القول في القصر:
_________________
(١) ١ الأصل في الجملة الواحدة أن تؤدي حكمًا واحدًا مقصودًا وقد يتبع هذا الكلام الواحد غرض ومعنى يترتب عليه، ومثل هذا يسمى مستتبعات التراكيب. وقد تؤدي الجملة الواحدة حكمين مقصودين مختلفين بالإيجاب والسلب من طريق الوضع أو من طريق العقل والذوق وهذه هي الجملة التي حكم فيها بثبوت شيء لآخر على جهة الاختصاص وعدم تعدي الأول والثاني أو حكم فيها بسلب شيء عن آخر على جهة الاختصاص كذلك. ومثل هذا الأسلوب يسمى القصر مثل ما محمد إلا شا عر. ٢ هذا ومثل: محمد شا عر، وما محمد إلا شاعر. الأول للخالي، والثاني للمتردد أو للمنكر. والفرق بين التردد والإنكار: أن المتردد التأكيد له مستحسن والمنكر التأكيد له واجب، والمتردد يؤكد له الكلام بمؤكد واحد. أما المنكر فيؤكد له الكلام بمؤكد أو أكثر وقيل بأكثر من مؤكد. وفي التردد ترك التوكيد ليس خطأ وفي الإنكار يعد خطأ. وتأكيد الحكم "وهو ثبوت الشعر لمحمد في مثل ما محمد إلا شاعر" هنا بما وإلا -أو بما شابههما أو بغيرهما. وجوبًا أو استحسانًا- مطابقة لمقتضى الحال فهو بلا غة، ومن ثم كان الواجب البحث عنه. ويهمنا هنا في هذا الباب بحث تأكيد الحكم بما وإلا وما شابهما لا بغير ذلك "كأن والقسم ونون التوكيد ولام الابتداء وحروف الزيادة إلخ". وتأكيد الحكم بما وإلا وما شابههما هو القصر. ٣ هذا وبحوث القصر هي: أما هو القصر. جـ أدوات القصر والفرق بينها. ب أقسام القصر. د فائدة القصر.
[ ٣ / ٤ ]
_________________
(١) ٤ والقصر في اللغة الحبس، قال تعالى: ﴿حُوْرٌ مَقْصُوْرَاْتٌ فِيْ الخِيَامِ﴾ أي محبوسات. وفي الأساس: قصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا إذالم تطمح إلى غيره، وهن قاصرات الطرف أي قصرنه على أزواجهن، وقصر هذه اللقمة على عياله وعلى فرسه إذا جعل درهمًا لهم. وتقول: قصرت المرأة على أعمال البيت وتربية الأولاد أي حبستها عليه. فالقصر في اللغة الحبس، وفي الاصطلاح تخصيص شيء "صفة أو موصوف" بشيء "موصوف أو صفة" بطريق مخصوص "ما وإلا وما شابه ذلك مثل إنما والعطف والتقديم وتوسط ضمير الفصل وتعريف المسند أو المسند إليه بلام الجنس" والباء داخلة على المقصور عليه على الأرجح. كتخصيص محمد بالشعر في قولك: ما محمد إلا شا عر، وتخصيص الشعر بمحمد في قولك ما شاعر إلا محمد، أو قل قصر محمد على الشعر في الأول. وقصر الشعر على محمد في المثال الثاني. ومعنى التخصيص ثبوت الشيء الثاني دون غيره للشيء الأول. ٥ ووجوه بلاغة القصر هي: الإيجاز -تقرير الكلام وتمكينه في الذهن لدفع ما فيه من إنكار أو شك- الرد على المخاطب في قصري الأفراد والقلب -تعيين المبهم في قصر التعيين- مجاراة الخصم -التعريض- ذكر الواقع في القصر الحقيقي - المبالغة في القصر الادعائي. ٦ مراجع باب القصر: هذا وراجع في القصر: ص٢٥٢-٢٧٤ من الدلائل وص١٢٥ وما بعدها من المفتاح. وراجع: معنى كلمة التخصيص والاختصاص في ٣٨٨ و٢٥٥ جـ١ من ابن السبكي، ودخول الباء بعدها على المقصور وعند السيد على المقصور عليه في ص٣٨٦ جـ١ الدسوقي و١١٠ جـ٢
[ ٣ / ٥ ]
_________________
(١) و٣٨٧ جـ١ ابن يعقوب، ١٠٤ المطول و٢٧٠ جـ٢ ابن السبكي و٢٦٦ جـ٢ شروح التلخيص، الاختصاص والقصر بمعنى واحد إلا عند ابن السبكي في ١٥٣ جـ٢ الدسوقي و١٥٥ جـ٢ ابن السبكي القصر وهل يجري في الإنشاء في ١٤٦ جـ٢ الدسوقي، مقام القصر في ص٨٥ من المفتاح، القصر للمسند إليه على المسند وللمسند على المسند إليه ص٨٥ من المفتاح أيضًا. ٧ خلاصة للقصر وأقسامه: أ- القصر تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص. ب- القصر الحقيقي ما كان تخصيص الشيء بالشيء فيه بحسب الحقيقة وفي نفس الأمر بمعنى عدم مجاوزة الأول والثاني إلى غيره أصلًا. جـ والقصر الإضافي ما كان التخصيص فيه بحسب الإضافة إلى شيء آخر بمعنى عدم مجاوزة الأول الثاني إلى شيء آخر معين وإن أمكن أن يتجاوزه إلى غيره. د- قصر الموصوف على الصفة هو ما لم يتجاوز الموصوف فيه تلك الصفة إلى غيرها "من جميع الصفات في الحقيقي أو صفة معينة في الإضافي" مع جواز ثبوت تلك الصفة لغير الموصوف. هـ وقصر الصفة على الموصوف هو ما لم يتجاوز فيه الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر "أي كل موصوف في الحقيقي أو بعض معين في الإضافي" مع جواز أن يكون لذلك الموصوف صفات أخرى. والحقيقي صفة على موصوف أو بالعكس وكذلك الإضافي. ز- القصر الإدعائي ما كان القصر الحقيقي فيه مبنيًّا على الإدعاء والمبالغة بتنزيل غير المذكور منزلة العدم وقصر الشيء على المذكور وحده.
[ ٣ / ٦ ]