المبحث الخامس: في الكناية
تعريفها: هي في اللغة: أن تتكلم بالشيء، وتريد غيره، وهي مصدر كنيت بكذا عن كذا، إذا تركت التصريح به وبابه رمى يرمي. وورد "كنوت" بكذا عن كذا، من باب "دعا يدعو". وقد أنشد الجوهري:
وإني لأكنو عن قدور بغيرها وأعرب أحيانًا بها وأصارح
ومعناها اصطلاحًا: لفظ أطلق، وأريد به لازم معناه الحقيقي، مع قرينة غير مانعة من إرادة هذا المعنى، كما تقول: محمد طويل النجاد١، فالمعنى الحقيقي لهذا اللفظ: هو أن نجاد محمد طويلة وليس هذا مرادًا، إنما المراد لازم هذا المعنى وهو أن محمدًا طويل القامة؛ إذ يلزم عادة من طول النجاد أن تكون القامة طويلة، ويصح مع هذا إرادة المعنى الحقيقي أيضًا بأن يراد المعنيان معًا -طول النجاد، وطول القامة- وبهذا:
تخالف الكناية المجاز؛ ذلك أن قرينة المجاز مانعة من إرادة المعنى الحقيقي "كما عرفت" من أن نحو: "كلمني أسد" لا يجوز أن يراد منه الحيوان المفترس؛ لأن فيه قرينة تمنع من ذلك، وهو "كلمني" إذ إن الكلام من شأن الإنسان لا من شأن الأسود، أما قرينة الكناية فغير مانعة "كما رأيت".
تنبيه:
ليس بلازم في الكناية أن يكون المعنى الحقيقي للفظ المكنى به متحققًا في الواقع؛ إذ يصح أن تقول: "فلان طويل النجاد" كناية عن طول القامة، وإن
_________________
(١) ١ ما يوضع على العاتق من حمائل السيف.
[ ١ / ١٤٩ ]
لم يكن له نجاد بل تصح الكناية حتى مع استحالة المعنى الحقيقي، كما في قولهم: "المجد بين برديه، والكرم تحت ردائه" كناية عن إثبات المجد والكرم للمدوح، فإن المعنى الحقيقي للفظ المذكور وهو حلول المجد بين البردين والكرم تحت الرداء مستحيل الحصول؛ إذ إن الحلول الحسي بين الأشياء أو تحتها من شأن الأجسام لا المعاني. وكما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كناية عن الاستيلاء والسيطرة، فإن المعنى الحقيقي للاستواء هو "الجلوس" وذلك مستحيل على الله سبحانه. ومن هنا يعلم أن الشرط في الكناية جواز إرادة المعنى الحقيقي، لا إرادته بالفعل لامتناع إرادته فيما ذكرنا ا. هـ.
[ ١ / ١٥٠ ]