الحمد لله ربّ العالمين الذي أتقن كلّ شيءٍ صنعًا، وفطر النفوس على حبّ الجمال، وزيّن ما خلَقَ بزيناتٍ روائعَ تميلُ إليها النفوس، وتأنَسُ بها وترتاح إليها، وهي تدلُّ عَلى إبداع خالقها وإرادته الحكيمة، في كلّ ما خلق من ظواهر وبواطن.
هو الذي أنزل كتابَهُ القرآن معجزًا، وآيةً عظيمةً تدلُّ علَيْه، ومن إعجازه ما فيه من جمالٍ بيانيّ وبلاغةٍ رائعة لا ترقى إلى مِثْلها بلاغَةُ جميع البلغاء، ولا فصاحة جميعِ الفصحاء.
والصلاة والسلام على رسُولِنا محمّدٍ خاتم النبيّين والمرسلين، وإمامهم، مَنْ خَصَّه الله بالدّينِ الخاتم، والكتاب الخاتم المعجز، فأنزلَهُ عليه مُتكَفِّلًا بحفظهِ مِنَ التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، بقَصْدٍ أو نسيان، فهيّأ له من وسائلِ الحفظِ ما جَعَلهُ باقيًا كما أنْزَلَهُ في السُّطُور والصُّدور وأدواتِ التسجيل الصوتي.
وبعدُ:
فخدمةً للقرآن كتاب الله المجيد، وحرصًا على إبراز بعض جوانب إعجازه البيانيّ، اجتهد علماء المسلمين بحثًا، وتَنْقِيبًا واستخراجًا، حتَّى وَضَعُوا علوم البلاغة الثلاثة: "المعاني - والبيان - والبديع" وما يزال الباحثُون يَبْحَثُون
[ ١ / ٥ ]
ويستَخْرِجون ويكْتَشِفُون مِن عناصر إعجاز القرآن البياني ما لم يكتشِفْهُ السّابقون.
على أنّ كتاب الله ﷿ أوسَعُ من أن يُحْصِيَ كُلَّ عناصرِ إعجازه البياني الباحثون والمستخرجون والمكتشفون، مهما اجتهدوا ونقَّبُوا، لأنّ كثيرًا من عناصر الجمالِ تُدْرَكُ بالحسّ الجماليّ ولا يُسْتطاعُ تحديدُها والتعبيرُ عنها ولا اكتشافُ عناصِرِها.
وسيظهر في كلّ عَصْرٍ من جوانب إعجاز القرآن البياني روائع ما توصَّلَ السّابقون إلى اكْتشافها واستخراجها، فَهُو كتاب لا تفنى عجائبُهُ، ولا يَخْلَقُ عَلى كثْرةِ الرَّدّ، كَما جاء وصفُهُ في كلام الرسول ﷺ.
وقد فتح الله عليّ بجملة طرائف ولطائف هي من عناصر إعجاز القرآن البياني، أردتُ أن أضيفها إلَى علوم البلاغة التي استقرّت منذ قرون على هَيْكلٍ لم يَدْخُلْهُ من الإِضافات والتعديلات إلاَّ القليل، وبعضُ التطبيقات من الأمثلة.
وفتح الله على غيري من الباحثين متناثرات تَتّصِل بموضوع إعجاز القرآن البياني، ويَحْسُنُ أن تُضافَ إلى علوم البلاغة، كظاهرة التصوير الفنّي الّتي اهتدى إليها المرحوم "سيّد قطب" وكالْبُحوث الطيّبة حول القصّة القرآنيّة الّتي نجدها لدى عدد من الباحثين المعاصرين.
فعزمْتُ مستعينًا بالله العزيز الحميد الوهّاب أنْ أجْمَعَ ما انتهى إليه السّابقون من علوم البلاغة، محاولًا التذليلَ والانتقاءَ واستيعابَ الأمّهاتِ والْمُهِمّات، متجاوزًا التفصيلاتِ التي لا تُكسِبُ مَلَكَةَ تَذَوُّقِ الجمال البياني، والّتي دخلت في علوم البلاغة بتأثير الدراسات المنطِقيَّةِ والرّياضيّةِ العقليّة الصِّرْف، ومتجاوزًا الإِجراءات التي تُشبه التحليل الكيميائي في معامل الكيمياء، والتي تفقد النصّ روعته الجماليّة، كأنواعِ الاستعارات في الفعلِ والحرف وإجراءاتها، وأشباه ذلك.
وأرجو أن أُوَفّق لتحقيق ما عزمْتُ عليه من تقريب علوم البلاغة وفُنُونِها
[ ١ / ٦ ]
للأجيال المعاصرة من ناطقي اللّغة العربية، بالأُسلوب الذي يُسَهِّلُ عليهم فَهْمَها، ويُيَسِّرُ لهم تَطْبيق قواعدها على الأمثلة من القرآن، وأقوال الرسول، وغيرهما من نَثْرِ وشِعْرِ البلغاء، ويُشجّعُهم على أن يقتدوا في بيانهم بالنماذج الرفيعة من النُّصوصِ البليغة، وأن يبتكروا أشياء بديعةً تهديهم إليها الفطرة الرّبّانيّة، بما أوْدع الله فيما خَلَقَ وفيما أنزل من جمال، وبما أودع فيهم من حِسٍّ جماليّ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلَّى الله وسلم على سيّد البلغاء من الناس مُحمّدِ بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
عبْدالرحمن حسن حَبَنَّكة الميْداني
مكة المكرمة فى ٩/٤/١٤١٤هـ
٢٥/٩/١٩٩٣م
[ ١ / ٧ ]