نشأ أبو الفتح نصر الله بن الأثير بجزيرة ابن عمر، ثم انتقل مع والده إلى الموصل، وبها اشتغل بحفظ القرآن الكريم وتحصيل العلوم، فحفظ القرآن، وكثيرا من الأحاديث النبوية، وطرفا صالحا من النحو واللغة وعلم البيان، وشيئا كثيرا من الشعر قديمه وحديثه.
ولما كملت له الأدوات قصد في شهر ربيع الأول من عام سبع وثمانين وخمسمائة جناب السلطان الملك الناصر أبي المظفر صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيّوب بن شادي بن مروان؛ فاستعان بالقاضي الفاضل أبي علي عبد الرحيم بن علي بن محمد بن حسن اللخميّ البيسانيّ «١»، وهو يومئذ آثر الناس عند صلاح الدين؛ فوصله القاضي بخدمة صلاح الدين في جمادى الآخرة من العام نفسه، ولم تطل به الإقامة في خدمة صلاح الدين، حتى أرسل الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى أبيه صلاح الدين، يطلب أن يرسل إليه ابن الأثير، فخيّره صلاح الدين بين أن يقيم في خدمته وأن ينتقل إلى خدمة ولده نور الدين؛ فاختار أن ينتقل إلى خدمة نور الدين، فمضى إليه في شوال من العام نفسه، وهو يومئذ شاب لم يكمل العقد الثالث من عمره؛ فاستوزره الملك الأفضل، وحسنت حالته عنده.
[ ١ / ١٢ ]
ولما خلص للملك الأفضل ملك دمشق بعد وفاة أبيه: «استقلّ ضياء الدين بن الأثير بالوزراة، وردّت أمور الناس إليه، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه» «١» فأساء ضياء الدين السيرة ويقول ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة «٢» . إنه: «شغف قلوب الجند إلى مصر حتى ساروا إليها فلقيهم الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح الدين، وأكرم مثواهم»: «ولما انفصل الجند عن دمشق فوّض الملك الأفضل أمر الدولة إلى وزيره ابن الأثير وحاجبه الجمال محاسن ابن العجمي، ولم يكن أحدهما أحسن سياسة من الآخر، فأفسدا عليه الأحوال وكانا سببا في زوال دولته» «٣»، ويقال «٤»: «إن أهل البلاد حينما خرج الأفضل هموا بقتل ضياء الدين بن الأثير، وإن الحاجب ابن العجمي أخرجه مستخفيا في صندوق مقفل عليه، ثم صار إليه وصحبه إلى مصر»؛ ويقال: «إن الملك الأفضل حينما عاد إلى البلاد الشرقية طلب إلى ضياء الدين أن يخرج معه ليعود إلى خدمته، فلم يقبل ذلك لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا يقصدونه» . ولما استقرّ الملك الأفضل في سميساط عاد إلى خدمته، ولكنه لم يطل مقامه عنده، وما عتم أن فارقه، واتصل بخدمة الملك الظاهر غازي صاحب حلب، وهو أخو الملك الأفضل، ولم يطل مقامه عنده أيضا، ولا انتظم أمره، فعاد إلى الموصل، فلم يستقم حاله أيضا، فترك الموصل إلى إربل، ثم فارقها إلى سنجار، ثم عاد إلى الموصل واتخذها دار إقامته وكتب الإنشاء لصاحبها ناصر الدين محمود ابن الملك القاهر عزّ الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه. ويقول تقيّ الدين أحمد بن علي المقريزي في كتاب السلوك «٥»: «واستوزر الأفضل الوزير ضياء الدين نصر الله بن محمد بن الأثير، وفوض إليه أموره كلها؛ فحسّن له طرد أمراء أبيه وأكابر أصحابه، وأن يستجدّ أمراء غيرهم؛ ففارقه جماعة منهم الأمير فخر الدين جهاركس، وفارس الدين ميمون القصري،
[ ١ / ١٣ ]
وشمس الدين سنقر الكبير، وكانوا عظماء الدولة. فصاروا إلى الملك العزيز بالقاهرة فأكرمهم، وولي فخر الدين أستا داره وفوّض إليه أمره؛ وجعل فارس الدين وشمس الدين على صيداء وأعمالها، وكان ذلك لهما، وزادهما نابلس وبلادها؛ وسار القاضي الفاضل أيضا من دمشق ولحق بالقاهرة، فخرج العزيز إلى لقائه، وأجلّ قدومه وأكرمه، فشرع القوم في تقرير قواعد ملك العزيز، والأفضل في شغل عنهم»، ويقول أيضا: إنه في سنة ٥٩٠ تسعين وخمسمائة قويت الوحشة بين العزيز وأخيه الأفضل، وتنافرت القلوب، واضطربت أحوال الأفضل، وخرج العزيز من القاهرة بعساكر مصر يريد الشام لينتزعها من أخيه الأفضل، «وهمّ الأفضل بمراسلة أخيه العزيز واستعطافه؛ فمنعه من ذلك وزيره ابن الأثير وعدة من أصحابه، وحسّنوا له محاربته» «١»، ويقول أيضا «٢»: «وفي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وصل الملك الأفضل إلى دمشق، وتفرقت العساكر إلى بلادها، ولزم الأفضل الزهد، وأقبل على العبادة. وصارت أمور الدولة بأسرها مفوضة إلى وزيره ضياء الدين بن الأثير، فاختلت به الأحوال غاية الاختلال، وكثر شاكوه» .
ومؤرخو هذا العصر مجمعون على أن ضياء الدين بن الأثير كان في وزارته سيىء السيرة مع رجال الدولة، وأن أحوال السلطنة كانت تسوء بسببه، ونحن نأخذ عليه أمرين: أحدهما: أنه كان يحاول الإيقاع بين الملك الأفضل وأخيه العزيز صاحب مصر، وكلما هم الأفضل بالاتّفاق مع أخيه وإعادة الصفاء بينهما اجتهد ضياء الدين في تنفيره وإبقاء الجفاء، مع ما كانت تتطلبه حال المسلمين في ذلك الوقت من اتحاد الكلمة واجتماع الشمل؛ إذ كان الصليبيون في نزاع دائم معهم وكانوا يهتبلون فرصة انقسامهم واختلافهم ليغيروا على البلاد وينتقصوها من أطرافها؛ والأمر الثاني: أنه كان سببا في إغضاب القاضي الفاضل وخروجه من دمشق إلى مصر، مع أن القاضي هو الذي قرّبه من الملوك وفتح له باب الاتّصال بصلاح الدين على ما سبق بيانه.
[ ١ / ١٤ ]
ولسنا ندري أكان ذلك راجعا إلى المحيط الذي كان يعيش فيه ضياء الدين، وهو محيط مضطرب دائم الاصطخاب كثير المنازعات والمشاكل، أم كان يرجع إلى خلق فيه؛ فإنا نلمح في كتابته آثار الكبرياء والصلف والاعتداد بالنفس، وهذا خلق ينأى بصاحبه كثيرا عن الحكمة والاتزان والنظر إلى الأمور بعين الإنصاف ووزنها بميزان الروية والعقل.