١- الحماسة من حمس بمعنى اشتد وقوي، وفن الحماسة في الشعر هو فن القوة أو فن الأسلوب القوي الشديد، ولسنا بحاجة لنعيد هنا ما أسبقنا من أن هذه القوة مصدرها الأول قوة العاطفة أو الانفعال النفسي الشديد.
وإذا نظرنا في حماسة أبي تمام رأينا هذا الفن عنده عريضا يتناول، حقًّا، كل مظاهر القوة في الحياة؛ حربية، وخلقية، واستماعية، وغزلية، وكل نزعة قوية إيجابية تمثل السمو والعزة الفردية والقبلية، من ذلك وصف المعارك وأدواتها وآثارها والحث على القتال والجرأة على الموت، والفخر بالنصر، والاعتذار عن
[ ٧٩ ]
مقاتلة الأقارب، والتأسي للقتلى، والصبر على الشدائد وهجاء الجبان ومدح العصبية والعفة، وهجر المواطن الذليلة، ونفي الضيم والخلوص إلى الحبيب وركوب الصعاب في سبيله.. كل ذلك ونحوه حشده أبو تمام في الباب الأول من مختاراته وبه سمى الديوان جميعه.
٢- وطبيعي أن يكون أسلوب الحماسة قويًّا كذلك.
فالكلمات قوية الجرس، إيجابية المعنى هي رماح وسيوف، وطن وضرب، وقتل، وأسر وانتصار ودماء وأشلاء ووقائع.
والصور تتخذ عناصرها -ألوانها وأجزاءها وحركاتها- من الدماء الجارية، والسيوف اللامعة، والرماح المشتجرة، والجيوش الكثيفة كقطع الليل.
والجمل جزلة، موجزة، ضخمة.
والعبارة على العموم تحكي موسيقى النفس العالية الإيجابية، ولا يتسع المقام هنا لإيراد مُثل لهذه المعاني الحماسية كلها، ولا بعضها وهي شائعة في كتب المختارات ودواوين الشعراء، وقد مر مثال من قول بشار، وهذا أبو الغول الطهوي١ يقول:
فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقوا فيهم ظنوني
فوارس لا يلمون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون٢
ولا يجزون من حسن بسيء ولا يجزون من غلظ بلين
ولا تبلى بسالتهم وإن هم صلوا بالحرب حينا بعد حين
_________________
(١) ١ ديوان الحماسة لأبي تمام ج١ ص١٦. ٢ الزبون: الناقة تزين حالبها أي تدفعه بشدة شبه بها الحرب لأنها تدفع الرجال لشدة هولها.
[ ٨٠ ]
هم منعوا حمي الوقبي بضرب يؤلف بين أشتات المنون١
فنكب عنهم درء الأعادي ودووا بالجنون من الجنون٢
ولا يرعون أكناف الهويني إذا حلوا ولا أرض الهدون٣
فقد جمع في أبياته بين الفخر والوصف، والقصص، ولكنها جميعا تنتهي إلى القوة والبسالة في وزن طروب مرقص، وعبارات جزلة ملائمة..
٣- ومن الحماسة قطع تدعى المنصفات يعرف فيها للعدو قوته وصبره أو ظفره كقول زفر بن الحارث الكلابي القيسي في ملحمة مرج راهط المشهورة، وكان الشاعر مع الضحاك بن قيس وقومه يحاربون مروان بن الحكم الأموي ومعه بنو تغلب وفيها انتصر مروان:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ليالي لا قينا جذام وحميرا٤
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسرا٥
_________________
(١) ١ الوقبي: ماء لبني مازن منعوا حماه أن يطأه أحد. أشتات المنون: صنوفه المختلفة بالضرب والطعن. ٢ نكبه: حوله، الدرء: الدفع واعوجاج الأعداء وخلافهم، ومعنى الشطر الثاني أنهم دفعوا الشر بالشر. ٣ الأكناف، النواحي جمع كنف. والهويني: الدعة، تصغير الهوني مؤنث الأهون، والهدون، السكون والصلح، يريد أنهم لعزهم لا يرعون النواحي التي أباحتها المسالمة بل المحمية. ٤ حسبنا: ظننا، وقوله: كل بيضاء شحمة مثل مشهور، وأصله "ما كل بيضاء شحمة " أي كنا ظننا أعداءنا ضعافًا كغيرهم، جذام قبيلة معد بن عدنان، حمير: قبيلة يمنية مشهورة. ٥ النبع: شجر صلب تتخذ منه القسي والسهام.
[ ٨١ ]
ولما لقينا عصبة تغلبية يقودون جردًا للمنية ضمرا١
سقيناهم كأسًا سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبرا٢
هذه الأبيات على إنصافها، تخيل إليك اصطدام القسي والرماح وملاقاة الفرسان والأقران، وتساقي المنون، والثبات في مواطن الهلاك كأنك تسمع قعقعة السلاح وتشهد مطاردة المقاتلين ومصارع المقتولين ذلك لجزالة الأسلوب وحسن تصويره ما وراءه من عواطف وأفكار فكان عبارات قوية لموضوع قوي.
٤- ولبحور الشعر وأوزانه أثر في الأداء وفي قوة الأسلوب وموسيقى العبارة، فقد لوحظ مثلا، أن الطويل٣ يتسع للفخر والحماسة ومنه القطعة الثانية وقصيدة السموءل المشهورة:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عِرضُه فكل رداء يرتديه جميل
وأن الوافر٤ ألين البحور يشتد إذا شددته ويرق إذا رققته، وأكثر ما يجود به النظم في الفخر ومنه القطعة الأولى٥ وقصيدة عمرو بن كلثوم التي يقول فيها:
ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نملؤه سفينا
ويمكنك أن تقيس على الحماسة سائر الفنون القوية التي لم يستع المجال هنا للخوض فيها وتمثيلها، كالوعيد، والسخط، والطموح وما إليها.
_________________
(١) ١ الجرد: الخيل لا رجالة فيها، ضمر: قليلة اللحم. ٢ الكأس هنا الموت وأسبابه فكلا الجيشين أبلى في حرب الآخر، وفي البيت اعتراف للعدو بالصبر على مكاره الحروب. ٣ وزن فعولن مفاعيلن أربع مرات. ٤ وزن مفاعلتن ست مرات. ٥ راجع مقدمة الإلياذة ص٨٩.
[ ٨٢ ]