت بِيضًا، وتمامُ التدقيق والسِّحْر في هذا التشبيه في شيء آخر، وهو أن جعل ضوءَ الصبح، لقوّةِ ظهوره ودفعه لظلام الليل، كأنه يحفِز الدُجَى ويستعجلها
[ ١٧٧ ]
ولا يرضى منها بأن تَتَمهَّل في حركتها، ثم لما بدأ بذلك أوّلًا اعتبره في التشبيه آخِرًا فقال: نُطِيرُ غرابًا، ولم يقل: غراب يطير مثلًا، وذلك أن الغرابَ وكلَّ طائر إذا كان واقعًا هادئًا في مكان، فأُزْعِج وأُخِيفَ وأُطِير منه، أو كان قد حُبس في يدٍ أو قَفَصٍ فأُرسل، كان ذلك لا محالةَ أسرعَ لطيرانه وأعجلَ وأمدَّ له وأبعدَ لأمَدِهِ، فإنَّ تلك الفَزْعةَ التي تعرِضُ له من تنفيره، أو الفرحة التي تُدركه وتَحْدُثُ فيه من خَلاصه وانفلاته، ربما دعته إلى أن يستمرّ حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى حيث لا تراه العيون، وليس كذلك إذا طار عن اختيار، لأنه يجوز حينئذ أن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأوّل، وأن لا يُسْرِع في طيرانه، بل يمضي على هِينَتِه ويتحرّك حركةَ غيرِ المستعجلِ فاعرفه. ومما حقُّه أنْ يكون على فَرْط الاستقصاء في التشبيه وفضل العناية بتأكيد ما بُدئ به، قولُ أبي نواس في صِفة البازي:
كأنّ عَيْنَيه إذَا مَا أتْأرَا فَصَّانِ قِيَضَا من عَقِيقٍ أَحْمَرَا
في هَامةٍ غَلْبَاءَ تَهْدِي مِنْسَرَا كَعَطْفةِ الجِيم بِكَفِّ أَعْسَرَا
أراد أن يشبّه المِنقار بالجيم، والجيمُ خطَّان الأول الذي هو مبدأُه وهو الأعلى، والثاني وهو الذي يذهب إلى اليسار، وإذا لم توصل فلها تعريقٌ كما لا يخفى، والمنقار إنّما يُشبه الخطَّ الأعلى فقط، فلما كان كذلك قال:
[ ١٧٨ ]
كَعَطْفة الجيم ولم يقل كالجيم، ثم دَقَّق بأن جعلها بكف أعسر، لأن جيمَ الأعسر قالوا أشبهُ بالمنقار من جيم الأيمن، ثم إنه أراد أن يؤكّد أنّ الشبهَ مقصورٌ على الخط الأعلى من شكل الجيم فقال:
يقولُ مَنْ فِيها بعَقْلٍ فكَّرا ولو زَادها عَينًا إلى فاءٍ وَرَا
فَاتَّصَلتْ بالجيم صَارت جَعْفَرَا، فأراك عيانًا أنه عَمَد في التشبيه إلى الخط الأول من الجيم دون تعريقها، ودون الخط الأسفل، أما أمر التعريق وإخراجُه من التشبيه فواضحٌ، لأن الوصل يسقط التعريق أصلًا، وأما الخط الثاني فهو،، وإن كان لا بد منه مع الوصل، فإنه إذْ قال لو زادها عينًا إلى فَاءَ ورَا ثم قال فاتصلت بالجيم، فقد بيَّن أن هذا الخط الثاني خارجٌ أيضًا من قصده في التشبيه، من حيث كانت زيادةُ هذه الحروف ووصلُها هي السببَ في حدوثه، وينبغي أن يكون قوله بالجيم، يعني بالعطفة المذكورة من الجيم، ولأجل هذه الدقة قال يقول مَنْ فيها بعقل فكَّرَا، فمهّد لما أراد أن يقول، ونبّه على أنّ بالمشبِّه حاجةً إلى فضل فكرٍ، وأن يكون فكره فكرَ من يراجع عَقْله ويستعينه على تمام البيان، وجملة القول أنك متى زدت في التشبيه على مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة، فقد خلت في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفاضُل، ثم تختلف المنازل في الفضل، بحسب الصُّورة في استنفادِكَ قوَّة الاستقصاء، أو رِضاك بالعَفْو دون الجَهْدِ.
[ ١٧٩ ]