اعلم أن الاستعارة كما علمت تعتمد التشبيه أبدا، وقد قلت: إنّ طرقه تختلف، ووعدتك الكلام فيه، وهذا الفصل
يعطي بعض القول في ذلك بإذن الله تعالى، وأنا أريد أن أدرّجها من الضّعف إلى القوة، وأبدأ في تنزيلها بالأدنى، ثم بما يزيد في الارتفاع، لأن التقسيم إذا أريغ في خارج من الأصل، فالواجب أن يبدأ بما كان أقلّ خروجا منه، وأدنى مدى في مفارقته.
وإذا كان الأمر كذلك، فالذي يستحقّ بحكم هذه الجملة أن يكون أوّلا من ضروب الاستعارة، أن يرى معنى الكلمة المستعارة موجودا في المستعار له من حيث عموم جنسه على الحقيقة، إلا أنّ لذلك الجنس خصائص ومراتب في الفضيلة والنقص والقوّة والضعف، فأنت تستعير لفظ الأفضل لما هو دونه.
ومثاله استعارة «الطيران» لغير ذي الجناح، إذا أردت السرعة، و«انقضاض الكواكب» للفرس إذا أسرع في حركته من علوّ، و«السباحة» له إذا عدا عدوا كان حاله فيه شبيها بحالة السابح في الماء. ومعلوم أن الطيران والانقضاض والسباحة والعدو كلها جنس واحد من حيث الحركة على الإطلاق، إلا أنهم نظروا إلى خصائص الأجسام في حركتها، فأفردوا حركة كل نوع منها باسم، ثم إنهم إذا وجدوا في الشيء في بعض الأحوال شبها من حركة غير جنسه، استعاروا له العبارة من ذلك الجنس، فقالوا في غير ذي الجناح «طار» كقوله: [من الوافر] وطرت بمنصلي في يعملات (٢)
_________________
(١) البيت للقطامي في ديوانه، وفي الكامل للمبرد ١/ ٨٢، ٨٣. الزّرّاد: من الزردة وهي حلقة الدرع، والسّرد ثقبها والجمع: زرود. والزراد: صانعيها، وقيل الزاي في ذلك كله بدل من السين في السّرد والسّرّاد، والزّرد مثل السّرد وهو تداخل حلق الدرع بعضها في بعض. لسان العرب- مادة: زرد.
(٢) الشطر لمضرس بن ربعي في شرح أبيات سيبويه ١/ ٦٢، وشرح شواهد الشافية: ص ٤٨١، ولسان العرب ١٣/ ٨١ (ثمن)، ١٥/ ٤٢٠ (يدي)، وله أو ليزيد بن الطثريّة في شرح شواهد المغني: ص ٥٩٨، ولسان العرب ٥/ ٣٢٠ (جزز)، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٩١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر: ٢/ ٦٠، والإنصاف ٢/ ٥٤٥، وجمهرة اللغة ص ٥١٢، وخزانة الأدب ١/ ٢٤٢، والخصائص ٢/ ٢٦٩، وسر صناعة الإعراب ص ٥١٩، ٧٧٢، والكتاب ١/ ٢٧، ٤/ ١٩٠، ولسان العرب ٧/ ٢٨١ (ضبط)، ومغني اللبيب ١/ ٢٢٥، والمنصف ٢/ ٧٣، وتمامه وبيت قبله:
[ ٤٧ ]
وكما جاء في الخبر: «كلّما سمع هيعة طار إليها» (١)، وكما قال: [من الرمل]
لو يشا طار به ذو ميعة لاحق الآطال نهد ذو خصل (٢)
ومن ذلك أن «فاض» موضوع لحركة الماء على وجه مخصوص، وذلك أن يفارق مكانه دفعة فينبسط، ثم إنه
استعير للفجر، كقوله: [من الكامل] كالفجر فاض على نجوم الغيهب (٣) لأن للفجر انبساطا وحالة شبيهة بانبساط الماء وحركته في فيضه.
فأما استعارة «فاض» بمعنى الجود، فنوع آخر غير ما هو المقصود هاهنا، لأن القصد الآن إلى المستعار الذي توجد حقيقة معناه من حيث الجنس في المستعار له.
وكذلك قول أبي تمام: [من الطويل]
وقد نثرتهم روعة ثمّ أحدقوا به مثلما ألّفت عقدا منظّما (٤)
_________________
(١) وضيف جاءنا والليل داج وريح القرّ تحفز منه روحا فطرت بمنصلى في يعملات ووامى الأيد يخبطن السّريحا يقول: غشيهم الضيف، وبرد الشتاء تدفع روحه للخروج لضعفه. فأسرع لسيفه إلى نوق يعقرها ليقريه. والمنصل، بضم الميم والصاد، والمنصل: السيف اسم له. قال ابن سيدة: لا نعرف في الكلام اسما على مفعل ومفعل إلا هذا. اليعملات: جمع يعملة، واليعملة من الإبل: النجيبة المعتملة المطبوعة على العمل ولا يقال ذلك إلا للأنثى. هذا قول أهل اللغة وقد حكى أبو عليّ يعمل ويعملة. السريح: جمع سريحة: وكل قطعة من خرقة متمزقة أو دم سائل مستطيل يابس، فهو وما أشبهه سريحة، وتجمع أيضا على سرائح، والسريحة: الطريقة من الدم إذا كانت مستطيلة. لسان العرب: نصل- عمل- سرح.
(٢) جزء من حديث رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه كلّما سمع هيعة، أو فزعة طار على متنه، يبتغي القتل أو الموت مظانّه » الحديث رواه مسلم (١٨٨٩)، ومظانّه: أي في المكان الذي يظن وجوده فيه.
(٣) البيت لامرأة من بني الحارث بن كعب ترثي بعض من يخصها، في شرح الحماسة ٣/ ٧٣، والخزانة ١١/ ٢٩٨ - ٣٠٣، وهو من ثلاثة أبيات هو ثانيها، وأوله: فارس ما غادروه ملحما غير زميل ولا نكس وكل الميعة: أول جري الفرس وأنشطه. النهد: فرس نهد: جسيم، مشرف، تقول منه: نهد الفرس، بالضم، نهودة، وقيل: كثير اللحم حسن الجسم. الخصل: جمع خصلة: الشعر المجتمع. الليث: الخصلة بالضم: لفيفة من الشعر. لسان العرب: ميع، نهد، خصل.
(٤) البيت للبحتري في ديوانه وصدره: يتراكمون على الأسنة في الوغى
(٥) البيت في ديوانه.
[ ٤٨ ]
وقول المتنبي: [من الطويل]
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة كما نثرت فوق العروس الدّراهم (١)
استعارة، لأن «النثر» في الأصل للأجسام الصغار، كالدراهم والدنانير والجواهر والحبوب ونحوها، لأن لها هيئة مخصوصة في التفرق لا تأتي في الأجسام الكبار، ولأن القصد «بالنثر» أن تجمع أشياء في كفّ أو وعاء، ثم يقع فعل تتفرّق معه دفعة واحدة، والأجسام الكبار لا يكون فيها ذلك، لكنه لمّا اتّفق في الحرب تساقط المنهزمين على غير ترتيب ونظام، كما يكون في الشيء المنثور، عبّر عنه بالنثر، ونسب ذلك الفعل إلى الممدوح، إذ كان هو سبب ذلك الانتثار، فالتفرّق الذي هو حقيقة «النثر» من حيث جنس المعنى وعمومه، موجود في المستعار له بلا شبهة.
ويبيّنه أن «النّظم» في الأصل لجمع الجواهر وما كان مثلها في السلوك، ثم لمّا حصل في الشّخصين من الرجال أن يجمعهما الحاذق المبدع في الطعن في رمح واحد ذلك الضرب من الجمع، عبّر عنه «بالنّظم»، كقولهم: «انتظمها برمحه»، وكقوله: [من الكامل] قالوا: وينظم فارسين بطعنة (٢) وكان ذلك استعارة، لأن اللفظة وقعت في الأصل لما يجمع في السّلوك من الحبوب والأجسام الصغار، إذ كانت تلك الهيئة في الجمع تخصّها في الغالب، وكان حصولها في أشخاص الرجال من النادر الذي لا يكاد يقع، وإلا فلو فرضنا أن يكثر وجوده في الأشخاص الكبيرة، لكان لفظ «النظم» أصلا وحقيقة فيها، كما يكون حقيقة في نحو الحبوب، وهذا النحو لشدة الشّبه فيه، يكاد يلحق بالحقيقة.
ومن هذا الحدّ قوله: [من الطويل]
_________________
(١) البيت في ديوانه. الأحيدب: جبل، والنثر: التفريق، يقول: فرقتهم على هذا الجبل مقتولين، ونثرتهم نثر الدراهم على العروس، فتفرقت مصارعهم على هذا الجبل، كما تتفرق مواقع الدراهم إذا انتثرت، وهذا من محاسن أبي الطيب، وقد أشار بهذا إلى أن سيف الدولة تحكّم في الروم قتلا وأسرا ونثر جيشهم فوق هذا الجبل نثرا. التبيان ٢/ ٣٠١.
(٢) الشعر لبكر بن النطاح في أبي دلف العجلي، وهو في قصة ذكرها صاحب الأغاني ١٩/ ١٠٩، وتمامه: قالوا: وينظم فارسين بطعنة يوم اللقاء ولا يراه جليلا لا تعجبوا فلو أن طول قناته ميل، إذا نظم الفوارس ميلا
[ ٤٩ ]
وفي يدك السّيف الّذي امتنعت به صفاة الهدى من أن ترقّ فتخرقا (١)
وذلك أن أصل «الخرق» أن يكون في الثوب، وهو في الصفاة استعارة، لأنه لمّا قال «ترقّ»، قربت حالها من حال الثوب، وعلى ذلك فإنّا نعلم أن «الشق» و«الصدع» حقيقة في الصّفاة، ونعلم أن «الخرق» يجامعهما في الجنس، لأن الكلّ تفريق وقطع.
ولو لم يكن «الخرق» و«الشق» واحدا، لما قلت: «شققت الثوب»، و«الشقّ عيب في الثوب»، و«تشقّق الثوب» قول من لا يستعير.
ولكن لو قلت: «خرق الحشمة»، لم يكن من الحقيقة في شيء، وكان خارجا من هذا الفن الذي نحن فيه، لأنه ليس هناك شق. ولو جاء «شقّ الحشمة» أو «صدع» مثلا، كان كذلك أعني لا يكون له أصل في الحقيقة ولا شبه بها.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ: ١٩] يعدّ استعارة من حيث إن «التمزيق» للثوب في أصل اللغة، إلا أنه على ذاك راجع إلى الحقيقة، من حيث إنه تفريق على كل حال، وليس بجنس غيره، إلّا أنهم خصّوا ما كان مثل الثوب بالتمزيق، كما خصّوه بالخرق، وإلا فأنت تعلم أن تمزيق الثوب تفريق بعضه من بعض.
ومثله أن «القطع» إذا أطلق، فهو لإزالة الاتصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها. وإذا جاء في تفريق الجماعة وإبعاد بعضهم عن بعض، كقوله تعالى:
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا [الأعراف: ١٦٨]، كان شبه الاستعارة، وإن كان المعنى في الموضعين على إزالة الاجتماع ونفيه.
فإن قلت: «قطع عليه كلامه»، أو قلت: «نقطع الوقت بكذا»، كان نوعا آخر.
ومن الاستعارة القريبة في الحقيقة قولهم: «أثرى فلان من المجد»، و«أفلس من المروءة»، وكقوله: [من الكامل]
إن كان أغناها السلوّ، فإنّني أمسيت من كبدي ومنها معدما (٢)
_________________
(١) البيت للبحتري في ديوانه.
(٢) البيت للمتنبي في ديوانه. السلو: البغض والسآمة، والمعدم: الفقير، وروى ابن جني مصرما وهو بمعنى واحد، والمصرم والمعدم والممحق والمبلط والمعسر والمقتر والمفلس الذي لا مال له ولا شيء له، ومن كلام العرب: كلأ ييجع له كبد المصرم، وهو الذي لا مال له، فيرعاه فأوجعته كبده. ومعنى البيت: إن كان السلو تركها غنية عن وصالي ولا تحتاج إلى وصلي فأنا محتاج إليها، قد عدمتها وعدمت كبدي، يريد أنها غنية عني وأنا فقير إليها. التبيان ٢/ ٣٢٩.
[ ٥٠ ]
وذلك أن حقيقة «الإثراء من الشيء»، كثرته عندك. ووصف الرجل بأنه كثير المجد أو قليل المروءة، كوصفه بأنه كثير العلم أو قليل المعرفة، في كونه حقيقة.
وكذلك إذا قلت: «أثرى من الشوق» أو «الحزن» كما قال: [من الخفيف]
وفي الرّكب خريب من الغرام ومثري (١)
فهو كقولك: «كثر شوقه وحزنه وغرامه»، وإذا كان كذلك، فهو في أنه نقل إلى شيء جنسه جنس الذي هو حقيقة فيه، بمنزلة «طار»، أو أظهر أمرا منه، وكذا معنى «أعدم من المال»، أنه خلا منه، وأن المال يزول عنه فإذا أخبر أن كبده قد ذهبت عنه، فهو في حقيقة من ذهب ماله وعدمه. والعدم في المال وفي غير المال بمنزلة واحدة لا تتغيّر له فائدة، و«المعدم» موضوع لمن عدم ما يحتاج إليه، فالكبد مما يحتاج إليه، وكذلك المحبوبة، فإنما تقع هذه العبارة في نفسك موقع الغريب من حيث أن العرف جرى في «الإعدام» بأن يطلق على من عدم ما جنسه جنس المال، ويؤنّسك بما قلت، أنك لو قلت: «عدم كبده»، لم يكن مجازا، ولم تجد بينه وبين «خلا من كبده» و«زالت عنه كبده» كبير فرق. ألا تراك تقول: «الفرس عادم للطّحال» تريد: ليس له طحال، وهذا كلام لا استعارة فيه، كما أنك لو قلت:
«الطحال معدوم في الفرس» كان كذلك.
ومن اللائق بهذا الباب البيّن أمره، ما أنشده أبو العباس في الكامل من قول الشاعر: [من البسيط]
لم تلق قوما هم شرّ لإخوتهم منّا عشيّة يجري بالدّم الوادي
تقريهم لهذميّات نقدّ بها ما كان خاط عليهم كلّ زرّاد (٢)
_________________
(١) البيت للبحتري في ديوانه، وهو من المجتث. وفي نسخة محمود شاكر: قد وقفنا على الديار وفي الرك ب حريب من الغرام ومثري والبيت بهذا الشكل من الخفيف. الحريب: من حربه يحربه: إذا أخذ ماله، وحريبته: ماله الذي سلبه لا يسمى بذلك إلا بعد ما يسلبه، والحريب الذي سلب حريبته. لسان العرب، مادة: حرب.
(٢) البيتان هما للقطامي في ديوانه. اللهذميات: جمع لهذم: سيف لهذم حاد، وكذلك السّنان والناب ولهذم الشيء: قطعه، الليث: اللهذم: كل شيء من سنان أو سيف قاطع. لسان العرب، مادة: لهذم.
[ ٥١ ]
قال: لأن «الخياطة»، تضمّ خرق القميص والسّرد يضمّ حلق الدرع». أفلا تراه بيّن أن جنسهما واحد، وأن كلّا منهما ضمّ ووصل وإنما يقع الفرق من حيث أن «الخياطة» ضمّ أطراف الخرق بخيط يسلك فيها على الوجه المعلوم، و«الزّرد» ضمّ حلق الدرع بمداخلة توجد بينها، إلّا أن الشّكال الذي يلزم أحد طرفي الحلقة الآخر بدخوله في ثقبتيهما، في صورة الخيط الذي يذهب في منافذ الإبرة.
واستقصاء القول في هذا الضرب، والبحث عن أسراره، لا يمكن إلا بعد أن تقرّر الضروب المخالفة له من الاستعارة، فأقتصر منه على القدر المذكور، وأعود إلى القسمة.
ضرب ثان يشبه هذا الضرب الذي مضى، وإن لم يكن إياه، وذلك أن يكون الشبه مأخوذا من صفة هي موجودة في كل واحد من المستعار له والمستعار منه على الحقيقة. وذلك قولك: «رأيت شمسا»، تريد إنسانا يتهلّل وجهه كالشمس. فهذا له شبه باستعارة «طار» لغير ذي الجناح وذلك أن الشبه مراعى في التلألؤ، وهو كما تعلم موجود في نفس الإنسان المتهلل، لأنّ رونق الوجه الحسن من حيث حسن البصر، مجانس لضوء الأجسام النيّرة. وكذلك إذا قلت: «رأيت أسدا» تريد رجلا، فالوصف الجامع بينهما هو الشجاعة، وهي على حقيقتها موجودة في الإنسان، وإنما يقع الفرق بينه وبين السّبع الذي استعرت اسمه له فيها، من جهة القوّة والضعف والزيادة والنقصان، وربما ادّعي لبعض الكماة والبهم مساواة الأسد في حقيقة الشجاعة التي عمود صورتها انتفاء المخافة عن القلب حتى لا تخامره، وتفرّق خواطره وتحلّل عزيمته في الإقدام على الذي يباطشه ويريد قهره، وربما كفّ الشّجاع عن الإقدام على العدوّ لا لخوف يملك قلبه ويسلبه قواه، ولكن كما يكفّ المنهيّ عن الفعل، لا تخونه في تعاطيه قوّة. وذلك أن العاقل من حيث الشرع منهيّ عن أن يهلك نفسه، أترى أنّ البطل الكميّ إذا عدم سلاحا يقاتل به، فلم ينهض إلى العدوّ، كان فاقدا شجاعته وبأسه، ومتبرّئا من النّجدة التي يعرف بها.
ثم إن الفرق بين هذا الضرب وبين الأول أن الاشتراك هاهنا في صفة توجد في جنسين مختلفين، مثل أنّ جنس الإنسان غير جنس الشمس، وكذلك جنسه غير جنس الأسد، وليس كذلك «الطيران» و«جري الفرس»، فإنهما جنس واحد بلا شبهة،
[ ٥٢ ]
وكلاهما مرور وقطع للمسافة. وإنما يقع الاختلاف بالسرعة، وحقيقة «السرعة» قلّة تخلّل السكون للحركات، وذلك لا يوجب اختلافا في الجنس (١).
فإن قلت: فإذن لا فرق بين استعارة «طار» للفرس وبين استعارة «الشفة» للفرس، فهلّا عددت هذا في القسم اللّفظيّ غير المفيد؟ ثم إنك إن اعتذرت بأنّ في «طار» خصوص وصف ليس في «عدا» و«جرى»، فكذلك في «الشفة» خصوص وصف ليس في «الجحفلة».
فالجواب: أنّي لم أعدّه في ذلك القسم، لأجل أنّ خصوص الوصف الكائن في «طار» مراعى في استعارته للفرس، ألا تراك لا تقوله في كل حال، بل في حال مخصوصة وكذا «السباحة»، لأنك لا تستعيرها للفرس في كل أحوال حربه. نعم، وتأبى أن تعطيها كلّ فرس، فالقطوف (٢) البليد لا يوصف بأنه سابح.
وأما استعارة اسم لعضو نحو «الشفة» و«الأنف» فلم يراع فيه خصوص الوصف. ألا ترى أن العجّاج لم يرد بقوله: «ومرسنا مسرّجا»، أن يشبّه أنف المرأة بأنف نوع من الحيوان، لأن هذا العضو من غير الإنسان لا يوصف بالحسن، كما يكون ذلك في العين والجيد. وهكذا استعارة «الفرسن» للشاة في قول عائشة ﵂: «ولو فرسن شاة» (٣)، وهو للبعير في الأصل ليس لأن يشبّه هذا العضو من
_________________
(١) تقدم أن من ذلك النوع المستعار لحركة الفرس مستعارا من انقضاض الكواكب والظاهر أن الجنس مختلف هنا والجواب أن الكلام في اختلاف المستعار والمستعار له من حيث وجه الشبه فاختلاف الجنس واقع في وجه الشبه أيضا فإن تلألؤ الشمس غير تلألؤ الوجه في الجنس، وشجاعة الأسد ليست مثل شجاعة الإنسان فإن شجاعة الإنسان يدخل فيها العقل بخلاف شجاعة الأسد وأما الحركات التي ذكرها فإنها جنس واحد والخلاف في عرض وهو السرعة والجواب الأفضل أن الضرب الأول يكون فيه المستعار له على قرب من الشبه في مفهوم المستعار منه لولا غلبة التفرق بالتخصيص وأما في الضرب الثاني فذلك القرب في وجه الشبه أتم فشجاعة البطل تدخل في حد شجاعة الأسد لكن المستعار له لا يمكن أن يدخل في جنس المستعار منه على وجه الحقيقة بحال، فلا يدخل الرجل في الأسد ولا في الشمس إلخ. هذا الذي يظهر من عبارة المصنف اه (رشيد).
(٢) القطوف: سيّئ السير بطيئه.
(٣) الحديث متفق عليه رواه البخاري ٥/ ١٤٤، ١٤٥، ومسلم في ١٠٣٠، والمراد: أي: «لا تمتنع جارة من الصدقة والهدية لجارتها لاستقلالها واحتقارها الموجود عندها؛ بل تجود بما تيسر؛ وإن كان قليلا كفرسن الشاة (وهو خف البعير، ويستعار لظلف الشاة كما في الحديث) فهذا خير من عدمه، قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ بتصرف من شرح رياض الصالحين لابن علان ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
[ ٥٣ ]
الشاة به من البعير، كيف ولا شبه هناك، وليس إذن في مجيء «الفرسن» بدل «الظلف» أمر أكثر من العضو نفسه.
ضرب ثالث، وهو الصّميم الخالص من «الاستعارة». وحدّه أن يكون الشبه مأخوذا من الصّور العقلية، وذلك كاستعارة «النّور» للبيان والحجة الكاشفة عن الحق، المزيلة للشكّ النافية للرّيب، كما جاء في التّنزيل من نحو قوله
﷿:
وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ [الأعراف: ١٥٧] وكاستعارة «الصراط» للدّين في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٥]، ووَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]، فإنك لا تشكّ في أنه ليس بين «النور» والحجة ما بين «طيران الطائر» و«جرى الفرس» من الاشتراك في عموم الجنس، لأن «النور» صفة من صفات الأجسام محسوسة، والحجة كلام وكذا ليس بينهما ما بين «الرجل» و«الأسد» من الاشتراك في طبيعة معلومة تكون في الحيوان كالشجاعة. فليس الشبه الحاصل من «النور» في البيان والحجة ونحوهما، إلّا أنّ القلب إذا وردت عليه الحجّة صار في حالة شبيهة بحال البصر إذا صادف النور، ووجّهت طلائعه نحوه، وجال في معارفه (١) وانتشر، وانبثّ في المسافة التي يسافر طرف الإنسان فيها. وهذا كما تعلم شبه لست تحصل منه على جنس ولا على طبيعة وغريزة، ولا على هيئة وصورة تدخل في الخلقة، وإنما هو صورة عقلية.
واعلم أن هذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ عندها الاستعارة غاية شرفها، ويتسع لها كيف شاءت المجال في تفنّنها وتصرّفها، وهاهنا تخلص لطيفة روحانية، فلا يبصرها إلا ذوو الأذهان الصافية، والعقول النافذة، والطباع السليمة، والنفوس المستعدّة لأن تعي الحكمة، وتعرف فصل الخطاب.
ولها هاهنا أساليب كثيرة، ومسالك دقيقة مختلفة، والقول الذي يجري مجرى القانون والقسمة يغمض فيها، إلا أنّ ما يجب أن تعلم في معنى التقسيم لها أنها على أصول:
أحدها: أن يؤخذ الشّبه من الأشياء المشاهدة والمدركة بالحواسّ على الجملة للمعاني المعقولة.
_________________
(١) معارف الإنسان ما يعرف به ويتميز به من غيره في شكل وجهه. وكتب شيخنا في نسخة الدرس هنا ما نصه: المعارف من الضياء ما يظهر فيه وأصلها ما يظهر من المرأة والوجوه والمعروفون (كذا) من الناس. وقد يعود الضمير في معارفه على البصر أي: جال في الأشياء التي يعرفها البصر ويفسره قوله: وانبث في المسافة إلخ. أو معارف البصر ما يعرف منه كالمقلة اه. (رشيد).
[ ٥٤ ]
والثاني: أن يؤخذ الشبه من الأشياء المحسوسة لمثلها، إلا أن الشّبه مع ذلك عقليّ.
والأصل الثالث: أن يؤخذ الشّبه من المعقول للمعقول.
فمثال ما جرى على (الأصل الأول) ما ذكرت لك من استعارة «النور» للبيان والحجّة، فهذا شبه أخذ من محسوس لمعقول، ألا ترى أن «النور» مشاهد محسوس بالبصر، والبيان والحجّة مما يؤدّيه إليك العقل من غير واسطة من
العين أو غيرها من الحواس. وذلك أن الشّبه ينصرف إلى المفهوم من الحروف والأصوات، ومدلول الألفاظ هو الذي ينوّر القلب لا الألفاظ. هذا و«النور» يستعار للعلم نفسه أيضا والإيمان، وكذلك حكم «الظلمة»، إذا استعيرت للشّبهة والجهل والكفر، لأنه لا شبهة في أن الشّبه والشكوك من المعقول، ووجه التشبيه أن القلب يحصل بالشبهة والجهل، في صفة البصر إذا قيّده دجى الليل فلم يجد منصرفا وإن استعيرت للضلالة والكفر، فلأنّ صاحبهما كمن يسعى في الظلمة فيذهب في غير الطريق، وربما دفع إلى هلك وتردّى في أهويّة.
ومن ذلك استعارة «القسطاس» للعدل ونحو ذلك من المعاني المعقولة التي تعطى غيرها صفة الاستقامة والسّداد، كما استعاره الجاحظ في فصل يذكر فيه علم الكلام، فقال: «هو العيار على كل صناعة»، والزّمام على كل عبارة، والقسطاس الذي به يستبان كل شيء ورجحانه والراووق الذي به يعرف صفاء كل شيء وكدره».
وهكذا إذا قيل في النّحو: «إنه ميزان الكلام ومعياره»، فهو أخذ شبه من شيء هو جسم يحسّ ويشاهد، لمعنى يعلم ويعقل ولا يدخل في الحاسّة، وذلك أظهر وأبين من أن يحتاج فيه إلى فضل بيان.
وأما تفنّنه وسعته وتصرّفه من مرضيّ ومسخوط، ومقبول ومرذول، فحقّ الكلام فيه بعد أن يقع الفراغ من تقرير الأصول.
ومثال (الأصل الثاني)، وهو أخذ الشّبه من المحسوس للمحسوس، ثم الشبه عقليّ، قول النبيّ ﷺ: «إياكم وخضراء الدّمن» (١)، الشبه مأخوذ للمرأة من النبات
_________________
(١) تتمة الحديث: قيل وما ذاك قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء» شبه المرأة بما ينبت في الدمن من الكلأ يكون له غضارة وهو ربئ المرعى منتن الأصل قال زفر بن الحارث: وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا والدمنة: الموضع الذي فيه السرقين (الزبل) وكذلك هو ما اختلط من الماء والطين عند الحوض (رشيد). قلت: ولكن الحديث لا تصح نسبته للنبي ﷺ (عبد الحميد).
[ ٥٥ ]
كما لا يخفى وكلاهما جسم، إلا أنه لم يقصد بالتشبيه لون النبات وخضرته، ولا طعمه ولا رائحته، ولا شكله وصورته ولا ما شاكل ذلك ولا ما يسمّى طبعا كالحرارة والبرودة المنسوبتين في العادة إلى العقاقير وغيرها مما يسخّن بدن الحيوان ويبرد بحصوله فيها، ولا شيء من هذا الباب بل القصد شبه عقليّ بين المرأة الحسناء في
المنبت السوء، وبين تلك النابتة على الدّمنة، وهو حسن الظاهر في رأى العين مع فساد الباطن، وطيب الفرع مع خبث الأصل.
وكما أنهم إذا قالوا:
هو عسل إذا ياسرته وإن عاسرته فهو صاب» (١)
كما قال: [من الرمل]
عسل الأخلاق ما ياسرته فإذا عاسرت ذقت السّلعا (٢)
فالتشبيه عقليّ، إذ ليس الغرض الحلاوة والمرارة اللتين تصفهما لك المذاقة ويحسّهما الفم واللسان، وإنما المعنى أنك تجد منه في حالة الرّضى والموافقة ما يملؤك سرورا وبهجة، حسب ما يجد ذائق العسل من لذّة الحلاوة ويهجم عليك في حالة السّخط والإباء ما يشدّد كراهتك ويكسبك كربا، ويجعلك في حال من يذوق المرّ الشديد المرارة. وهذا أظهر من أن يخفى.
ومن هذا الأصل استعارة «الشمس» للرجل تصفه بالنباهة والرّفعة والشّرف والشهرة وما شاكل ذلك من الأوصاف العقلية المحضة التي لا تلابسها إلّا بغريزة العقل، ولا تعقلها إلا بنظر القلب.
ويظهر من هاهنا (أصل آخر) وهو أنّ اللفظة الواحدة تستعار على طريقين مختلفين، ويذهب بها في القياس والتشبيه مذهبين، أحدهما يفضي إلى ما تناله العيون، والآخر يومئ إلى ما تمثّله الظنون.
_________________
(١) الصاب: هو عصارة شجر مر، وقيل: هو شجر إذا اعتصر خرج منه كهيئة اللبن، وربما نزت منه نزيّة، أي: قطرة، فنقع في العين كأنها شهاب نار، وربما أضعف البصر، قال أبو ذؤيب الهذلي: إني أرقت فبتّ الليل مشتجرا كأن عيني فيها الصّاب مذبوح وقيل: الصاب شجر مر، واحدته صابة، وقيل: هو عصارة الصبر. لسان العرب، مادة: صوب.
(٢) البيت لا نعرف قائله. السّلع: شجر مثل السّنعبق إلا أنه يرتقي حبالا خضرا لا ورق لها، ولكن لها قضبان تلتف على الغصون وتتشبك، وله ثمر مثل عناقيد العنب صغار، فإذا أينع اسود فتأكله القرود فقط. لسان العرب، مادة: سلع.
[ ٥٦ ]
ومثال ذلك قولك: «نجوم الهدى»، تعني أصحاب الرسول ﷺ ورضي عنهم، فإنه استعارة توجب شبها عقليّا، لأن المعنى أنّ الخلق بعد رسول الله ﷺ اهتدوا بهم في الدين كما يهتدي السارون بالنجوم، وهذا الشبه باق لهم إلى يوم القيامة، فبالرجوع إلى علومهم وآثارهم وفعالهم وهديهم تنال النجاة من
الضلالة، ومن لم يطلب الهدى من جهتهم فقد حرم الهدى ووقع في الضلال، كما أنّ من لم ينظر إلى النجوم في ظلام اللّيل ولم يتلقّ عنها دلالتها على المسالك التي تفضي إلى العمارة ومعادن السلامة وخالفها، وقع في غير الطريق، وصار بتركه الاهتداء بها إلى الضلال البعيد، والهلك المبيد.
فالقياس على النجوم في هذا، ليس على حدّ تشبيه المصابيح بالنجوم، أو النيران في الأماكن المتفرقة، لأن الشّبه هناك من حيث الحس والمشاهدة، لأن القصد إلى نفس الضوء واللّمعان، والشّبه هاهنا من حيث العقل، لأن القصد إلى مقتضى ضوء النجوم وحكمه وعائدته، ثم ما فيها من الدلالة على المنهاج، والأمن من الزيغ عنه والاعوجاج، والوصول بهذه الجملة منها إلى دار القرار ومحل الكرامة نسأل الله تعالى أن يرزقنا ذلك، ويديم توفيقنا للزوم ذلك الاهتداء، والتصرف في هذا الضياء، إنه ﷿ وليّ ذلك والقادر عليه.
ومما لا يكون الشبه فيه إلا عقليا، قولنا في أصحاب رسول الله ﷺ «ملح الأنام»، وهو مأخوذ من قوله ﵇: «مثل أصحابي كمثل الملح في الطّعام، لا يصلح الطّعام إلا بالملح»، قالوا: فكان الحسن رحمة الله عليه يقول: «فقد ذهب ملحنا، فكيف نصنع؟».
فأنت تعلم أن لا وجه هاهنا للتشبيه إلا من طريق الصّورة العقلية، وهو أن الناس يصلحون بهم كما يصلح الطعام بالملح، والشّبه بين صلاح العامّة بالخاصّة وبين صلاح الطعام بالملح، لا يتصوّر أن يكون محسوسا. وينطوي هذا التشبيه على وجوب موالاة الصحابة ﵃، وأن تمزج محبّتهم بالقلوب والأرواح، كما يمزج الملح بالطعام، فباتّحاده به ومداخلته لأجزائه يطيب طعمه، وتذهب عنه ووخامته، ويصير نافعا مغذيا، كذلك بمحبّة الصحابة ﵃ تصلح الاعتقادات، وتنتفى عنها الأوصاف المذمومة، وتطيب وتغذو القلوب، وتنمّى حياتها، وتحفظ صحتها وسلامتها، وتقيها الزّيغ والضلال والشك والشبهة والحيرة، وما حكمه في حال القلب من حيث العقل، حكم الفساد الذي يعرض لمزاج البدن
[ ٥٧ ]
من أكل الطعام الذي لم يصلح بالملح، ولم تنتف عنه المضار التي من شأن الملح أن يزيلها، وعلى ذلك جاء في صفتهم أنّ: «حبّهم إيمان وبغضهم نفاق». هذا، ولا معنى لصلاح الرجل بالرجل إلّا صلاح نيّته واعتقاده، ومحال أن تصلح نيّتك واعتقادك بصاحبك وأنت لا تراه معدن الخير ومعانه، وموضع الرّشد ومكانه ومن علمته كذلك، مازجتك محبّته لا محالة، وسيط ودّه بلحمك ودمك، وهل تحصل من المحبّة إلّا على الطاعة والموافقة في الإرادة والاعتقاد، قياسه قياس الممازجة بين الأجسام، ألا تراك تقول: «فلان قريب من قلبي»، تريد الوفاق والمحبّة.
وعلى هذه الطريقة جرى تمثيل «النحو» في قولهم: «النحو في الكلام، كالملح في الطعام، إذ المعنى أن الكلام لا يستقيم ولا تحصل منافعه التي هي الدلالات على المقاصد، إلّا بمراعاة أحكام النحو فيه، من الإعراب والترتيب الخاصّ، كما لا يجدي الطعام ولا تحصل المنفعة المطلوبة منه، وهي التغذية، ما لم يصلح بالملح.
فأمّا ما يتخيّلونه من أن معنى ذلك: أن القليل من النحو يغني، وأن الكثير منه يفسد الكلام كما يفسد الملح الطعام إذا كثر فيه، فتحريف، وقول بما لا يتحصّل على البحث، وذلك أنه لا يتصوّر الزيادة والنقصان في جريان أحكام النحو في الكلام. ألا ترى أنه إذا كان من حكمه في قولنا: «كان زيد ذاهبا»، أن يرفع الاسم وينصب الخبر، لم يخل هذا الحكم من أن يوجد أو لا يوجد، فإن وجد فقد حصل النحو في الكلام، وعدل مزاجه به، ونفي عنه الفساد، وأن يكون كالطعام الذي لا يغذو البدن وإن لم يوجد فيه فهو فاسد كائن بمنزلة طعام لم يصلح بالملح، فسامعه لا ينتفع به بل يستضرّ، لوقوعه في عمياء وهجوم الوحشة عليه، كما يوجبه الكلام الفاسد العاري من الفائدة.
وليس بين هاتين المنزلتين واسطة يكون استعمال النحو فيها مذموما وهكذا القول في كلّ كلام، وذلك أن إصلاح الكلام الأول بإجرائه على حكم النحو، لا يغني عنه في الكلام الثاني والثالث، حتى يتوّهم أن حصول النحو في جملة واحدة من قصيدة أو رسالة يصلح سائر الجمل، وحتى يكون إفراد كل جملة بحكمها منه تكريرا له وتكثيرا لأجزائه، فيكون مثله مثل زيادة أجزاء الملح على قدر الكفاية.
وكذلك لا يتصور في قولنا: «كان زيد منطلقا»، أن يتكرّر هذا الحكم ويتكثّر على هذا الكلام، فيصير النحو كذلك موصوفا بأن له كثيرا هو مذموم، وأن المحمود منه القليل. وإنما وزانه في الكلام وزان وقوف لسان الميزان حتى ينبئ عن مساواة ما
[ ٥٨ ]
في إحدى الكفتين الأخرى، فكما لا يتصور في تلك الصفة زيادة ونقصان، حتى يكون كثيرها مذموما وقليلها محمودا، كذلك الحكم في الصّفة زيادة ونقصان، حتى يكون كثيرها مذموما وقليلها محمودا، كذلك الحكم في الصّفة التي تحصل للكلام بإجرائه على حكم النحو ووزنه بميزان، فقول أبي بكر الخوارزمي: [من السريع] والبغض عندي كثرة الإعراب كلام لا يحصل منه على طائل، لأنّ الإعراب لا يقع فيه قلة وكثرة، إن اعتبرنا الكلام الواحد والجملة الواحدة، وإن اعتبرنا الجمل الكثيرة وجعلنا إعراب هذه الجملة مضموما إلى إعراب تلك، فهي الكثرة التي لا بدّ منها، ولا صلاح مع تركها، والخليق بالبغض من ذمّها (١) وإن كان أراد نحو قول الفرزدق:
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه (٢)
وما كان من الكلام معقّدا موضوعا على التأويلات المتكلّفة، فليس ذلك بكثرة وزيادة في الإعراب، بل هو بأن
يكون نقصا له ونقضا أولى، لأن «الإعراب» هو أن يعرب المتكلم عما في نفسه ويبيّنه ويوضّح الغرض ويكشف اللّبس، والواضع كلامه على المجازفة في التقديم والتأخير زائل عن الإعراب، زائغ عن الصواب، متعرّض للتلبيس والتعمية. فكيف يكون ذلك كثرة في الإعراب؟ إنما هو كثرة عناء على من رام أن يردّه إلى الإعراب، لا كثرة الإعراب.
وهذا هو كالاعتراض على طريق شجون الحديث، ويحتاج إليه في أصل كبير، وهو أن من حق العاقل أن لا يتعدّى بالتشبيه الجهة المقصودة، ولا سيما في العقليات. وأرجع إلى النّسق.
مثال (الأصل الثالث)، وهو أخذ الشبه من المعقول للمعقول.
أوّل ذلك وأعمّه تشبيه الوجود من الشيء مرة بالعدم، والعدم مرة بالوجود.
أمّا الأول: فعلى معنى أنه لما قلّ في المعاني التي بها يظهر للشيء قدر، ويصير له ذكر، صار وجوده كلا وجود (٣).
_________________
(١) مبتدأ وخبر. (رشيد).
(٢) سبق تخريجه: ص ٢٥.
(٣) (رشيد) نظم هذا المعنى بعضهم فقال: خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد فكأنهم رزقوا وما رزقوا
[ ٥٩ ]
وأمّا الثاني: فعلى معنى أن الفاني كان موجودا ثم فقد وعدم، إلا أنه لما خلّف آثارا جميلة تحيي ذكره، وتديم في الناس اسمه، صار لذلك كأنه لم يعدم.
وأما ما عداهما من الأوصاف فيجيء فيها طريقان:
أحدهما: هذا، وذلك في كلّ موضع كان موضوع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة، وإن كانت موجودة، لخلوّها مما هو ثمرتها والمقصود منها، والذي إذا خلت منه لم تستحق الشّرف والفضل.
تفسير هذا: أنك إذا وصفت الجاهل بأنه «ميّت»، وجعلت «الجهل» كأنه موت، على معنى أن فائدة الحياة والمقصود منها هو «العلم» و«الإحساس»، فمتى عدمهما الحيّ فكأنه قد خرج عن حكم الحيّ، ولذلك جعل النّوم موتا، إذ كان النائم لا يشعر بما بحضرته، كما لا يشعر الميّت.
والدرجة الأولى في هذا أن يقال: «فلان لا يعقل» و«هو بهيمة» و«حمار» وما أشبه ذلك، مما يحطّه عن معاني المعرفة الشريفة، ثم أن يقال: «فلان لا يعلم ولا يفقه ولا يحسّ»، فينفى عنه العلم والإحساس جملة لضعف أمره فيه، وغلبة الجهل عليه، ثم يجعل التعريض تصريحا فيقال: «هو ميّت خارج من الحياة» و«هو جماد»، توكيدا وتناهيا في إبعاده عن العلم والمعرفة، وتشدّدا في الحكم بأن لا مطمع في انحسار غيابة الجهل عنه (١)، وإفاقته مما به من سكرة الغيّ والغفلة وأن يؤثّر فيه الوعظ والتنبيه.
ثم لما كان هذا مستقرا في العادة، أعني جعل الجاهل ميّتا، خرج منه أن يكون المستحقّ لصفة الحياة هو العالم المتيقظ لوجه الرّشد. ثم لمّا لم يكن علم أشرف وأعلى من العلم بوحدانية الله تعالى، وبما نزّله على النبيّ ﷺ، جعل من حصل له (٢) هذا العلم بعد أن لم يكن، كأنه وجد الحياة وصارت صفة له، مع وجود نور الإيمان في قلبه، وجعل حالته السابقة التي خلا فيها من الإيمان كحالة الموت التي تعدم معه الحياة، وذلك قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام:
١٢٢]، وأشباه ذلك.
من هذا الباب قولهم: «فلان حيّ» و«حيّ القلب» يريدون أنه ثاقب الفهم
_________________
(١) الغيابة: كل ما أظل الإنسان من فوق رأسه كالسحابة.
(٢) المناسب هذا العلم.
[ ٦٠ ]
جيّد النظر، مستعدّ لتمييز الحق من الباطل فيما يرد عليه، بعيد من الغفلة التي كالموت ويذهبون به في وجه آخر، وهو أنه حرك (١) نافذ في الأمور غير بطيء النهوض وذلك أن هذه الأوصاف من أمارات الصحة واعتدال المزاج وتوقّد نار الحياة، وهذا يصلح في الإنسان والبهيمة، لأنه تعريض بالقدرة والقوة. والمذهب الأول إشارة في العلم والعقل، وكلتا الصفتين أعني القدرة والعلم مما يشرف به الحيّ، ومما يضادّه الموت وينافيه.
ولما كان الأمر كذلك صار إطلاق «الحياة» مرة عبارة عن العلم، وأخرى عن القدرة وإطلاق الموت إشارة إلى عدم القدرة وضعفها تارة، وإلى عدم العلم وضعفه أخرى.
والقول الجامع في هذا: أنّ تنزيل الوجود منزلة العدم إذا أريد المبالغة في حطّ الشيء والوضع منه وخروجه عن أن يعتدّ به، كقولهم: «هو والعدم سواء» معروف متمكن في العادات، وربما دعاهم الإيغال وحبّ السّرف إلى أن
يطلبوا بعد العدم منزلة هي أدون منه، حتى يقعوا في ضرب من التهوّس، كقول أبي تمام: [من البسيط] وأنت أنزر من لا شيء في العدد (٢) وقال ابن نباتة: [من البسيط]
ما زلت أعطف أيّامي فتمنحني نيلا أدقّ من المعدوم في العدم (٣)
ويتفرع على هذا إثبات الفضيلة للمذكور بإثبات اسم الشيء له، ويكون ذلك على وجهين:
أحدهما: أن تريد المدح وإثبات المزيّة والفضل على غاية المبالغة، حتى لا تحصل عليه مزيدا. فإذا أردت ذلك جعلت الإثبات كأنه مقصور عليه لا يشارك فيه، وذلك قولك: «هذا هو الشيء وما عداه فليس بشيء»، أي: إن ما عداه إذا قيس إليه
_________________
(١) غلام حرك: بوزن فرح خفيف ذكي.
(٢) البيت في ديوانه، وصدره: أفيّ تنظيم قول الزور والفند والفند: الخرف وإنكار العقل من الهرم أو المرض، والفند: الخطأ في الرأي والقول، وأفنده خطّأ رأيه، وفي التنزيل العزيز حكاية عن يعقوب ﵇: لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ. قال الفراء: يقول لولا أن تكذبوني وتعجزوني وتضعّفوني.
(٣) البيت من أبيات قالها في صباه، ذكرها الثعالبي في يتيمة الدهر ٢/ ٣٥٦. وابن نباتة: هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد الملقب بالسعدي.
[ ٦١ ]
صغر وحقر حتى لا يدخل في اعتداد، وحتى يكون وجدانه كفقدانه، فقد نزّلت الوجود فيمن عدا المذكور منزلة العدم.
وأما أن يكون التفضيل على توسّط، ويكون القصد الإخبار بأنه غير ناقص على الجملة، ولا ملغى منزّل منزلة المعدوم، وذلك قولك: «هذا شيء»، أي: داخل في الاعتداد.
وفي هذه الطريقة أيضا تفاوت، فإنك تقول مرة: «هذا إمّا لا، شيء»، تريد أن تقول: إن الآخر ليس بشيء ولا اعتداد به أصلا. وتقول أخرى: «هذا شيء»، تريد:
شيء له قدر وخطر. وتجري لك هذه الوجوه في أسماء الأجناس كلها تقول: «هذا هو الرجل ومن عداه فليس من الرجولية في شيء»، و«هذا هو الشعر فحسب»، تبالغ في التفضيل، وتجعل حقيقة الجنسية مقصورة على المذكور. وتقول: «هذا رجل» تريد: كامل من الرجال، لا أن من عداه فليس برجل على الكمال. وقد تقول: «هذا، إمّا لا، رجل»، تريد: يستحقّ أن يعدّ في الرجال، ويكون قصدك أن تشير إلى أنّ هناك واحدا آخر لا يدخل في الاعتداد
أصلا ولا يستحق اسم الرجل.
وإذا كان هذا هو الطريق المهيع في الوضع من الشيء وترك الاعتداد به، والتفضيل له والمبالغة في الاعتداد به، فكل صفتين تضادّتا، ثم أريد نقص الفاضلة منهما، عبّر عن نقصها باسم ضدّها، فجعلت الحياة العارية من فضيلة العلم والقدرة «موتا»، والبصر والسمع إذا لم ينتفع صاحبهما بما يسمع ويبصر فلم يفهم معنى المسموع ولم يعتبر بالمبصر أو لم يعرف حقيقته عمى وصمما، وقيل للرجل: «هو أعمى أصمّ»، يراد أنه لا يستفيد شيئا مما يسمع ويبصر، فكأنه لم يسمع ولم يبصر. وسواء عبّرت عن نقص الصفة بوجود ضدّها، أو وصفها بمجرّد العدم، وذلك أنّ في إثبات أحد الضدّين وصفا للشيء، نفيا للضدّ الآخر، لاستحالة أن يوجدا معا فيه، فيكون الشّخص حيّا ميّتا معا، أصمّ سمعيا في حالة واحدة. فقولك في الجاهل:
«هو ميّت»، بمنزلة قولك: «ليس بحيّ»، وأن الوجود في حياته بمنزلة العدم.
هذا هو ظاهر المذهب في الأمر والحكم إذا أطلق القول، فأما إذا قيّد كقوله:
[من السريع] أصمّ عمّا ساءه سميع فتثبت له الصفتان معا على الجملة، إلّا أن مرجع ذلك إلى أن يقال إنه كان يفقد السمع في حال ويعود إليه في حال أو أنه في حقّ هذا الجنس فاقد الإدراك مسلوبه،
[ ٦٢ ]
وفيما عداه كائن على حكم السميع. فلم يثبت له الصم على الجملة، إلّا للحكم بأن وجود سمعه كالعدم، إلا أن ذلك في شيء دون شيء، وعلى التقييد دون الإطلاق.
فقد تبيّن أن أصل هذا الباب تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لكونه بحيث لا يعتدّ به وخلوّه من الفضيلة.
والطريق الثاني في شبه المعقول من المعقول: أن لا يكون على تنزيل الوجود منزلة العدم، ولكن على اعتبار صفة معقولة يتصوّر وجودها مع ضدّ ما استعرت اسمه.
فمن ذلك أن يراد وصف الأمر بالشدة والصعوبة، وبالبلوغ في كونه مكروها إلى الغاية القصوى، فيقال: «لقي الموت»، يريدون لقي الأمر الأشدّ الصعب الذي هو في كراهة النّفس له كالموت. ومعلوم أنّ كون الشيء شديدا صعبا مكروها صفة معلومة لا تنافي الحياة، ولا يمنع وجودها معه، كما يمنع وجود الموت مع الحياة ألا ترى أن كراهة الموت موجودة في الإنسان قبل حصوله، كيف وأكره ما يكون الموت إذا صفت مشاعر الحياة، وخصبت مسارح اللذّات. فكلما كانت الحياة أمكن وأتمّ، كانت الكراهة للموت أقوى وأشدّ، ولم تخفّ كراهته على العارفين إلا لرغبتهم في الحياة الدائمة الصافية من الشوائب، بعد أن تزول عنه هذه الحياة الفانية ويدركهم الموت فيها، فتصوّرهم لذّة الأمن منه، قلّل كراهتهم له، كما أن ثقة العالم بما يعقبه الدواء من الصحة، تهوّن عليه مرارته. فقد
عبرت هاهنا عن شدّة الأمر بالموت، واستعرته له من أجلها. والشّدة ومحصولها الكراهة، موجودة في كل واحد من المستعار له والمستعار منه فليس التشبيه إذن من طريق الحكم على الوجود بالعدم، وتنزيل ما هو موجود كأنه قد خلع صفة الوجود. وذلك أن هذا الحكم إنما جرى في تشبيه الجهل بالموت، وجعل الجاهل ميّتا من حيث كان للجهل ضدّ ينافي الموت ويضادّه وهو العلم. فلما أردت أن تبالغ في نفي العلم الذي يجب مع نفيه الجهل، وجعلت الجهل موتا لتؤيس من حصول العلم للمذكور. وليس لك هذا في وصف الأمر الشديد المكروه بأنه موت، ألا ترى أن قوله: [من السريع]
لا تحسبنّ الموت موت البلى وإنما الموت سؤال الرجال (١)
_________________
(١) هذا البيت والذي يليه في كتاب الحيوان ٣/ ١٣٠ - ١٣٢، والبيان والتبيين ٢/ ١٧١، ودلائل الإعجاز ٢٥٦ ونسخته: أشد من ذاك على كل حال. والبيتان لم يعرف لهما قائل في دلائل الإعجاز.
[ ٦٣ ]
لا يفيد أنّ للسّؤال ضدّا ينافي الموت أو يضادّه على الحقيقة، وأن هذا القائل قصد بجعل السؤال موتا نفى ذلك الضدّ، وأن يؤيس من وجوده وحصوله، بل أراد أن في السؤال كراهة ومرارة مثل ما في الموت، وأن نفس الحرّ تنفر عنه كما تنفر نفوس الحيوان جملة من الموت، وتطلب الحياة ما أمكن في الخلاص منه.
فإن قلت: المعنى فيه أن السؤال يكسب الذلّ وينفي العزّ، والذليل كالميت لفقد القدرة والتصرّف، فصار كتسميتهم خمول الذكر موتا، والذكر بعد الموت حياة، كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: «مات خزّان المال، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة».
قلت: إني آنس أنهم لم يقصدوا هذا المعنى في السؤال، وإنما أرادوا الكراهة، ولذلك قال بعد البيت الذي كتبته:
كلاهما موت، ولكنّ ذا أشدّ من ذاك لذلّ السّؤال (١)
هذا، وليس كل ما يعبّر عنه بالموت لأنه يكره ويصعب ولا يستسلم له العاقل إلّا بعد أن تعوزه الحيل فإنه يحمل هذا المحمل، وينقاد لهذا التأويل، أترى المتنبي في قوله: [من المتقارب]
وقد متّ أمس بها موتة ولا يشتهي الموت من ذاقه (٢)
أراد شيئا غير أنه لقي شدّة. وأمّا العبارة عن خمول الذكر بالموت، فإنه وإن كان يدخل في تنزيل الوجود منزلة العدم، من حيث يقال: إن الخامل لمّا لم يذكر ولم يبن منه ما يتحدّث به، صار كالميت الذي لا يكون منه قول، بل ولا
فعل يدلّ على وجوده فليس دخوله فيه ذلك الدخول. وذلك أن الجهل ينافي العلم ويضادّه كما لا يخفى، والعلم إذا وجد فقد وجدت الحياة حتما واجبا، وليس كذلك خمول
_________________
(١) وفي نسخة. أشد من ذاك على كل حال.
(٢) الضمير راجع إلى الخمر فإن الكلام فيها، والبيت في ديوانه، وقال قبل هذا البيت: وجدت المدامة غلابة تهيّج للقلب أشواقه تسيء من المرء تأديبه ولكن تحسّن أخلاقه وأنفس ما للفتى لبّه وذو اللب يكره إنفاقه قال شيخنا في قوله تسيء المرء تأديبه إلخ: أي تغلبه فتخرجه عن قيود الحشمة في اللفظ والحركات، ولكنها تغلب منه الخوف والبخل فيشجع ويسخو هذا ما يريده تحسينها لأخلاقه. (رشيد).
[ ٦٤ ]
الذكر والذكر، لأنه ليس إذا وجد الذكر فقد وجدت الحياة، لأنك تحدّث عن الميت بأفعاله التي كانت منه في حال الحياة، فيتصوّر الذكر ولا حياة على الحقيقة، ولا يتصوّر العلم ولا حياة على الحقيقة.
وهكذا القول في الطرف الآخر، وهو تسمية من لا يعلم ميّتا. وذلك أن الموت هاهنا عبارة عن عدم العلم وانتفائه، وعدم العلم على الإطلاق، حتى لا يوجد منه شيء أصلا، وحتى لا يصحّ وجوده، يقتضي وجود الموت على الحقيقة ولا يمكن أن يقال إنّ خمول الذكر يوجب الموت على الحقيقة. فأنت إذن في هذا تنزّل الوجود منزلة العدم على وجه لا ينصرف إلى الحقيقة ولا يصير إليها،. وإنما يمثّل ويخيّل.
وأما في الضرب الأول وهو جعل من لا يعلم ميّتا ومن يعلم هو الحيّ فإنك تلاحظ الحقيقة وتشير إليها وتحطب في حبلها (١)، فاعرفه.
وأمّا قولهم في الغنيّ إذا كان بخيلا لا ينتفع بماله: «إنّ غناه فقر»، فهو في الضرب الأول أعني تنزيل الوجود منزلة العدم لتعرّى الوجود مما هو المقصود منه.
وذلك أن المال لا يراد لذاته، وإنما يراد للانتفاع به في الوجوه التي تعدّها العقلاء انتفاعا، فإذا حرم مالكه هذه الجدوى وهذه الفائدة، فملكه له وعدم الملك سواء، والغنى إذا صرف إلى المال، فلا معنى له سوى ملك الإنسان
الشيء الكثير منه، ألا تراه يذكر مع الثروة فيقال: «غنيّ مثر مكثر»؟ فإذا تبين بالعلة التي مضت أنه لا يستفيد بملكه هذا المال معنى، وأن لا طائل له فيه، فقد ثبت أن غناه والفقر سواء، لأن الفقر أن لا يملك المال الكثير. وأمّا قول اللؤماء: إن انتفاعه في اعتقاده أنّه متى شاء انتفع به، وما يجد في نفسه من عزّة الاستظهار، وأنه يهاب ويكرم من أجله، فمن أضاليل المنى، وقد يهان ويذلّ ويعذّب بسببه حتى تنزع الروح دونه.
ثم إن هذا كلام وضعه العقلاء الذين عرفوا ما الانتفاع، وهذا المخالف لا ينكر أن الانتفاع لو عدم كان ملكه الآن لمال وعدم ملكه سواء، وإنما جاء يتطلّب عذرا، ويرخي دون لؤمه سترا.
ونظير هذا أنك ترى الظالم المجترئ على الأفعال القبيحة، يدّعي لنفسه الفضيلة بأنه مديد الباع طويل اليد، وأنه قادر على أن يلجئ غيره إلى التّطامن له، ثم لا يزيده احتجاجه إلا خزيا وذلا عند الله وعند الناس، وترى المصدّق له في دعواه
_________________
(١) أي: تنصرها وتميل إليها. وحطب من باب ضرب. (رشيد).
[ ٦٥ ]
أذمّ له وأهجى من المكذّب، لأن الذي صدّقه أيس من أن ينزع إلى الإنسانية بحال، والذي كذّب رجا أن ينزع عند التنبيه والكشف عن صورة القبيح.
وأما قولهم في «القناعة» إنها الغنى كقوله: [من البسيط] إنّ القنوع الغنى لا كثرة المال (١) يريد القناعة، وكما قال الآخر: [من الكامل]
إنّ القناعة فاعلمنّ غنى والحرص يورث أهله الفقرا (٢)
وجعلهم الكثير المال، إذا كان شرها حريصا على الازدياد، فقيرا، فممّا يرجع إلى الحقيقة المحضة. وإن كان في ظاهر الكلام كالتشبيه والتمثيل، وذلك أن حقيقة الغنى هو انتفاء الحاجة والحاجة أن تريد الشيء ولا تجده، والكثير المال إذا كان الحرص عليه غالبا، والشّره له أبدا صاحبا، كان حاله كحال من به كلب الجوع يأكل ولا يشبع، أو من به البغر يشرب ولا يروى. فكما إنّ إصابته من الطعام والشراب القدر الذي يشبع ويروى، إذا كان المزاج معتدلا والصّحة صحيحة، لا تنفي عنه صفة الجائع والظمآن لوجود الشهوة ودوام مطالبة النفس وبقاء لهيب الظمأ وجهد العطش.
كذلك الكثير المال لا تحصل له صفة الغنى ولا تزول عنه صفة الفقر، مع بقاء حرصه الذي يديم له القرم والشّره والحاجة والطلب والضجر حين يفقد الزيادة التي يريدها، وحين يفوته بعض الرّبح من تجاراته وسائر
متصرّفاته، وحتى لا يكاد يفصل بين حاله وقد فاته ما طلب، وبينها وقد أخذ بعض ماله وغصب. ومن أين تحصل حقيقة الغنى لذي المال الكثير؟ وقد تراه من بخله وشحّه كالمقيّد دون ما ملكه، والمغلول اليد يموت صبرا ويعاني بؤسا، ولا تمتدّ يده إلى ما يزعم أنه يملكه فينفقه في لذّة نفس، أو فيما يكسب حمدا اليوم وأجرا غدا، ذاك لأنه عدم كرما يبسط أنامله، وجودا ينصر أمله، وعقلا يبصّره، وهمّة تمكّنه مما لديه، وتسلّطه عليه، كما قال البحتري:
وواجد مال أعوزته سجيّة تسلّطه يوما على ذلك الوجد (٣)
فقولهم إذن: «إن القناعة هي الغنى لا كثرة المال»، إخبار عن حقيقة نفّذتها
_________________
(١) البيت لمحمد بن يسير الحميري. والقنوع: السؤال؛ القانع: السائل، قال الله تعالى: فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج: ٣٦].
(٢) البيت غير معروف قائله.
(٣) البيت للبحتري في ديوانه. الوجد والوجد والوجد: اليسار والسعة. وفي التنزيل العزيز: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ، وقد قرئ بالثلاث. والواجد: الغني، قال الشاعر: الحمد لله الغني الواجد. [لسان العرب: وجد].
[ ٦٦ ]
قضايا العقول، وصحّحتها الخبرة والعبرة، ولكن ربّ قضية من العقل نافذة قد صارت كأنها من الأمور المتجوّز فيها، أو دون ذلك في الصحة، لغلبة الجهل والسفه على الطباع، وذهاب من يعمل بالعقل ويذعن له، ويطرح الهوى، ويصبو إلى الجميل، ويأنف من القبيح، ولذهاب الحياء وبطلانه، وخروج الناس من سلطانه، ويأس العاقل من أن يصادف عندهم، إن نبّه أو ذكّر، سمعا يعي، وعقلا يراعي، فجري «الغنى» على كثرة المال، و«الفقر» على قلّته، مما يزيله العرف عن حقيقته في اللغة. ولما كان الظاهر من حال الكثير المال أنه لا يعجز عن شيء يريده من لذّاته وسائر مطالبه، سمّي المال الكثير «غنى»، وكذلك لمّا من كان قلّ ماله، عجز عن إرادته، سمّي قلّة المال «فقرا»، فهو من جنس تسمية السبب باسم المسبّب، وإلا فحقيقة «الغنى» انتفاء الاحتياج، وحقيقة «الفقر» الاحتياج، والله تعالى الغنيّ على الحقيقة، لاستحالة الاحتياج عليه جلّ وتعالى عن صفات المخلوقين.
وعلى ذاك ما جاء في الخبر من أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟
قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع. قال: المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وزكاته وصيامه، فيأتي وقد شتم هذا، وأكل مال هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يفنى ما عليه من الخطايا، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم
طرح في النار».
ذاك أنه ﷺ بيّن الحكم في الآخرة. فلما كان الإنسان إنما يعدّ غنيّا في الدنيا بماله، لأنه يجتلب به المسرّة ويدفع المضرّة، وكان هذا الحكم في الآخرة، للعمل الصالح، ثبت لا محالة أن يكون الخالي، نعوذ بالله، من ذلك، هو «المفلس»، إذ قد عري مما لأجله يسمّى الخالي من المال في الدنيا «مفلسا»، وهو عدم ما يوصله إلى الخير والنعيم، ويقيه الشرّ والعذاب، نسأل الله التوفيق لما يؤمن من عقابه.
وإذا كان البحث والنظر يقتضي أن «الغنى» و«الفقر» في هذا الوجه دالّان على حقيقة هذا التركيب في اللغة (١)، كقولك: «غنيت عن الشيء» و«استغنيت عنه، إذا لم تحتج إليه و«افتقرت إلى كذا»، إذا احتجت إليه وجب أن لا يعدواها هاهنا في المستعار والمنقول عن أصله.
_________________
(١) قوله: «حقيقة هذا التركيب» أي: الحاجة إلى الشيء أو عدم الحاجة إليه قال شيخنا: والمراد من هذا التركيب ما ذكره بقوله: غنيت عن الشيء واستغنيت عنه. (رشيد).
[ ٦٧ ]