أما الآن فإلى لون آخر ورد في رسالة له سماها الرقطاء، التزم فيها بصورة أخرى من هذه الصور الخارجية التي لا صلة لها بالمعنى ولا بالتحسين اللفظي، ومع ذلك عاد أبو العباس ومدح هذا العمل وقال: "إنه أبدع فيها بما أراد وأغرب بها وأجاد"، ودعاه هذا الاستحسان إلى إيراد كثير من القطع الشعرية الواردة في مدح الرسائل، حتى قال: "إن منها ما يجري لها كالوصف".
أما تسميتها بالرقطاء فقد جاءت تشبيها لها بالدجاجة المرقشة المنقطة بسواد وبياض، لأنها جاءت بحرف منقوط وآخر غير منقوط من أولها إلى آخرها.
[ ٣١٣ ]
ونظرا لكونه لم ينظم أبياتا مستقلة بهذه الصورة فقد قام بإدماج بعض الأبيات بهذه الصفة داخل هذه الرسالة، فإلى شيء منها من خلال المقامة السادسة والعشرين:
(أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلب، وقربه تحف، ونأيه تلف، وخلته نسب، وقطيعنه نصب، وغربه ذلق، وشهبه تأتلق، وقويم نهجه بان، وذهنه قلب وجرب، ونعته شرق وغرب:
سيد قُلَّب سبوق مُبِر فطن مغرب عزوف عَيوف
مُخلِف مُتلف أغرّ فريد نابِهٌ فاضل ذكي أَنوف
مُغلِق إن أبان طَبّ إذا نا ب هياج وجل خطب مخوف
واستمر هكذا نثر، ثم شعر، ثم نثر، ثم شعر إلى آخر الرسالة التي يصعب تمييزها عن السابقة لها في الثقل والتعقيد.
[ ٣١٤ ]