: ما يشتركان فيه تحقيقا أو تخييلا؛ والمراد بالتخييل: نحو ما فى قوله [من الخفيف] (٤):
وكأنّ النّجوم بين دجاها سنن لاح بينهنّ ابتداع
فإنّ وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض فى جوانب شيء مظلم أسود، فهى غير موجودة فى المشبّه به إلا على طريق التخييل، وذلك أنه لما كانت البدعة- وكل ما هو جهل- تجعل صاحبها كمن يمشى فى
_________________
(١) البيت للصنوبرى، المصباح ص ١١٦، أسرار البلاغة ص ١٥٨، والطراز ١/ ٢٧٥.
(٢) أى بإحدى الحواس الخمس الظاهرة المذكورة.
(٣) شطر بيت لامرئ القيس ديوانه ص ١٥٠، والإيضاح ص ٣٣٦ صدره: أيقتلنى والمشرفى مضاجعي
(٤) البيت للقاضى التنوخى، المصباح ص ١١٠، والإيضاح ص ٣٤٣، ونهاية الإيجاز ص ١٩٠.
[ ١ / ٧٤ ]
الظلمة، فلا يهتدى للطريق، ولا يأمن أن ينال مكروها شبّهت بها، ولزم بطريق العكس: أن تشبه السنة- وكل ما هو علم- بالنور، وشاع ذلك حتى تخيّل أن الثانى مما له بياض وإشراق؛ نحو: (أتيتكم بالحنيفيّة البيضاء) (١).
(٢/ ١٤٤) والأول على خلاف ذلك؛ كقولك: شاهدت سواد الكفر من جبين فلان؛ فصار تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، كتشبيها ببياض الشّيب فى سواد الشباب، أو بالأنوار مؤتلفة بين النبات الشديد الخضرة؛ (٢/ ١٤٥) فعلم فساد جعله فى قول القائل: «النّحو فى الكلام كالملح فى الطعام» كون القليل مصلحا والكثير مفسدا؛ لأن النحو لا يحتمل القلة والكثرة؛ بخلاف الملح.
(٢/ ١٤٥) وهو إما غير خارج عن حقيقتهما؛ كما فى تشبيه ثوب بآخر فى نوعهما، أو جنسهما أو فصلهما. أو خارج صفة؛ إما حقيقية، وهى إما حسية كالكيفيات الجسمية مما يدرك بالبصر: من الألوان، والأشكال، والمقادير، والحركات، وما يتصل بها، أو بالسمع من الأصوات الضعيفة، والقوية، والتى بين بين، أو بالذّوق من الطعوم، أو بالشمّ من الروائح، أو باللمس من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والخشونة والملاسة، واللّين والصلابة، والخفة والثقل، وما يتصل بها، أو عقلية، كالكيفيات النفسانية: من الذكاء والعلم، والغضب والحلم، وسائر الغرائز. وإما إضافية؛ كإزالة الحجاب فى تشبيه الحجة بالشمس.
(٢/ ١٥٤) وأيضا (٢): إما واحد، أو بمنزلة الواحد؛ لكونه مركّبا من متعدد، وكلّ منهما حسى، أو عقلى، وإما متعدد كذلك، أو مختلف:
والحسى طرفاه حسيان لا غير؛ لامتناع أن يدرك بالحس من غير الحسى شيء. والعقلى أعم؛ لجواز أن يدرك بالعقل من الحسى شىء؛ ولذلك يقال:
التشبيه بالوجه العقلى أعم.
_________________
(١) أخرجه أحمد بنحوه فى المسند ٥/ ٢٦٦ ولفظه: «إنى لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكننى بعثت بالحنيفية السمحة» وأورد الشيخ الألبانى نحوه فى الصحيحة ح (١٧٨٢).
(٢) أى وجه التشبيه.
[ ١ / ٧٥ ]
فإن قيل: «هو مشترك فيه؛ فهو كلىّ، والحسى ليس بكليّ»:
قلنا: المراد أنّ أفراده مدركة بالحسّ.
(٢/ ١٥٧) فالواحد الحسىّ: كالحمرة، والخفاء، وطيب الرائحة، ولذّة الطّعم، ولين الملمس فيما مرّ.
والعقلىّ: كالعراء عن الفائدة، والجرأة، والهداية، واستطابة النفس فى تشبيه وجود الشيء العديم النفع بعدمه، والرجل الشجاع بالأسد، والعلم بالنور، والعطر بخلق كريم.
(٢/ ١٦٠) والمركّب الحسى فيما طرفاه مفردان: كما فى قوله (١) [من الطويل]:
وقد لاح فى الصّبح الثريّا كما ترى كعنقود ملّاحيّة حين نوّرا
من الهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرة الصغار المقادير فى المرأى، على الكيفية المخصوصة، إلى المقدار المخصوص.
(٢/ ١٦٣) وفيما طرفاه مركّبان؛ كما فى قول بشّار (٢) [من الطويل]:
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
من الهيئة الحاصلة من هوىّ أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرّقة، فى جوانب شيء مظلم.
(٢/ ١٦٥) وفيما طرفاه مختلفان؛ كما مرّ فى تشبيه الشقيق (٣).
(٢/ ١٦٥) ومن بديع المركّب الحسىّ: ما يجيء من الهيئات التى تقع عليها الحركة، ويكون على وجهين:
أحدهما: أن يقرن بالحركة غيرها من أوصاف الجسم؛ كالشّكل واللون؛ كما فى قوله (٤) [من الرجز]:
_________________
(١) البيت لأبى قيس بن الأسلت أورده محمد بن على الجرجانى فى الإشارات ص ١٨٠. والملاحية: عنب أبيض. ونور: تفتح.
(٢) ديوانه ١/ ٣١٨، والمصباح ١٠٦، ويروى (رءوسهم) بدل (رءوسنا).
(٣) وكتشبيه نهار مشمس قد شابه زهر الربا بليل القمر.
(٤) من أرجوزة لجبار بن جزء بن ضرار ابن أخى الشماخ؛ وبعده: -
[ ١ / ٧٦ ]
والشّمس كالمرآة فى كفّ الأشل
من الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتّصلة مع تمّوج الإشراق، حتى يرى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له، فيرجع إلى الانقباض.
والثانى: أن تجرّد الحركة عن غيرها؛ فهناك- أيضا- لا بد من اختلاط حركات إلى جهات مختلفة الحركة له؛ فحركة الرحى والسهم لا تركيب فيها، بخلاف حركة المصحف فى قوله [من المديد]:
وكأنّ البرق مصحف قار فانطباقا مرّة وانفتاحا (١)
(٢/ ١٦٨) وقد يقع التركيب فى هيئة السكون؛ كما فى قوله (٢) فى صفة كلب [من الرجز]:
يقعي جلوس البدوىّ المصطلي
من الهيئة الحاصلة من موقع كلّ عضو منه فى إقعائه.
(٢/ ١٧٠) والعقلىّ: كحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمّل التعب فى استصحابه، فى قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا (٣).
(٢/ ١٧٠) واعلم أنه قد ينتزع من متعدّد، فيقع الخطأ؛ لوجوب انتزاعه من أكثر؛ إذا انتزع من الشطر الأول من قوله [من الطويل]:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة فلمّا رأوها أقشعت وتجلّت (٤)
لوجوب انتزاعه من الجميع؛ فإنّ المراد التشبيه باتصال ابتداء مطمع بانتهاء
_________________
(١) - لمّا رأيتها بدت فوق الجبل أورده وهو فى الإشارات للجرجانى ص ١٨٠ والأسرار ص ٢٠٧.
(٢) البيت لابن المعتز.
(٣) البيت للمتنبى، وبعده: بأربع مجدولة لم تجدل.
(٤) الجمعة: ٥.
(٥) أورده القزوينى فى الإيضاح ص ٣٥٤، والطيبى فى شرحه على مشكاة المصابيح بتحقيقى ١/ ١٠٧.
[ ١ / ٧٧ ]
مؤيس.
والمتعدّد الحسىّ: كاللون، والطّعم، والرائحة، فى تشبيه فاكهة بأخرى.
والعقلىّ: كحدّة النظر، وكمال الحذر، وإخفاء السّفاد، فى تشبيه طائر بالغراب.
والمختلف: كحسن الطلعة، ونباهة الشأن، فى تشبيه إنسان بالشمس.
(٢/ ١٧٣) واعلم: أنه قد ينتزع الشبه من نفس التضادّ؛ لاشتراك الضدّين فيه (١)، ثم ينزّل منزلة التناسب بواسطة تلميح، أو تهكّم؛ فيقال للجبان: ما أشبهه بالأسد، وللبخيل: هو حاتم.
(٢/ ١٧٥) وأداته: (الكاف)، و(كأنّ)، و(مثل) وما فى معناها.
والأصل فى نحو (الكاف): أن يليه المشبّه به؛ وقد يليه غيره؛ نحو: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ (٢)، وقد يذكر فعل ينبئ عنه؛ كما فى:
«علمت زيدا أسدا» إن قرب، و: «حسبت » إن بعد.