يحذف المسند إليه لأغراض نذكر منها ما يلي:
١- الاحتراز عن العبث بذكره، "في ظاهر الأمر" لدلالة القرينة عليه، وينبغي أن يصان كلام البليغ عن العبث، مثال ذلك أن تقول: "حضر" تريد "الأمير" فتحذف المسند إليه، وهو "الأمير" قصدًا إلى التحرز عن العبث في ذكره لقيام القرينة الدالة، وإنما كان العبث ظاهريًا لأن الحقيقة أن لا عبث في ذكره، وإن قامت عليه قرائن، لأن المسند إليه -كما قلنا- أعظم ركني الإسناد إذ هو المحكوم عليه، فلا يكتفى فيه بالقرينة، بل ينبغي مع ذلك أن ينص عليه اهتمامًا بأمره.
٢- ضيق المقام عن إطالة الكلام، بسبب سآمة، أو توجع، أو تحزن كقول الشاعر:
قال لي كيف أنت قلت عليل سهر دائم وحزن طويل
لم يقل: أنا عليل لضيق صدره عن الإطالة بسبب ما يعانيه من تباريح الهوى، ولواعج الشوق.
٣- الحذر من فوات الفرصة: كأن يقول رجل لصائد: "غزال" يريد: هذا غزال، فيحذف المسند إليه، وهو "هذا" مخافة أن تفوت الفرصة، فيفلت الصيد من يد الصائد.
٤- اختبار تنبه السامع عند قيام القرينة على المسند إليه: هل يتنبه له بهذه القرينة الدالة، أو لا يتنبه إلا بالتصريح، مثال ذلك: أن يحضر إليك رجلان تربطك بأحدهما صداقة، فتقول لآخر يعلم بهذه الصلة: "غادر" تريد أن تقول: الصديق غادر، فتحذف المسند إليه، وهو "الصديق" اختبارًا لذكاء السامع: هل يتنبه إلى المسند إليه المحذوف وهو "الصديق" بقرينة ذكر الغدر" إذ لا يتناسب إلا الصديق، أو لا ينتبه.
٥- اختبار مقدار تنبه السامع عند قيام قرينة خفية على المسند إليه، هل يتنبه بالقرائن الخفية أم لا؟ مثال ذلك أن يحضرك شخصان تجمعك بهما صداقة، غير أن أحدهما أقدم من الآخر فيها، فتقول لآخر يعلم هذه الصداقة: "جدير بالاحترام" تريد: أقدمهما صحبة، وهو "محمد" مثلًا، فتحذفه اختبارًا لمبلغ ذكاء السامع هل يتنبه لهذا المحذوف بهذه القرينة الخفية، وهي أن الجدير بالاحترام ذو الصداقة القديمة، دون حادثها، أم لا ينتبه.
٦- إيهام١ صون المسند إليه عن لسانك من أن يتلوث بنجاسة بمروره عليه لكونه عظيمًا خطيرًا، أو إيهام صون لسانك عنه لحقارته وامتهانه، فالأول نحو قولك: "رافع راية التوحيد، هادم دعائم الشرك" تريد النبي ﷺ، فتحذفه مخافة أن يتلوث من لسانك، والثاني نحو قولك: "مخذول مطرود" تريد إبليس اللعين فتحذفه لئلا يتلوث اللسان بذكره.
_________________
(١) ١ إنما عبر بالإيهام، لأن التلوث المراد صون الذكر أو اللسان عنه أمر اعتباري محض.
[ ٢ / ٢١ ]
٧- تأتي الأذكار عند الحاجة إليه: كأن يحضر إليه جماعة من بينهم خصم لك، فتقول لآخر: "لئيم فاجر" تريد هذا الخصم، فتترك ذكر اسمه ليتأتى لك الإنكار عند لومه لك على سبه، فتقول له: ما عنيتك، وإنما، أردت غيرك.
٨- تعيين المسند إليه؛ إما لأن المسند لا يصلح إلا له لأن المسند كامل فيه، وإما لأنه معهود بين المتكلم والمخاطب، فمثال الأول قولك: "عالم الغيب والشهادة" تريد: الله "سبحانه" فتحذفه لتعينه، إذ إن علم الغيب والشهادة وصف خاص به تعالى، ومثال الثاني قولك: "عادل في حكومته" تريد عمر الفاروق، فتحذفه لتعينه، لأن صفة العدالة بلغت فيه الكمال، ومثال الثالث قولك: "حضر" تريد: إنسانًا معهودًا بينك وبين مخاطبك.
٩- ادعاء تعينه كقولك: "وهاب الألوف" تريد: "الأمير" فتحذفه لتعينه ادعاء، وأنه لا يتصف بذلك أحد غيره من رعاياه.
١٠- المحافظة على وزن، أو سجع، أو قافية، مثال الأول قول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا علي ولا ليا
أي لا علي شيء، ولا لي شيء، حذف المسند إليه فيهما وهو لفظ "شيء" لأن في ذكره إفسادًا لوزن البيت. ومثال الثاني قولهم: "من كرم أصله وصل حبله" أي وصل الناس حبله، فحذف المسند إليه١، وهو "الناس" محافظة على السجع المستلزم رفع الفاصلة٢ من الفقرة الثانية، وهي قوله: "حبله" ومثال الثالث قول الشاعر:
وما المرء والأهلون إلا ودائع ولا بد يومًا أن ترد الودائع
أي أن يرد الناس الودائع، فحذف المسند إليه، وهو "الناس" للمحافظة على القافية، ولولا ذلك لاختلفت لصيرورتها مرفوعة "في الشطر الأول" منصوبة "في الشطر الثاني".
١١- اتباع الاستعمال الوارد على ترك المسند إليه كقولهم في المثل
_________________
(١) ١ المراد: المسند إليه الأصلي الذي هو الفاعل، وهذا لا ينافي أن نائب الفاعل مسندًا إليه أيضًا. ٢ هي الكلمة الأخيرة من جملة مقارنة لأخرى.
[ ٢ / ٢٢ ]
رمية من غير رام١ أي هي رمية موفقة ممن لا يحسن الرمي المسند إليه وهو "الضمير" اتباعًا لما ورد في استعمالاتهم.
ومنه قولهم في النعت المقطوع إلى الرفع، لقصد إنشاء المدح أو الذم أو الترحم. "الحمد لله أهل الحمد"، "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، "اللهم ارحم عبدك المسكين"، على تقدير: هو أهل الحمد، وهو الرجيم، وهو المسكين. ومن هذا القبيل قول ابن عنقاء، يمدح عميلة، وقد شاطره ماله لفقره٢:
رآني عي ما بي عميلة فاشتكى إلى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم علي حين لا بدو يرجى ولا حضر
غلام رماه الله بالخير يافعًا له سيمياء لا تشق على البصر٢
أي هو غلام، ومثله قول الشاعر٤:
_________________
(١) ١ مثل يضرب لمن صدر منه فعل ليس هو أهلًا لأن يصدر عنه، قاله الحكم بن يغوث حين نذر أن يذبح مهاة على "الغبغب"، وهو جبل يمنى وكان من أرمى الناس فصار كلما رمى مهاة لا يصيبها، مكث على ذلك أيامًا حتى كاد يقتل نفسه، فخرج معه ابنه "مطعم" إلى الصيد فرمى الحكم مهاتين فأخطأهما، فلما عرضت الثالثة رماها "مطعم" فأصابها وكان لا يحسن الرمي فقال الحكم عندئذ: "رمية من غير رام" فصار مثلًا. ٢ قال التبريزي في خبر هذه الأبيات: إن قومًا من العرب أغاروا على نعم له فاستاقوها حتى لم يبق له منها شيء، فأتى ابن أخيه عميلة وقال له: يابن أخي نزل بي ما ترى فهل من حلوبة؟ قال: نعم يا عم حين إذ يراح المال فأبلغ مرادك منه، فلما راح المال قاسمه إياه وأعطاه شطره، فقال ابن عنقاء هذه الأبيات. ٣ اشتكى حاله إلى ماله، كناية عن أنه رق له وعطف، وهو من أروع الكنايات وألطفها، وقوله: أسر كما جهر يريد: أن باطنه كظاهره فلم يعطه رياء بل كان عطفه عليه وليد رغبة صادقة فيه، ويافعًا من أيفع الغلام إذا ناهز العشرين والسيمياء العلامة يريد، أن سيمياء في وجهه وأن ما ينطوي عليه من خير يدرك بمجرد النظر إليه. ٤ هو عمرو بن كميل نظر إليه عمرو بن ذكوان وعليه جبة بلا قميص فجعل يسعى له ويتشفع حتى ولي البصرة، فقال هذه الأبيات، وقيل: إن قائل هذه الأبيات أبو الأسود يمدح بها عمرو بن سعيد العاصي.
[ ٢ / ٢٣ ]
سأشكر عمرًا ما تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها فكانت قذى عينيه حتى تجلت١
أي هو فتى، وهكذا يذكرون الممدوح، ثم يعقبون بعد ذلك بقولهم غلام من شأنه كذا وكذا أو فتى من صفاته كيت وكيت، ولا تكاد تجد المسند إليه يذكر في مثل هذه المواضع لهذا ترك ذكره فيها، وفي نظائرها اتباعًا لاستعمالاتهم الواردة.
إلى غير ذلك من دواعي الحذف كإخفاء المسند إليه عن غير المخاطب لسبب ما كالخوف منه، أو عليه، أو نحو ذلك.
_________________
(١) ١ ما تراخت منيتي: أي ما امتد بي الأجل، أي ما حييت، والأيادي جمع اليد بمعنى العطية، ولم تمنن: أي متصلة لم تنقطع، وقوله: غير محجوب الغنى عن صديقه، يريد أن أمواله في متناول أيدي قاصديه، وقوله: ولا مظهر الشكوى إلخ: يريد أنه لجد صبور على قضاء الله لا يجزع لمكروه.
[ ٢ / ٢٤ ]