مر بنا عكس الحروف لدى الحريري، ونلتقي معه الآن لنلقي نظرة سريعة على عمله في قلب الألفاظ، فقد قام بذلك في رسالة طويلة سماها: الرسالة القهقرية، ويرى أبو العباس الشريشي أنه بلغ الغاية في كلا النوعين، ويبدو أن أبا العباس يقول ذلك بقطع النظر عن التكلف وإعمال الفكر والتأمل الصادر من جانب الحريري، وهذا حق لا شك فيه، فإليك بها من خلال المقامة السابعة عشرة: "الإنسان صنيعة الإحسان، ورب الجميل فعل الندب، وشيمة الحر ذخيرة الحمد، وكسب الشكر استثمار السعادة، وعنوان الكرم تباشير البشر، واستعمال المداراة يوجب المصافاة، وعقد المحبة يقتضي النصح، وصدق الحديث حلية اللسان، وفصاحة المنطق سحر الألباب، وشرك الهوى آفة النفوس.. إلى أن قال:..وامتحان العقلاء بمقارنة الجهلاء، وتبصر العواقب يؤمن المعاطب، واتقاء الشنعة ii ينشر السمعة، وقبح الجفاء ينافي الوفاء، وجوهر الأحرار عند الأسرار".
والرسالة طويلة كما أشرنا فهي من مائتي لفظة، وهي كما رأيت تشتمل على أمثال وحكم ومواعظ وعبارات أدبية جمة، وما فيها من السجع والطباق والجناس والكناية والمجاز يطول الحديث حوله.
_________________
(١) i أس: أعط. الأوس: العطية. أرملا: فقيرا أفنى زاده. عرا: قصد. ارع: احفظ الصحبة. أسا: أتى بسوء. وأصله أساء. نباهة: رفعة. إبن: باعد. دنس: عيب. أي: صاحب من يشرفك بذكره الجميل وباعد من يدنس عرضك وتعاب به. أسل جناب غاشم: أي جانب منزل ظالم لا تقربه. وسلوت يتعدى بعن وبنفسه تقول: سلوت عنه وسلوته وسليته. مشاغب: مسارع للشر. هب: تحرك. مرا: جدال. رسا: ثبت. أسر: بالضم كن سريا: أي ii الشنعة: ما يقبح فعله.
[ ٣٠٨ ]
وقد وصفها صاحبها بقوله: إن أعلاها أسفلها، وأولها آخرها، وقال: "أرضها سماؤها وصبحها مساؤها، نسجت على منوالين وتجلت في لونين"؛ لأنك مختار أن تقرأها إن شئت من أولها وإن شئت من آخرها، إن سقتها على ترتيبها جاءت منقادة، وإن أردت أن تردها على أعقابها وتعكسها قلت: الأسرار عند الأحرار، وجوهر الوفاء ينافي الجفاء، وقبح السمعة ينشر الشنعة، واتقاء المعاطب يؤمن العواقب.. وهكذا إلى أولها، ويكون آخرها: ورب الإحسان صنيعة الإنسان.
والرسالة كلها مكونة من مبتدأ وخبر، ولا شك أن هذا العمل قد كلفه جهدا عظيما بالغا، إلا أنه يكشف عن قدرة فنية عجيبة بقطع النظر عما يقوله العاجزون بعده.
يبدو من المناسب هنا أن نذكر شيئا من بديعيات صفي الدين الحلي؛ فنورد هنا أربعة أبيات فقط، وهي من لون آخر عمودي أي أنها تقرأ من اليمين إلى الشمال ومن أعلاها إلى أسفلها، فإليك بها:
ليت شعري لك علم من سقامي يا شفائي
لك علم من زفيري ونحولي وضنائي
من سقامي ونحولي داوني إذ أنت دائي
يا شفائي وضنائي أنت دائي ودوائي
فهذه الأبيات الأربعة تكون تشكيلا هندسيا رائعا، فهي من أربعة أجزاء أي كل بيت له أربعة أجزاء، فإذا أخذت الجزء الأول من كل بيت لديك البيت الأول وإذا قرأت من كل بيت (عموديا طبعا) الجزء الثاني تكون عندك البيت الثاني.. إلى آخر هذه الأبيات الأربعة.
وهذا يكاد يكون يشبه تلك الأشكال الرياضية التي يستعمل فيها العقل المجرد بعيدا عن العاطفة وإثارة الإحساس، من خلال تجارب الحياة للشاعر، مثلا الرياضيون يأتون بهذا الشكل الذي تراه أمامك لمجرد الرياضة الذهنية، فأنت إذا جمعت الأعداد من اليمين إلى الشمال أو الشمال إلى اليمين كان الحاصل ١٥، وكذلك لو جمعتها من أعلى إلى أسفل أو العكس؛ فالحاصل واحد.
٢
٩
٤
١٥
٧
٥
٣
١٥
٦
١
٨
١٥
١٥
١٥
١٥
[ ٣٠٩ ]
يبدو أن هذا هو الداعي إلى القول بأن مثل هذا العمل مهما كلف من جهد، واستنفذ من وقت، مجانب لرواء الأدب وجماله، ويرى النقاد أنه لا يبعث عليه إلا الغرام بالصنعة والغلو في التكلف والولوع بحب الإغراب والشغف بالإتيان بما يستدعي الإعجاب، ولكن لا يبعد أن يكون الاستنكار على هذه الأنواع كلها جملة واحدة هو من باب محاولة توسيع دائرة الأدب والفن ليدخل فيه كل من أراد وبأي شيء جمعه، إلا أن التوسط في كل شيء محمود، فالعمل الذي جاء طريفا وممتعا ينبغي أن يقدر حق قدره، فلا ينبغي أن يرفض، لأن صاحبه قد بذل جهدا كبيرا فاق ما نستطيع نحن بذله، فعلينا أن نعترف بحلاوة العسل مهما تعب الذي اشتاره، لا نقول إنه مرّ لأن الذي وصل إليه اقتحم ما لا يستطيع أمثالنا اقتحامه!.
والآن نعود إلى الحديث عن البديع عند الحريري، يبدو أن الحريري إذا تناول أي لون من الألوان يفرع منه لونا آخر جديدا؛ فقد فرع فيما يظهر من الجناس الخطي هذا العمل الذي نشير إليه الآن، وهو التزام حروف معينة ذات صفة متفقة واحدة في الكلام، وأبرز ذلك: إخراجه الكلام بحروف منقوطة فقط أو بغير نقط، أو مختلطة، فنقدم لك الآن من تلك الفنون البديعية التي اهتم بها وأبرز شانها اللون الذي أورده في أبيات سماها بالعواطل أي الخالية من النقط، اقرأ معي هذه الأبيات:
اعدد لحسادك حد السلاح وأورد الآمل ورد السماح
وصارم اللهو ووصل المها وأعمل الكوم وسمر الرماح
واسع لإدراك محل سما عماده لا لادراع المراح
والله ما السؤدد حسو الطلا ولا مراد الحمد رود رداح
واها لحر واسع صدره وهمه ما سر أهل الصلاح
معني المفردات تحت الخط i.
علق الحريري على هذه الأبيات التي أوردها على لسان صبي من صبيانه، بقوله: أحسنت يا بُدَير يا رأس الدير؛ وصفه بالإحسان وجعله بدرا بل صغر اسمه هذا للتلميح، وزاد على ذلك بوصفه بأنه رأس الدير (ويعني بالدير مجلسه)، ولكن هل يوافق الأدباء والنقاد على ذلك، فلننظر إلى تعليق أبي العباس الشريشي على ذلك.
_________________
(١) i صارم: قاطع. المها: جمع مهاة وهي ولد البقر الوحشية، وأراد به هنا النساء مجازا. الكوم: جمع كوماء وهي الناقة العظيمة السنام. العماد: قائمة الخباء. ادراع: لبس الدرع. المراح: الطرب والنشاط، يعني بذلك كله: ينبغي عليك عدم الاشتغال باللهو، بل عليك أن تشتغل بكسب الشرف. حسو الطلا: شرب الخمر. مراد: بفتح الميم: الطريق والمذهب وأصله المرعى. رود جارية ناعمة شابة. الرداح: العظيمة العجز. و(ما) في قوله (ما سر أهل) بمعنى الذي. واها: عجبا.
[ ٣١٠ ]
أورد أبو العباس بعضا من أبيات قصيدة لأحمد بن الورد، وهي من هذا اللون، وأشار إلى أن تلك القصيدة تصل إلى ثمانين بيتا، ثم علق بقوله: "وما زال المحدثون يظهرون اقتدارهم في هذا اللون إلا أنه قلما يقع في ذلك بيت مستحسن، فلذلك تركنا أن نمشي مع أشعار هذه المقامة فيما يماثلها، وقد أكثر الناس القول في ذلك، وفائدته أن يقال: قدر على لزوم ما لا يلزم، لا أن يقال قد أحسن فيما قال"i.
هذا مع أن العباس أشار إلى عدم الجري وراء مثل هذا اللون، إلا أنه أنشد ما يماثله عندما أورد لأبي القاسم أبياتا لا تنطبق عليها الشفاه منها:
أتيناك يا جزل العطية إننا رأيناك أهلا للعطايا الجزائل
عقيل الندى يا حار عدنا عقيلة نعدك انتجاعا للحسان العقائل
فإنك تقرأ البيتين وشفتاك لا تنطبقان، ويبدو أن هذا اللون البديعي مع ما فيه من التكلف الواضح، إلا أنه لا يخلو من الطرافة والإمتاع والتسلية بالإغراب.
ولا شك أن هذا اللون يصل إلى درجة كبيرة من التكلف المؤدي إلى الثقل، وصعوبة المأخذ، ويظهر ذلك واضحا جليا في الأبيات التي وصفها الحريري نفسه بقوله لصبيه الذي قالها على لسانه قال إنها: "الأبيات العرائس وإن لم تكن نفائس"، فسماها بالعرائس لتزيينها بالنقط تشبيها لها بالزينة العربية التي كانت تتم بالنقط على خدي العروس نقطا صغارا بالزعفران، ويلاحظ أن الحريري يلتزم المقابلة حتى في التسمية، لأن التي أوردها قبلها سماها العواطل لعدم تزينها بالنقط، المهم أنه استدرك على تسميتها بالعرائس بوصفها بأنها لم تكن نفائس، فهي لا تتمتع بالقدر الرفيع في هذا الفن لما فيها من الضعف، كما أن فيها التزام ما لا يلزم؛ لأنها جاءت لغرض بيان الاقتدار على هذا العمل الذي قام به، ومع ما سبق من كلام أبي العباس إلا أنه قال في هذه الأبيات: "مع أنها غير نفائس إلا أنها أحسن مما قيل في بابها"، وهذه شهادة للحريري بالمقدرة الفنية في الأصباغ البديعية.
أراك أيها القارئ تتطلع إلى هذه الأبيات فإليك بها:
فتنتني فجنَّنتْني تجني بتجن يَفْتَنّ غِبّ تجني
شغفتني بجفن ظبي غضيض غنج يقتضي تفيض جفني
_________________
(١) i راجع الشريشي ج ٤ ص ١٨٧ المكتبة الشعبية.
[ ٣١١ ]
غَشيتني بِزِينَتَيْن فشَقَّتـ ني بري يَشِف بين تثنّي
فتظنَّيتُ تَجتَبِيني فتجزيـ ـني بنفثٍ يشفي فَخُيّب ظني
ثبَّتَتْ في غِمش جيب بتزييـ ـن خبيث يبغي تشفي ضِغن
فنَزَتْ في تجنبي فثنَّتْنِي بنشيج يُشجي بِفَن فَفَن
المفردات تحت الخط i.
غالب ظني أن الحريري يشير بمحبوبته التي سماها (تجني) إلى تلك المرأة الجميلة الخبيثة الخداعة، التي تهرب منها فتتبعك، وتجري خلفها وتطير منك، ألا وهي الدنيا؛ لأنه كثيرا ما ذم الدنيا وتقلباتها لولا ضيق المقام لأوردنا كثيرا مما قاله في ذلك.
فلنعد الآن إلى فن الحريري؛ لنرى ما جاء به متوسطا بين الجانبي؛ ن لنتحقق مصداق (خير الأمور أوساطها)؛ فهو أفضل حتى في باب التكلف؛ فانظر إلى ما قاله عندما خلط بين ما صنعه في الأبيات الأولى والتالية لها، أي بين ترك النقط كلية والتزام التنقيط، فقد أتى هنا بعد كل كلمة غير منقوطة بأخرى منقوطة فسماها الأبيات الأخياف، أي المختلفة، فقال:
اسمح فبَثُّ السماح زين ولا تُخِبْ آملا تضيَّف
ولا تُجِزْ ردّ ذي سؤال فَنَّن أم في السؤال خَفَّف
ولا تظن الدهور تُبقي مال ضَنين ولو تَقشَّف
واحلم فجَفْنُ الكرام يُغضي وصدرهم في العطاء نَفنَف
ولا تَخُن عهد ذي وِداد ثبتٍ ولا تبغ ما تزيّف ii
فأنت ترى كيف جاء هذا الشعر المتكلف سلسا سهلا واضح المعنى قريبا إلى طرق أبواب القلوب بالنسبة لما سبقه، إذن التوسط خير في كل شيء.
ويلاحظ هنا أيضا أن الحريري مال إلى ذم الدنيا والتنفير منها بقوله: "ولا تبغ ما تزيف"، حيث عبر عنها بما يلازمها وهو الدرهم.
وفي النثر أيضا:
مرت بنا هذه الألوان في الشعر؛ إذن لماذا لا يصنع مثل ذلك في النثر أيضا؟ وهذا هو
_________________
(١) i تجنى: اسم امرأة. بتجن: بدلال وتيه. الغنج: هو تكسير الكلام وتخنيثه. يقتضي: يتضمن. تفيض الجفن: سيلان الدموع. غشيتني: أتتني على غفلة. شفتني: انحلت جسمي. بنفث: بلفظ وكلام. الجيب: القلب. نزت: وثبت. النشيج: صوت البكاء. ii مفردات الأبيات: اسمح: جد. بث: نشر. تضيف: طلب منك أن تضيفه. فنن: أتى بالفنون من السؤال. ضنين: بخيل. يفضي: يتغافل. نفنف: واسع. فالنفنف متسع الأرض. ثبت: صادق الود. تزيف: تنقص وصار زائفا. وهو هنا الدرهم الريء المعبر به عن الدنيا.
[ ٣١٢ ]
الذي حدث؛ فلم تفته الفرصة لبيان أو إثبات هذه المقدرة في النثر، وربما زاد عليها كما سنرى من الأمثلة الرمزية التي نسوقها الآن، إذ له رسالتان غير منقوطتين في المقامة الثامنة والعشرين والمقامة التاسعة والعشرين، وأرجو أن تلاحظ معي التزامه السجع والجناس وأحيانا الطباق في الأمثلة التي نوردها لك؛ فإليك بجزء مما ورد في المقامة الأخيرة: (من المنثور غير المنقوط) .
الحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الآلاء، الواسع العطاء، المدعو لحسم الأدواء، مالك الأمم، ومصور الرمم، وأهل السماح والكرم، ومهلك عاد وإرم، أدرك كل سر علمه، ووسع كل مصر حلمه، وعم كل عالم طوله، وهدَّ كل مارد حوله، أحمده حمد موحد مسلم، وأدعوه دعاء مؤمل مسلم، وهو الله لا إله إلا هو الواحد الأحد العادل الصمد،.. إلى أن قال: "وادكروا الحمام وسكرة مصرعه، والرمس وهول مطلعه، واللحد ووحدة مودَعه، والملك وروعة سؤاله، ومطلعه..".
والخطبة طويلة يكفي ما وقفنا عليه الآن، وقد رأيت خلالها تلك الألوان البديعية التي أشرنا إليها، فهي بكاملها لون آخر من الألوان الصورية أو الخطية.
فإلى صورة آخرى للحريري، وهي رسالة أخرى جاء بها بصورة تبادلية: كلمة منقوطة وأخرى خالية من النقط، وهكذا إلى آخرها، وردت في المقامة السادسة.
قال: "الكرم ثبت الله جيش سعودك يزين، واللؤم غض الدهر جفن حسودك يشين، والأروع يثيب، والمعور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف، والسمح يغذى، والمحك يقذى، والعطاء ينجي، والمطل يثجي، والدعاء يقي، والمدح ينقي، والحر يجزي، والإلطاط يخزي، وانطراح ذي الحرمة غي، ومحرمة بني الآمال بغي " هكذا إلى أن فرغ منها بهذه الصورة المعقدة المتكلفة، فهي كما ترى أشد تعقيدا من القصيدة المماثلة لها في اللون، يبدو أن المهم هو إبداء المقدرة على التشكيل والله أعلم.
[ ٣١٣ ]