التعريف اصطلاحًا:
عرفنا في المقدمة أن التعريض طريقة من الكلام أَخفى من الكنايةِ فلا يشترط في التعريض لزوم ذهني، ولا مصاحبةٌ، ولا مُلابسة ما بين الكلام وما يُرادُ الدّلالة به عليه، إنّما قد تكفي فيه قرائن الحال، وما يفهم ذهنًا بها من توجيه الكلام، وبهذا يظهر الفرق بين الكناية والتعريض.
وقد يُراد بالتعريض المعنى الحقيقي للكلام، وقد لا يراد، فهو قسمان.
المعنى اللغويّ:
التعريض في اللّغة: أن تقول كلامًا لا تُصرّح فيه بمرادكَ منه، لكنّه قد يشير إليه إشارة خفيّةً، ويُمْكِنُك أن تتهرَّبَ من التزام ما أشرتَ به إليه إذا صِرْت مُحْرَجًا.
يقال لغة: عرّض لي فلانٌ تعريضًا: أي: قال فلم يُبَيِّن بصراحة اللفظ.
أَعْراضُ الكلام ومَعَارِضُهُ ومعاريضُه: كلامٌ غير ظاهر الدلالة على المراد، وفي الحديث: "إنَّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب" أي: فيها سعة يتخلّص بها المتحدّث من الكذب إذا لم يرد التصريح.
والتعريض في خطبة المرأة: أنْ يتكلّم الخاطب بكلام يشبه خطبتها دون تصريح.
وقد يكون التعريض بضرب الأمثال وذكر الألغاز في جملة المقال.
[ ٢ / ١٥٢ ]
ويقول الناس بشأن التعريض: إيّاكِ أعني، واسْمَعِي يا جارة.
فما يدور حوله المعنى اللّغويُّ قريب جدًّا من المعنى الذي ذكره البيانيّون للتعريض، أو إنّ المعنى الاصطلاحي مأخوذٌ من المعنى اللّغويّ بزيادة شيء من التحليل.
الشرح التحليلي مع الأمثلة:
* قد يتوسَّل الإِنسان بالتعريض العملي لدلالة حاله:
فقد يلبس الفقير المحتاج ثيابًا مقطّعة، أو مرقّعة، دون أنْ يقول شيئًا، تعريضًا بأنّه من مستحِقّي الزكاة، ويكتفي بدلالة الحال عن دلالة المقال، فيراه المتصدّقون فيبذلون له من زكوات أموالهم.
وكان يأتي بعضُ أصحاب الرسول ﷺ في بعض الغزوات وقد ربط كلُّ منهم على بطنه حجرًا، تعريضًا بأن الجوع قد بلغ منه مبلغًا شديدًا، فيكشف الرسولُ لهم عن بطنه، فيرون أنّه قد ربط حجرين.
وربّما حمل الْعُضْو في حزب من الأحزاب أو منظمة من المنظمات شعار الحزب أو المنظمة، تعريضًا بأنّه عضوٌ في ذلك الحزب، أو تلك المنظمة.
وربّما خرج البخيل من بيته وهو يخلّل أسنانه، تعريضًا بأنّه قد أكَلَ هو وأهله اللَّحم الكثير، وقد يكون الواقع بخلاف ذلك.
ونظير هذا التعريض العملي يكون التعريضُ في الكلام.
* فقد يقول الشابّ الراغب في الزواج لوالديه: ابنة عمّي صارت ناضجة ومناسبةً لمن يخطبُها، تعريضًا بأنّه يريد أن يتزوّج ولا مانع لديه من خطبتها له.
ويقول من يرى نظراتِ كيْدٍ وعداءٍ ممّن هو نِدٌّ له: جاءني اليوم بعض المنافسين وتطاوَلَ عليّ ببعض القول، فسلّطتُ عليه بعض رجالي، فأمطروهُ ضربًا
[ ٢ / ١٥٣ ]
ولَكْمًا حتّى غاب عن وعيه، ولمّا علم أهله بأمره جاءوا فحملوهُ مريضًا يئنُّ من الألم، تعريضًا للمخاطب بأنّه إذا أراد التطاول عليه أنزل به مثل ذلك، فهو ذو عزوة وأنصار وقُدْرَة.
ويقول طالب وظيفة ذات راتب في الدولة، بحضور من يملك توظيفه، أو باستطاعته أن يتوسط له لدى من يملك توظيفه:
أنا لا عمل عندي أكسب منه مالًا، وعندي من المؤهلات كذا، وعندي أسرة من خمسة أشخاص أنا مسؤول عن إعالتهم، تعريضًا بأن يوظفه أو يتوسط له.
فالتعريض فنٌّ من فُنون القول غير المباشر يُعْتَمَدُ فيه غالبًا على قرائن الحال لاَ على قرائن المقال، والتعريضُ - كما سبق - أخفى من الكناية، لأنّ الكناية لا تقتصر قرائنها على قرائن الحال، بل لها من قرائن المقال ما يَدُلُّ على المراد بها.
***
الأغراض البلاغية لاستخدام التعريض:
قد يتحقق باستخدام التعريض أغراض بلاغيةٌ تشبه الأغراض البلاغيَّة التي تتحقق باستخدام الكناية، وهي التي سبق بيانها في بحث الكناية، دون حصر.
وفي التعريض مزيد إخفاء يجعلُهُ أكثر قولًا حينما يكون التصريح مثيرًا لغضبٍ، أو نقدٍ، أو اتّهام، أو عَذْلٍ وتَلْوِيم، أو يكشف أمرًا يجب سَتْرُه عن الرُّقباء، فيقوم التعريض مقام الإِلغاز والرَّمْزِ الخفيّ، وما يُسمَّى في اصطلاح الجيوش "الشيفرة".
أمثلة:
المثال الأول: قول الله ﷿ في سورة (الزمر/ ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول) خطابًا لرسوله:
[ ٢ / ١٥٤ ]
﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ [الآية: ٦٥] .
من المعلوم في أصول الدين أنّ الرَّسُولَ الّذِي يصطفيه الله لتبليغ رسالته للناس، لا بدّ أن يكون معصومًا عن أن يشرك بالله شيئًا، فقول الله للرسول محمّد ﷺ ولكل رسول اصطفاه الله من قبله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ هو خطابٌ بصريح العبارة للرّسول، وهُوَ تَعْرِيضُ لكِلّ من آمَنَ به واتّبَعَهُ أنْ يَحْذَروا من الشِّرْكِ لئلاَّ تحبَطَ أَعْمالُهُمْ ويكونوا من الخاسرين.
هذا التعريضُ أبْلَغُ منْ مواجَهة غير الرسول بصريح الخطاب، وذلك لأنّ الرسول إذا كان لا يَمْلك لنفسه عند ربّه الحماية من أن يَحْبَطَ عملُه ويكونَ من الخاسِرِين إذا أشرك، وهو ذو المكانة العالية عند ربّه والمحظوظ بالاصطفاء، فكيف يكون حال سائر الناس ليس لهم عند ربّهم مثل ذلك.
وهذا نظير من يُهدِّدُ ولَدَه بالعقاب الشديد إذا كسَر له شيئًا من تُحف قَصْرِه، أمَامَ أولاد الآخرين، وكان قد حذّر كلّ من يكْسِرُ له شيئًا منها بالعقاب الشديد، وهو قادر على تنفيذ عقوباته.
إنَّهم يدركون أنّ عقابهم سيكون أشدّ وأقسَى إذا فعلوا ما نَهَى عنه، وحذّر من الاقتراب منه.
المثال الثاني: ما جاء في القرآن من نحو قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلباب - وليَذَّكَّر أُولوا الألْبَاب - وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَاب - كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - إِنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ .
في هذه النُّصوص تعريض بالكافرين الذين لا ينتفعون من آيات الله في كونه، وآياته في بياناته، بأنّهم لا ألباب لهم، وبأنّهم لا يتفكّرون، وبأنّهم لا يفقهون، دون أن تكون هذه المعاني منصوصًا عليها، لكنّها تُفْهَمُ إلماحًا.
[ ٢ / ١٥٥ ]
المثال الثالث: قول الله ﷿ في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول):
﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [الآية: ٨١] .
إنّ عبارة: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ لم يُقْصَدْ مِنْها إعْلاَمُ المنافقين المخلَّفِينَ عن رسول الله في غزوة تبوك، بأنَّ نار جهنَّمَ أشَد حَرًّا من حرارة الفصل الصيفي الذي خرج فيه الرسول والمؤمنون إلى غزوة تبوك، فهذا أَمْرٌ واضحٌ، لكنّ المقصود التعريض بأَنَّ هؤلاء المنافقين هم من أهل جهَنَّمَ الّتِي تَكْويهم بحرّها يوم الدين.
المثال الرابع: دُعَاءُ مُوسَى ﵇ عند ماء مَدْيَنَ إذْ خرج من مصر خائفًا يترّقَّبُ، وهو ما جاء بيانه في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول):
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امرأتين تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فسقى لَهُمَا ثُمَّ تولى إِلَى الظل فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [الآيات: ٢٣ - ٢٤] .
نُلاحظ في دعاء موسَى ﵇ بقوله: "رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" احتمال التعريض بحاجته إلى المأوى والرزق والزوجة، ورأى أنّ الله قد ساق له مقدّمات ما هو بحاجة إليه، فقال: "رَبِّ إِنّي لِمَا أَنْزَلْتَ" بصيغة الفعل الماضي، ولم يَقُل: لما سَتُنْزِل، إذْ شَعَر أَنّ بشائر ما هو مفتقر له قد ظهرت بفرحة المرأتين به لمَّا سقَى لهما، وعَلِمَ أنّ أباهما شيخٌ كبير يحتاج إلى معين رجل.
لذلك جاء في النصّ بعد حكاية دُعائه قول الله تعالى: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحيآء﴾ فدلّت الفاء العاطفة على الترتيب مع التعقيب، وفي هذا إشعارٌ بأنّ الله استجاب له دُعاءه الذي دَعا به تعريضًا لاَ تصريحًا.
[ ٢ / ١٥٦ ]
وتضمَّنَت القصّة بعد ذلك تحقيق ما هو مفتقر إليه، فأوى عند أبيهما الشيخ الكبير، وأصاب رزقًا، وزوجةً صالحة.
المثال الخامس: قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس ﴾ [الآية: ٢٥٣] .
ففي عبارة: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ تَعْرِيضٌ بارْتفاعِ مُحَمّد خاتم الرُّسُلِ دَرَجَاتٍ على سائر الرُّسل، ولمْ يَأْتِ هذا البيان بعبارةٍ صريحةٍ فيها نصٌّ على ارتفاع منزلته فوق سائر الأنبياء والمرسَلِين تعليمًا للمسلمين أن يتأدّبوا مع جميع الرُّسل ولا يَتَّخِذُ من أفضليّة محمّد ﷺ ذريعةً للتنافُسِ والتفاخُرِ به على سائر الأمم، فمثل هذا قد يولّد شقاقًا، ويَصُدُّ أتباع الرسُل السابقين عن اتّباع محمّد خاتم المرسلين، ولعامّة الناس في تعبيراتهم الدّارجات والمبتكرات تعبيراتٌ هي من أمثلة التعريض، وهي كثيرة.
* سمعت أحدهم يقول لآخر: "كلّ عضَّة بغصّة يا سفرجل" تعريضًا بأنّه صَعْبٌ عَسِر. فرَدّ عليه بقوله: "كلّ عضّة بشوكة يا صبّارة" الصبارة هي "التين الشوكي في مصر - والبرشومي في الحجاز" تعريضًا بصفاته الشائكة.
* وفي عهد أحد الانقلابيين الذين تَسَلَّموا سدّة الحكم في سورية، وكان من مدينة حماة، ترامَى للنّاس أنّ نهاية عهده قاربت، وكان الموسم موسِمَ قُرْبِ انتهاء المشمش الحموي، فصار باعَةُ هذه الثمرة ينادون عليها في الأسواق: "خلصت أيامك يا حموي - قربت أيامك يا حموي" تعريضًا بانتهاء سلطة الحاكم الانقلابي الذي هو من حماه.
* ويتشاتم البيض والسُّود بمعاريض الأقوال، فيقول البيض تعريضًا بالسّود
[ ٢ / ١٥٧ ]
"باذنجان كيس كبير برط شعير" فيقول السّود تعريضًا بالبيض: "قرع كثير، كبير وصغير، خمس أكْيَاس بكفّ شعير".
وتَسْمَع من الظُّرَفاء طرائف كثيرة تشتمل على أمثلة كثيرة من أمثلة التعريض، وتُسْتَخْدَمُ فيها الأمثال الدارجة بين الناس.
***
[ ٢ / ١٥٨ ]