فروق في الحال لها فضلُ تعلّقٍ بالبلاغة:
الحال، ومجيئها جملة مع الواو تارة، وبغير الواو تارة:
٢٢٦ - إِعْلَمْ أنَّ أوَّل فرْقٍ في الحال أّنَّها تَجيءُ مفردًا وجملةً، والقصْدُ ههنا إلى الجملة.
وأوَّلُ ما ينبغي أنْ يُضْبَطَ مِن أمِرها أَنَّها تجيءُ تارةً معَ "الواو" وأُخْرى بغيرِ "الواو"، فمثالُ مَجيئها معَ الواو قولك: "أتاني وعليه ثوب ديباج"، و"رأيته وعلى كتفه سيف"، و"لقيت الأمير والجند حواليه"١، و"جاءني زيدٌ وهو متقلِّدٌ سيفَه" ومثالُ مَجيئها بغيرِ "واو": "جاءني زيدٌ يَسعى غلامُه بين يَدَيْه" و"أتاني عمرو يَقودُ فَرَسه"، وفي تمييزِ ما يقتضي "الواوَ" ممَّا لا يَقْتضيه صعوبةٌ.
٢٢٧ - والقولُ في ذلك أنَّ الجملةَ إذا كانت من مُبتدإ وخبَرٍ، فالغالبُ عليها أنْ تَجيءَ مع "الواو" كقولكَ: "جاءني زيد وعمرو أمامه" و"أتاني وسيفُه على كَتِفه"، فإنْ كان المبتدأ من الجملةِ ضميرَ ذي الحال، لم يَصْلح بغيرِ "الواو" البتَّةَ، وذلك كقولكَ: "جاءني زيدٌ وهو راكب" و"رأيت زيدًا وهو جالس"، و"دخلت عليه وهو يملي الحديث" و"انتهيت إلى الأمير وهو يعبئ الجيشَ"، فلو تركتَ "الواوَ" في شيءٍ من ذلك لم يصْلُح. فلو قلتَ: "جاءني زيدٌ هو راكب"، و"دخلت عليه هو يُملي الحديثَ"، لم يكنْ كلامًا.
٢٢٨ - فإنْ كان الخبرُ في الجملة من المبتدإ والخبر ظرفًا، ثم كان
_________________
(١) ١ في هامش "ج" بخطه: "والجيش"، يعني مكان "الجند".
[ ٢٠٢ ]
قد قُدِّم على المبتدإ كقولنا: "عليه سيفٌ" و"في يده سوط"، كَثُر فيها أن تجيءَ بغَيرِ "واوٍ". فمِمَّا جاء منه كذلك قولُ بشَّار:
إذَا أنْكَرَتْني بَلدةٌ أوْ نَكِرْتُها خرجْتُ مَعَ البازي عليَّ سَوادُ١
يَعْني عليَّ بقيةٌ من الليل، وقول أمية:
فاشْرَبْ هنيئًا عليكَ التاجُ مُرْتَفِقًا في رَأْسِ غمدان دارًا منك محلالا٢
قول الآخر:
لَقَدْ صَبَرَتْ لِلذُّلِّ أعوادُ مِنْبَرٍ تقوُم عَلَيها في يديكَ قضيبُ٣
كلُّ ذلك في مَوْضعِ الحالِ، وليس فيه "واوٌ" كما ترى، ولا هُوَ محتمِل لها إذا نظرتَ.
٢٢٩ - وقد يجيءُ تَرْك "الواو" فيما ليس الخبرُ فيه كذلكَ، ولكنه لا يَكثُر، فمن ذلك قولهمُ: "كلَّمتُهُ فوهُ إلى فيَّ" و"رجَع عَوْدُهُ على بَدْئهِ"، في قولِ من رفعَ ومنه بيتُ "الإصلاح".
نَصَفَ النهارُ، الماءُ غامِرُهُ ورَفيقُه بالغَيْبِ لا يدري٤
_________________
(١) ١ في ديوانه، يعني حروجه في سواد الليل. و"البازي"، الصقر. ٢ في ديوان أمية بن أبي الصلت. ٣ هو شعر واثلة بن خليفة السدوسي، يهجو عبد الملك بن المهلب بن أبي صفرة، وهو في البيان والتبيين ١: ٢٩١، ٢٩٢/ ٢: ٣١٣، وضبطه في "س": لقد صبرت". ٤ هو للمسيب بن علس، خال الأعشى، وهو مجموع شعر الأعشين: ٣٥٢، وهو في إصلاح المنطق لابن السكيت: ٢٦٩، وفيه: "وشريكه بالغيب" قال فقبله: "نصف النهار ينصف، إذا انتصف"، وقال بعده: "أراد: أنتصف النهار والماء غامره ولم يخرج. وقال: وذكر غائصًا أنه غاص، فانتصف النهار، فلم يخرج من الماء"، وهي من جياد القصائد النوارد. وفي هامش المخطوطة "ج": "أي: والمءا غامره". وضبطت أنا أبو فهر "النهار" بالنصب أيضًا، لأنه يقال: نصف الشيء الشيء"، بلغ نصفه، ويقال: "نصفت القرآن، بلغت منه النصف، و"نصف عمره"، أي بلغ نصفه.
[ ٢٠٣ ]
ومن ذلك ما أنشدَه الشيخُ أبو علي في "الإغفال"١:
ولَوْلا جَنَانُ الليلِ ما آبَ عامرٌ إلى جَعْفرٍ، سِرْبالُه لم يُمَزَّقِ٢
٢٣٠ - وَمِمّا ظاهرُه أنَّه منه قوله:
إذا أتيت أبا مروان نسأله وجَدْتَه حاضِراهُ الجودُ والكَرمُ٣
فقولُه: "حاضِراهُ الجودُ"، جملةٌ من المبتدأ والخبر كما تَرى، وليس فيها "وَاوٌ"، والمَوضِعُ موضعُ حالٍ، ألا تراكَ تقولُ: "أتيتُه فوجدتُه جالسًا"، فيكونُ "جالسًا" حالًا، ذاك لأنَّ "وجدتُ" في مثلِ هذا مِن الكلام لا تكونُ المتعديةَ إلى مفعولينِ، ولكنْ المتعديةَ إلى مفعولٍ واحدٍ كقولكَ: "وجدْتُ الضالَّة" إلاَّ أنه ينبغي أن تَعْلم أنَّ لتقديمهِ الخبرَ الذي هو "حاضراه" تأثيرًا في معنى الغِنى عن "الواوِ"، وأنه لو قالَ: "وجدتُه، الجودُ والكرَمُ حاضراهُ" لم يَحسُنْ حسْنَه الآنَ، وكان السببُ في حسْنه معَ التقديم، أنَّه يَقْرُبُ في المعنى مِنْ قولكَ: "وجدتُه حاضرُه الجودُ والكرمُ" أو "حاضرًا عندَه الجوُد والكرمُ".
جملة الحال، والفعل مضارع مثت غير منفي لا تكاد تجيء بالواو:
٢٣١ - وإن كانِت الجملةُ من فِعْلٍ وفاعلٍ، والفعلُ مضارعٌ مُثْبَتٌ غيرُ منفيِّ، لم يكَد يَجيء بالواوِ، بل تَرى الكلامَ على مَجيئها عاريةً منَ "الواو"، كقولك: "جاءني زيدٌ يَسْعى غلامُه بين يديه"، وكقوله:
_________________
(١) ١ "أبو على الفارسي"، وكتابه "الإغفال". ٢ الشعر لسلامة بن جندل في ديوانه، وفي الآصمعيات رقم: ٤٢، واللسان "جنن"، وروايته كما هنا، وأجود الروايتين ما في الديوان والأصمعيات: "سر بالله لم يحرق"، أي لم تخرقه الرماح والسهام. و"جنان الليل"، ما يسترك من ظلمته. ٣ ينسب للأخطل، وليس في ديوانه.
[ ٢٠٤ ]
وَقَدْ عَلَوْتُ قُتُودَ الرحْل يَسْفَعُني يومٌ قُدَيَدِيمَة الجوزاء مسموم١
وقوله:
ولقَدْ أَغْتَدِي يُدافِعُ رُكْني أَحْوَذِيٌّ ذُو مَيْعَةٍ إضريجُ٢
وكذلك قولُك: "جاءني زيدٌ يُسْرعُ"، لا فصل بين أن يكون الفعل ذي الحالِ، وبينَ أن يكونَ لمن هو مِنْ سَبَبِه، فإنَّ ذلك كلَّه يستمرُّ على الغَنى عن "الواوِ"، وعليه التنزيلُ والكلامُ. ومثالهُ في التنزيل قولُه ﷿: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] وقولُه تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [النمل: ١٧، ١٨]، وكقوله عزَّ اسمُه ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].
مجيء جملة الحال فعلا مضارعا ومعه الواو:
٢٣٢ - فأما قول ابن همام السلولي:
فلما خشيت أظافيره نجوت، وأرهنهم مالكًا٣
_________________
(١) ١ هو شعر علقمة بن عبدة، في ديوانه: و"المفضليات: ١٢٠، وسيأتي أيضًا رقم: ٢٤٣ و"قنود الرجل"، خشب الرجل وأدواته. و"يسفعني" يحرقني ويغير لوني من همسة وحره، و"الجوزاء" برج من أبراج الشمس، يشتد الحر بنزولها فيه. و"مسموم"، شديد السموم، وهي الريح الحارة. و"قديديمة" تصغير "قدام"، وروايته في الديوان والمفضليات: "يوم تجيء به الجوزاء". ٢ هو لأبي داود، وقد مضى في الفقرة رقم: ٨٢. ٣ هو عبد اللهبن همام السلولي، في أنساب الأشراف (القسم الرابع، الجزء الأول من إحسان عباس": ٢٩٣، ٢٩٤، ومعاهد التنصيص ١: ٢٨٥، يقوله ليزيد بن معاوية، حين أمر ابن زياد، أن يأخذه، فآخذه، فسأله أن يكلفه عريفه، وكان اسم العريف "مالكًا" ففعل. ثم هرب ابن همام وأخذ عريفه ولحق بيزيد بن معاوية فاستجار به فآمنه، فقال له هذا الشعر لما رجع إلى دياره. وفي المطبوعة: "أظافرهم"، وهو خطأ، والضمير يعود إلى الأسد في البيت قبله، وهو: وكرهني أرضكم أنني رأيت بها أسدًا شابكًا و"شابك" مشتبك الأنياب، فهو أشد لفرسه.
[ ٢٠٥ ]
في روايةِ مَنْ رَوى "وأرهُنُهم"١، وما شبَّهوه به من قولهم: "فقمت وأَصُكُّ وجْهَهُ" فليستَ الواو فيها للحال، وليس المعنى "نجوت راهنًا مالكًا" و"قمت صاكًا وجهه"، ولكن "أرهن" و"أصك" حكاية حال، مثل قوله:
وَلَقد أَمرُّ عَلَى اللئيمِ يَسُبُّني فَمضَيْتُ، ثُمَّتَ قلْتُ لا يَعْنيني٢
فكما أن "أمُرُّ" ههنا في معنى "مررت"، كذلك يكون "أرهن" و"أصك" هناك في معنى "رهنت" و"صككت".
ويُبيِّن ذلك أنك ترَى "الفاءَ" تَجيء مكانَ "الواوِ" في مثلِ هذا، وذلك كنَحْو ما في الخَبرَ في حديثِ عبدِ الله بنِ عَتيك حينَ دخَلَ على أبي رافعٍ اليهوديِّ حصْنَه قال: "فانتهيتُ إليه، فإذا هو في بَيْتٍ مظلمٍ لا أدري أينَ هوَ منَ البيتَ، فقلتُ: أبا رافعٍ! فقالَ: منْ هذا؟ فأهويتُ نحوَ الصَّوْتِ، فأضربُه بالسَّيف وأنا دَهِشٌ"٣ فكما أنَّ "أَضرِبُه" مضارعٌ قد عطَفه بالفاء على ماضٍ، لأنه في المعنى ماضٍ، كذلك يكون "أرهنُهم" معطوفًا على الماضي قبلَه وكما لا يُشَكُّ في أنَّ المعنى في الخبر: "فأهويت فضربت"،
_________________
(١) ١ وذلك لأن الرواية الأخرى: "وأرهنتهم مالكًا". ٢ هو من شعر شيمر بن عمرو الحنفي، وقيل: لرجل من بني سلول، والشعر في الأصمعيات رقم: ٣٨. رواه سيبويه في الكتاب ١: ٤١٦، والخزانة ١: ١٧٣، وتفسير الطبري ٢: ٣٥١، وبعده: غضبان، ممتلئًا على إهابه إني وربك سخطه يرضيني ٣ لم أقف عليه بهذا اللفظ من حديث عبد الله بن عتيك ﵁.
[ ٢٠٦ ]
كذلك يكونُ المعنى في البيت: "نجوتُ ورهَنْتُ"، إلا أنَّ الغرضَ في أخراجهِ على لفظِ الحالِ، أن يَحكيَ الحالَ في أحدِ الخبرَيْن، ويدَعَ الآخر على ظاهره، كما كان ذلك في "ولقد أمرُّ عَلَى اللئيمِ يَسبُّني، فمضيتُ"، إلاَّ أن الماضي في هذا البيت مؤخَّر معطوفٌ، وفي بيتِ ابن همَّام وما ذكرناه معه، مقدم معطوف عليه. فاعرفه.
مجيء الحال مضارعا منفيا، يجيء بالواو، كثير:
٢٣٣ - فإنْ دخَلَ حرفُ نَفْي على المضارع تغيَّر الحكْمُ، فجاءَ بالواوِ وبِتَرْكِها كثيرًا، وذلك مثلُ قولِهم: "كنتُ ولا أُخَشَّى بالذئبِ"١، وقولِ مسكين الدارمي:
أكْسَبَتْه الوَرِقُ البيضُ أبًا ولقدْ كانَ ولا يُدعَى لأَِبْ٢
وقولِ مالِك بن رُفَيعٍ، وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير:
يغاني مصعب وبنو أبيه فأين أحيد عنهم؟ لا أحيد
_________________
(١) ١ مثل، وقليلًا ما يرد في كتب الأمثال، وهو في اللسان مادة "خشى"، و"أخشى"، أخوف. ٢ هو في المجموع من شعره، والأغاني ٢٠: ٢١١ "الهيئة"، وغيرها، يقوله في امرأته، بقول قبله: من رأى ظبيًا عليه لولؤ واضح الخدين مقرونًا بضب ويقول في آخرها: لا تلمها، إنها من نسوة ملحها موضوعة فوق الركب "ملحها فوق الركب"، كناية عن سوء خلقها وقلة وفائها. و"الورق"، الفضة، والضمير في "أكسبته" للظبي، ويعني به امرأته.
[ ٢٠٧ ]
أقادُوا مِنْ دَمِي وتَوَعَّدوني وكنتُ وما يُنَهْنِهُنِي الوعيد١
"كان" في هذا كله تامة والجلة الداخلُ عليها "الواوُ" في موضِعِ الحالِ. ألا ترى أنَّ المعنى: "وُجدْتُ غيرَ خاشٍ للذئبِ"، و"لقد وجد غير مدعو لأب" و"وجدت غيرَ منَهْنَه بالوعيد وغيرَ مبالٍ به"، ولا معنى لجعلها ناقصة، وجَعْلٍ "الواوِ" مزيدة.
٢٣٤ - وليس مجيءُ الفعل المضارعِ حالًا، على هذا الوجه، بعزيزٍ في الكلام، ألا تَراك تقولُ: "جعلتُ أمشي وما أدري أين أضع رجلي" و"جعل يقول ولا يَدري"، وقال أبو الأسود: "يصيب وما يدري"٢، وهو شائع كثير.
مجيء المضارع منفيا حالا، بغير الواو كثيرٌ:
٢٣٥ - فأمَّا مجيءُ المضارعِ مَنْفيًا حالًا مِنْ غَير "الواو" فيَكْثُر أيضًا ويَحْسُن، فمن ذلك قوله:
ثووا لا يُريدون الرواحَ وغالَهُمْ منَ الدَّهرِ أسبابٌ جرين على قدر٣
_________________
(١) ١ هكذا هنا، وفي الأمالي ٣: ١٢٧، "مالك بن أبي رفيع الأسدي وكان صعلوكًا، فطلبه مصعب بن الزبير فهرب منه وقال هذا الشعر، وروايته كما في "س" بغاني مصعب"، وهي أجود الروايتين فأثبتها. وكان في "ج" والمطبوعة: "أتاني مصعب". ٢ هو في صدر بيت لأبي الأسود، بقوله لعبد الله بن فروخ ويقال قالها للحصين بن أبي الحر العنبري. وأيضًا في صدر البيت نفسه منسوبًا إلى فرات بن حيان، ويقال إنه أيضًا لأبي سفيان بن الحارث، والبيت: يصيب وما يدري، ويخطى وما درى وكيف يكون النوك إلا كذلك وفي شعر فرات "إلا كذلكا"، و"النوك"، الحمق. وانظر معجم الشعراء للمرزباني: ٣١٧. ٣ هو لعكرشة العبسي، أبي الشغب، يرثي بنيه، وهو في شرح الحماسة للتبريزي ٣: ٤٩، ٥٠، ومجالس ثعلب: ٢٤٢، والشعر بتمامه في مقطعات مراث لابن الأعرابي، رقم: ٤، ورواية البيت على الصواب كما أثبته، وفي المطبوعة والمخطوطتين: "مضوا لا يريدون الرواح".
[ ٢٠٨ ]
وقال أرطاةُ بنُ سُهَيَّةَ، وهو لطيفٌ جدًا:
إنْ تَلقَني، لا تَرى غَيري بناظِرةٍ تنْسَ السِّلاحَ وتعْرِفْ جَبْهةَ الأَسدِ١
فقولُه: "لا ترى" في موضعٍ حالٍ. ومثلُه في اللُّطفِ والحُسْن قولُ أعشى هَمْدان، وصَحِبَ عبَّاد بنَ ورقاءَ إلى أصبهانَ فلم يَحْمَدْه فقال:
أتَيْنَا أصبهانَ فهزَّلَتْنا وكنَّا قَبْل ذلك في نَعيم
وكانَ سَفاهةً منِّي وَجهلًا مَسِيري، لا أَسِيرُ إلى حَميمِ٢
قولُه: "لا أسيرُ إلى حَميمٍ"، حالٌ من ضميرِ المتكلمِ الذي هو "الياء" في "مسير"، وَهُوَ فاعلٌ في المعنى، فكأنه قال: وكان سَفاهةً مني وجهلًا أَنْ سرتُ غيرَ سائرٍ إلى حَميمٍ، وأنْ ذهبتُ غيرَ متوجِّهٍ إلى قريب، وقال خالد بن يزويد بن معاوية:
لَو أَنَّ قَوْمًا لاِرتفاعِ قَبيلةٍ دَخَلُوا السماءَ دخلتُهَا لا أُحْجَبُ٣
وهو كثيرٌ إلا أنه لا يَهْتَدي إلى وضْعِه بالموضع المَرْضِيِّ إلاَّ من كان صحيح الطبع.
الماضي يجيء حالا بالواو وغير الواو مقرونا مع "قد":
٢٣٦ - ومما يجيءُ بالواوِ وغيرِ "الواوِ"، الماضي، وهو لا يقعُ حالًا إلا مع "قد" مُظْهَرةً أو مقدَّرَةً. أما مجيئُها بالواوِ فالكثيرُ الشائعُ، كقولِكَ: "أتاني وَقَدْ جَهِدَهُ السيرُ" وأّمَّا بغيرِ "الواو" فكقوله:
_________________
(١) ١ أبياته في الأغاني ١٣: ٣٤ "الدار" بقوله لشبيب بن البرصاء، وكان قال: "وددت أنى جمعني وأين الأمة أرطأة بن سهية يوم قتالي فأشفي منه غيظي". فبلغ ذلك أرطأة، فقال: "إن تلفني"، الشعر. ٢ في مجموع شعر الأعشين: ٣٤١، والصحيح أن الأعشى صحب أبا سليمان خالد بن عتاب بن ورقاء البراحي، انظر الأغاني: ٦: ٤٣ "الدار". ٣ غير منسوب، في شرح شواهد العيني "الخزانة ١٣: ١٩١".
[ ٢٠٩ ]
مَتَى أَرى الصبْحَ قَدْ لاحَتْ مَخَايلُه والليلَ قد مزقت عنه السرابيل١
وقول الآخر:
فآبُوا بالرماحِ مُكَسَّراتٍ وأُبْنَا بالسيوفِ قَدِ انْحِنْينا٢
وقال آخر، وهو لطيف جدًا:
يمْشُون قدْ كَسَروا الجُفُونَ إلى الوغَى مُتَبَسِّمينَ وفيهمِ اسْتِبْشارُ٣
٢٣٧ - وممِّا يجيءُ بالواو في الأكثرِ الأَشْيع، ثم يَأتي في مواضعَ بغيرِ "الواو" فَيْلطُفُ مكانُه ويَدلُّ على البلاغة، الجملةُ قد دَخلَها "ليس" تقول: "أتاني وليس عليه ثوبٌ" و"رأيته وليس معه غيرُه"، فهذا هوَ المعروفُ المُسْتعمَل، ثم جاءَ بغيرِ "الواو" فكانَ من الحُسْن على ما ترى، وهو قول الأعرابي:
لَنا فتى وحبَّذَا الافْتَاءُ تَعْرِفُهُ الأَرسانُ والدِّلاءُ
إذا جَرىَ في كفِّه الرِّشاءُ خُلَّى القَلِيبَ ليس فيه ماء٤
_________________
(١) ١ الشعر لحندج بن حندج المري، شرح الحماسة للتبريزي ٤: ١٦٠، وسيأتي في رقم: ٢٤٣. ٢ هو من النصفة، قصيدة ععبد الشارق بن عبد العزى الجهني، شرح الحماسة للتبريزي٢:
(٢) ٢٣٤ ٣ في هامش المخطوطة "ج" حاشية نصها: "كسروا الجفون" من قوله: ومن قبل ما أعييت كاسر عينه زيادًا ولم تقدر على حبائله وهو وصف بدل على ثبات الجاش، وعلى الثقة بالله. قال أبو فهر: أظن أن كثر الجفون، هو كير جفون السيوف، حتى لا تغمد، وتكون أبدًا مصلته في الحرب. ٤ لم أقف عليه بعد.
[ ٢١٠ ]
مجيء جملة الحال بغير واو:
هذا الباب: أنَّكَ ترَى الجملةَ قد جاءتْ حالًا بغير "واو" ويَحْسُن ذلك١، ثم تَنظرُ فترَى ذلك إنما حَسُنَ من أجْلِ حرفٍ دخلَ عليها. مثالُهُ قول الفرزدق:
فَقُلْتُ عَسى أنْ تُبْصريني كأنَّما بنِيَّ حَواليَّ الأسودُ الْحَوَارِدُ٢
قولُه: "كأنما بَنيَّ" إلى آخرهِ، في موضعِ الحال من غَيْرِ شُبْهة، ولو أنك تَرَكْتَ "كأن" فقلتَ: "عسى أن تُبصريني بَنِيَّ حَواليَّ كالأَسود"، رأيْتَهُ لا يَحْسُنُ حُسْنَه الآن٣، ورأيتَ الكلامَ يقتضي "الواو" كقولكَ: "عسى أن تُبْصريني وبنيَّ حواليَّ كالأسود الحوارِد".
٢٣٩ - وشَبيهٌ بهذا أنك تَرى الجملةَ قد جاءتْ حالًا بِعَقِب مفردٍ، فلَطُفَ مكانُها، ولو أنك أَردْتَ أن تَجْعلها حالًا من غيرِ أنْ يَتقدَّمها ذلك المفردُ لم يحْسُن، مثالُ ذلك قولُ ابنِ الرومي:
_________________
(١) ١ في "س"، "فحسن ذلك"، وفي نسخة عند رشيد رضا: "فيحسن ذلك". ٢ في ديوانه، وروايته "الأسود اللوايد"، وهي أصح الرواتين، وأولاها بهذا الشعر. ورواية أكثر كتب البلاغة كما هنا، وأيضًا رواية الديوان: "فإني عسى"، وهي أبيات ثلاثة يقولها الفرزدق لأمرأته طيبة بنت العجاج المجاشعي، وقالت له: ليس لك ولد، وإن مت ورثك قومك! فقال لها: تقول: أراه واحدًا طاح أهله يومله في الوارثين الأباعد فإن عسى فإن تميمًا قبل أن يلد الحصى أقام زمانًا وهو في الناس واحد و"الحوارد"، الغضاب. و"اللوابد" جمع "لابد"، وهو الأسد. و"اللبدة"، وهو الشعر اللابد على زبرته. و"تميم" هو أبو القبيلة التي منها الفرزدق، و"الحصى"، العدد الكثير، شبه في الكبير بالحصى. وفي هامش المخطوطة "ج"، ذكر البيت الثالث: "فإن تميمًا ". ٣ في المطبوعة وحدها: "حسنه في الأول".
[ ٢١١ ]
واللهُ يُبْقيكَ لنا سَالِمًا بُرْدَاكَ تَبْجِيلٌ وتعظيمُ١
فقوله: "برادك تبجيلٌ"، في مَوْضِع حالٍ ثانية، ولوْ أَنك أسقَطْتَ "سالمًا" من البيت فقلتَ: "واللهُ يُبقيكَ بُرْداك تبجيل"، لم يكن شيئًا.
اختلاف الجمل الواقعة حالا، في مجيئها بالواو وبغيرها:
٢٤٠ - وإذْ قد رأيتَ الجملَ الواقعةَ حالًا قد اختلفَ بها الحالُ هذا الاختلافَ الظاهرَ، فلا بُدْ من أن يكونَ ذلك إنَّما كان من أجل علل توجيه وأسبابٍ تقْتضيه، فمُحالٌ أن يكون ههنا جملةٌ لا تَصْلحُ إلاَّ مع "الواوِ"، وأخرى لا تَصْلحُ فيها "الواوُ"، وثالثةٌ تَصْلُحُ أن تجيءَ فيهأ "بالواو" وأنْ تَدَعَها فلا تجيءُ بها، ثم لا يكونُ لذلك سبَبٌ وعلَّة، وفي الوقوفِ على العلَّة في ذلك إشكالٌ وغُموضٌ، ذلك لأنَّ الطريقَ إليه غيرُ مسْلوكٍ، والجهةَ التي منها تعرف غير معروفة، وأن أكتبُ لك أصْلًا في "الخبرِ" إذا عرَفْتَه انفتح لك وجه العلة في ذلك.
"الخبر" نوعان، جزء من الجملة وخبر ليس بجزء من الجملة:
٢٤١ - اعلم٢ أنَّ "الخبرَ" يَنقسمُ إلى خَبرٍ هو جُزءٌ من الجملةِ لا تَتمُّ الفائدةُ دونَه، وخَبرٍ ليس بجزءٍ منَ الجملة، ولكنه زيادةٌ في خبر آخر، سابق له. فالول خبر المبتدأن كمُنْطَلِقٌ في قولك: "زيدٌ مُنْطلقٌ"، والفعلُ كقولك: "خرجَ زيدٌ"، وكلُّ واحدٍ من هذين جزءٌ منَ الجملة، وهو الأَصْل في الفائدة والثاني هو الحالُ كقولك: "جاءني زيدٌ راكبًا"، وذاكَ لأنَّ الحالَ خبرٌ في الحقيقة، مِنْ حيثُ إنك تُثْبتُ بها المعنى لذي الحالِ كما ثبت بخبر المبتدأ
_________________
(١) ١ في ديوانه: ٢٣١٥. ٢ هذه الفقرة رقم: ٢٤١، قد سلف بنصها في الفقرة: ١٧٩.
[ ٢١٢ ]
للمبتدأ١، وبالفِعْل للفاعل. ألاَ تَراكَ قد أَثبتَّ الركوبَ في قولَك: "جاءني زيدٌ راكبًا" لزيدٍ؟ إلاَّ أنَّ الفَرْقَ أنك جئْتَ به لتزيدَ معنًى في إخباركَ عنه بالمجيءِ، وهو أن تَجْعلَه بهذه الهيئة في مجيئهِ، ولم تُجرِّدْ إثباتَك للركوب ولم تُبْاشِرْه به ابتداءً٢، بل بدأْتَ فأَثبتَّ المجيءَ، ثم وَصلْت به الركوبَ، فالتبسَ به الإثباتُ على سَبيل التَّبَعِ لغيِره، وبشَرْط أنْ يكونَ في صِلَته، وأمَّا في الخبر المطلق نحو: "زيد منطلق" و"خرج عمرو"، فإنَّك أثبتَّ المعنى إثباتًا جرَّدْتَه له، وجعلْتَه يُباشِرُه من غيرِ واسطةٍ٣، ومن غيرِ أَن يتسبب بغيره إليه.
جملة الحال وامتناعها من الواو، وتفسير ذلك:
٢٤٢ - وإذْ قَدْ عَرفْتَ هذا، فاعلمْ أنَّ كلَّ جملةٍ وقعَتْ حالًا ثم امتنعَتْ منَ "الواو"، فذاك لأَجْل أنَّك عمَدْتَ إلى الفعل الواقعِ في صدرِها فضَمَمْتَه إلى الفعلِ الأَول في إثباتٍ واحدٍ، وكلُّ جملةٍ جاءتْ حالًا، ثم اقتضتْ "الواو"، فذاكَ لأنكَ مستأنِفٌ بها خَبَرًا، وغيرُ قاصدٍ إلى أنْ تَضُمَّها إلى الفعلِ الأولِ في الإثبات.
٢٤٣ - تفسيرُ هذا: أَنك إذا قلْتَ: "جاءني زيدٌ يُسْرعُ"، كانَ بمنزلة قَوْلِك: "جاءني زيدٌ مُسرعًا"، في أنك تُثْبِتُ مَجيئًا فيه إسْراعٌ، وتَصِلُ أَحَد المعنَييْنِ بالآخَرِ، وتجعلُ الكلامَ خبرًا واحدًا، وتريدُ أن تقولَ: "جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة"، وهكذا قوله:
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "كما تثبته بالخبر للمبتدأ"، وفينسخة عند رشيد رضا، كالذي أثبت هنا. ٢ "ابتداء" زئادة في هذا الموضع، ولم تكن في رقم: ١٧٩. ٣ في المطبوعة "مباشرة"، وقال رشيد رضا: "في نسخة: يباشره".
[ ٢١٣ ]
وَقَدْ عَلَوْتُ قُتُودَ الرحْل يَسْفَعُني يومٌ قُدَيَدِيمَة الجوزاءِ مسْمُومُ١
كأنه قال: "وقَدْ عَلَوْتُ قُتُودَ الرجل بارزًا للشمس ضاحيًا"، وكذلك قولُه:
مَتَى أَرى الصبحَ قَدْ لاحَتْ مَخايِلهُ٢
لأنه في معنى: "متى أرى الصبح باديًا متجلِّيًا" وعلى هذا القياس أبدًا. وإذا قلتَ: "جاءني وغلامه يسعى بين يديه" و"رأيت زيدًا وسَيفُه على كتفه"٣، كان المعنى على أنك بدأَتَ فأثبتَّ المجيءَ والرؤْيةَ، ثم استأنَفْتَ خبرًا، وابتدأتَ إثباتًا ثانيًا لسعيِ الغلام بِين يديه، ولكونِ السيفِ على كَتِفه، ولمَّا كان المعنى على استئنافِ الإثباتِ، احْتِيجَ إلى ما يَربِطُ الجملةَ الثانيةَ بالأُولى، فجيءَ بالواو كما جيء بها في قولك: "زيدٌ منطلقٌ وعمرو ذاهب" و"العلم حَسَنٌ والجهلُ قَبيحٌ". وتَسْميتُنا لها" واو حال"، لا يُخْرجها عن أنْ تكونَ مجْتَلَبةً لِضَمِّ جملةٍ إلى جملةٍ.
ونَظيرُها في هذا "الفاءُ" في جوابِ الشرطِ نحوُ: "إنْ تأتِني فأَنْتَ مُكْرَم"، فإنها وإنْ لم تكن عاطفةً، فإِن ذلك لا يُخْرجُها مِنْ أن تكونَ بمنزلة العاطفةِ في أنها جاءتْ لتَرْبِطَ جملة ليس مِنْ شأنِها أن ترتبِطَ بنفسِها٤، فاعرفْ ذلك ونزَّل الجملةَ في نحوِ: "جاءني زيدٌ يسرعُ" و"قد علوت قتود
_________________
(١) ١مضى البيت في رقم: ٢٣١، وهو لعلقمة بن عبدة. ٢ مضى في رقم: ٢٣٦، وتمامه: والليل قد مزقت عنه السرابيل ٣ انظر الفقرة رقم: ٢٢٦. ٤ في المطبوعة وحدها: "أن تربط بنفسها".
[ ٢١٤ ]
الرجل يسفعني يومٌ"، مَنْزِلةَ الجزاءِ الذي يَسْتغني عنِ "الفاء"، لأنَّ مِن شأنِه أن يرتبطَ بالشَّرط من غير رابط، وهو قولك: "إن تعطيني أَشكُرْك" ونزَّل الجملةَ في "جاءني زيدٌ وهو راكبٌ"، منزلةَ الجزاءِ الذي ليس من شأنِه أنْ يَرتَبطَ بنفسهِ، ويحتاجُ إلى "الفاء"، كالجملة في نحوِ: "إنْ تأتني فأنتَ مُكْرَمٌ"، قياسًا سويًا وموازنة صحيحة١.
بيان دخول الواو على الجملة:
٢٤٤ - فإنْ قلتَ قد عَلِمْنا أنَّ علَّة دخولِ "الواو" على الجملة أن تَسْتأنِفَ الإثباتَ، ولا تَصلَ المعنى الثاني بالأول في إثباتٍ واحدٍ، ولا تُنَزِّلَ الجملةَ منزلةَ المفردِ ولكنْ بقِيَ أنْ تعلَمَ لِمَ كان بعضُ الجمل، بأنْ يكون تَقديرُها تقديرَ المفرد في أَنْ لا يُستأْنَفَ بها الإثباتُ، أوْلى مِنْ بعض؟ ٢ وما الذي منَعَ في قولكَ: "جاءني زيدٌ وهو يسرعُ، أو: وهو مسرع" من أن يَدخُلَ الإسراعُ في صلةِ المجيءِ ويُضَامَّه في الإثبات، كما كان ذلك حِينَ قلتَ: "جاءني زَيْدٌ يُسرع"؟
فالجوابُ أن السببَ في ذلك أَنَّ المعنى في قولك: "جاءني زيدٌ وهو يُسرعُ"، على استئنافِ إثباتٍ للسرعة، ولم يكنْ ذلك في "جاءني زيدٌ يُسْرعُ". وذلك أنكَ إذا أَعدْتَ ذكْر "زَيدٍ" فجئْتَ بضميرِه المنفصلِ المرفوع، كانَ بمنزِلِة أنْ تُعيدَ اسْمَه صريحًا فتقولُ: "جاءني زيدٌ وزَيدٌ يسرعُ" في أّنَّك لا تَجد سبيلًا إلى أّنْ تُدخِلَ "يسرعُ" في صلةِ المَجيء، وتَضُمَّه إليه في الإثبات. وذلك أنَّ إعادتَكَ ذكْرَ "زيدٍ" لا يكون حتى تقصد استئناف الخبر.
_________________
(١) ١ السياق: "ونزل الجملة قياسًا سويًا ". ٢ السياق: "لم كان بعض الجمل أولى من بعض" خبر "كان".
[ ٢١٥ ]
عنه بأنه يُسرعُ، وحتى تَبتدئَ إثباتًا للسُّرعَة، لأنك إنْ لم تَفْعلْ ذلك، تركْتَ المبتدأ، الذي هو ضميرُ "زيدٍ" أو اسْمُه الظاهرُ، بمَضِيعةٍ، ١ وجعَلْتَه لَغُوًا في البَيْن٢، وجرى مجْرى أن تقول: "جاءني زيدٌ وعمرو يُسرع أمامه"، ثم تزعُمُ أنك لم تستأنِفْ كلامًا ولم تبتدئ للسرعة إثباتًا، وأنَّ حالَ "يُسْرعُ" ههنا، حالُه إذا قلتَ: "جاءني زيدٌ يسرعُ، فجعلْتَ السرعةَ له، ولم تذكُرْ "عَمرًا"، وذلك مُحال.
٢٤٥ - فإن قلتَ: إنَّما استحالَ في قولك: "جاءني زيدٌ وعمرو يُسرعُ أمامَه" أَن تَرُدَّ "يُسرع" إلى "زيدٍ" وتُنْزِله منزلةَ قولكَ: "جاءني زيدٌ يُسرع"، من حيث كان في "يُسرع" ضميرٌ لعمرو، وَتَضَمُّنُهُ ضميرَ عمرو يَمْنع أن يكونَ لزيدٍ، وأن يقدَّرَ حالًا له. وليس كذلك: "جاءني زيدٌ وهو يسرعُ"، لأنَّ السرعةَ هناك لزيدٍ لا محالةَ، فكيفَ ساغ أن تَقيس إحدى المسئلتين على الأُخرى؟
قيل: ليس المانعُ أن يكون "يُسرع" في قولك: "جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه"؟ حالًا من زيدٍ أنَّه فعلٌ لعمرو، فإنك لو أخَّرْتَ "عَمرًا" فرفَعْتَه "بيُسرع"، وأولَيْتَ "يسرع" زيدًا فقلت: "جاءني زيد يسرع عمرو أَمامَه" وجدتَه قد صلُح حالًا لزيدٍ، مع أنه فعْلٌ لعمرو وإنما المانعُ ما عرَّفْتُكَ، مِنْ أنكَ تدَعُ "عَمرًا" بمَضِيعةٍ٣، وتجيءُ به مبتدأً، ثم لا تعطيه خبرًا٤.
_________________
(١) ١ السياق: "تركت المبتدأ " بمضيعة". ٢ "في البين"، أي بينهما، وقد فسرته آنفًا. ٣ انظر الفقرة السالفة: ٢٤٤. ٤ عند هذا الموضع حاشية في "ج"، هي بلا شك من كلام عبد القاهر: هذا نصها:
[ ٢١٦ ]
ومما يدل على فساد ذلك أن يؤدِّي إلى أن يكونَ "يُسرع" قد اجتمعَ في موضعِه النصْبُ والرفعُ، وذلك أنَّ جعْلَه حالًا من "زيدٍ" يَقتضي أن يكونَ في موضع نصب وجعله خبرًا عن "‘مرو" المرفوعِ بالابتداءِ يَقتضي أَنْ يكونَ في موضعِ رفعٍ. وذلك بيِّنُ التدافعِ. ولا يَجِبُ هذا التدافعُ إذا أخَّرْتَ "عمرًا" فقلْتَ: "جاءني زيدٌ يسرع عمرو أمامه"، لأنك ترفعه حينئذ بيسرعُ١، على أنه فاعلٌ له، وإذا ارتفعَ به لم يوجب في موضعه إعرابًا٢،
_________________
(١) = "مما يزيد في بيان هذا المسئلة أنك لو قلت: "جاءني زيد وعمرو مسرع بين يديه"، لم تستطيع أن تنصب "مسرعًا" على أن تجعله داخلًا في إثبات المجيء، لأن نصبه يخرجه من أن يكون خبرًا عن "عمرو"، فيبقى "عمرو" مبتدأ لا خبر له. وإذا عرفت هذا في "مسرع" الذي هو اسم، فقس "يُسرع" في قولك: "جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه" عليه وإذا قلت: "جاءني زيد يسرع عمرو أمامه"، أمكنك أن تضع الاسم موضع الفعل فتقول: "جاءني زيد مسرعًا عمرو أمامه"، ويكون لعمرو عامل يعمل فيه ولا يبقى ضائعًا، لأن اسم الفاعل إذا تقدم، صح أن يرتفع "عمرو" به وإذا تأخر لم يصح، لأنه إذا تأخر صار "عمرو" مبتدأ، وإذا صار مبتدأ احتاج إلى خبر، والاسم [لا يكون خبرًا وينصب]. وهذا الذي بين القوسين جاز عليه التصوير، فلم يبق منه إلا حروف، فهكذا قرأته، والله أعلم. ١ "حينئذ"، ليست في المطبوعة، وأشار رشيد رضا أنها عنده في نسخة. ٢ في المطبوعة بين قوله: "لم يوجب في موضعه إعرابًا"، وقوله: "فيبقى مفرغًا"، كلام ليس في شيء من الأصول، وقد نبه الشيخ رشيد رضا في الاستدراك على أنها حاشية، وليست في الأصل وهذا نصها:
[ ٢١٧ ]
فيبقى مُفْرَغًا لأن يُقدَّرَ فيه النصْبُ على أَنه حالٌ من "زيدٍ" وجَرَى مجْرى أن تقول "جاءني زيد مسرعًا عمرو أمامه".
القياس أن لا تَجيءَ جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ إلا مع الواو، وعلة ترك ذلك:
٢٤٦ - فإن قلتَ: فقد يَنبغي على هذا الأصلِ أن لا نجيء جملةٌ مِن مبتدأٍ وخبرٍ حالًا إلاَّ معِ "الواو"، وقد ذكرتُ قبْلُ أنَّ ذلك قد جاءَ في مواضعَ من كلامهم١.
فالجوابُ أنَّ القياسَ والأصْلَ أن لا تَجيءَ جملةٌ مِن مبتدأٍ وخبرٍ حالًا إلاَّ مع "الواو"، وأمَّا الذي جاءَ من ذلك فَسَبيلهُ سبيلُ الشيءِ يَخرجُ عن أَصْله وقياسِه والظاهرِ فيه، بضربٍ منَ التَّأويل ونوعٍ منَ التشبيه، فقَولُهم: "كلَّمتُهُ فوهُ إلى فيَّ"٢، إنما حَسُن بغيرِ "واو" من أجْل أنَّ المعنى: كلَّمْتُهُ مشافِهًا له وكذلك قولُهم: "رجعَ عَوْدُه على بَدْئه"، ٢ إنما جاءَ الرفعُ فيه والابتداءُ من غيرِ "واو"، لأن المعنى: رجَعَ ذاهبًا في طريقه الذي جاءَ فيه وأما قولُه: "وجدتُه حاضراهُ الجودُ والكرمُ"٣ فلأَنَّ تقديمَ الخَبر الذي هو "حاضراهُ"، يجعله.
_________________
(١) "أي إن "عمرو" إذا ارتفع بيسرع، فلا يمكن أن يكون عاملًا في موضع "يسرع" بشيء من الإعراب، فإنه لا يتأتي أن يكون عاملًا معمولًا لشيء واحد، فيبقى موضع "يسرع" مفرغًا لأن يقدر فيه النصب على الحالية، بخلاف ما لو كان "يسرع" مؤخرًا عن "عمرو امامه"، فإنه إن اتصل "يسرغ" بزيد كان محله النصب، مع أن "عمرو" المبتدأ، عمل في موضعه الرفع، فيأتي التدافع كما سبق". وبلا ريب البتة، ليس هذا من كلام عبد القاهر. ١ انظر ما سلف من عند الفقرة رقم: ٢٢٦ وما بعدها. ٢ انظر الفقرة: ٢٢٩. ٣ انظر الفقرة: ٢٣٠.
[ ٢١٨ ]
كأنه قال: "وجدتُه حاضرًا عندَهُ الجودُ والكرمُ".
وليس الحَمْلُ على المعنى، وتَنزيلُ الشيءِ منزلةَ غيرِه، بعَزيزٍ في كلامِهم، وقَدْ قالوا: "زيدٌ أضرِبْه"، فأجازوا أن يكونَ مثالُ الأمر في موضعِ الخَبر، لأنَّ المعنى على النَّصب نحوُ: "اضرب زيد" ووضَعوا الجملةَ، من المبتدأ والخبر موضعِ الفعل والفاعل في نحوِ قولِهِ تعالى١: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]، لأنَّ الأصْلَ في المعادلة أن تكونَ الثانيةُ كالأُولى نحو: "أدعَوْتموهم أم صَمَتُّمْ".
ويدلُّ على أنْ ليس مجيءُ الجملةِ من المبتدإ والخبر حالًا بغيرِ "الواو" أصلًا، قلَّتُهُ٢، وأنه لا يَجيءُ إلاَّ في الشيءِ بَعْدَ الشيءِ.
هذا، ويجوزُ أنْ يكونَ ما جاءَ مِن ذلك إنما جاءَ على إرادةِ "الواو"، كما جاءَ الماضي على إرادة "قد".
٢٤٧ - واعلمْ أنَّ الوجْهَ فيما كان مثلَ قولِ بشار:
خرجْتُ مَعَ البازي عَلَيَّ سوادُ٣
أنْ يُؤخذَ فيه بمذهبِ أبي الحَسنِ الأَخْفش٤، فيُرفَعَ ِ"سواد" بالظرف دون الابتداء، ويجري الظرفُ ههنا مجرْاه إذا جرَتِ الجملةُ صفةً على النكرة
_________________
(١) ١ في "س"، وفي نسخة عند رشيد رضا: "ووضح الجملة من المبتدإ والخبر". ٢ "قلته"، فاعل "ويدل". ٣ انظر الفقرة السالفة رقم: ٢٢٨. ٤ "الأخفش"، ليس في "ج" ولا "س".
[ ٢١٩ ]
نحوُ: "مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدًا به غدًا"١، وذلك أنَّ صاحبَ الكتاب يُوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع "صقرًا" بما في "معه" من معنى الفعلِ، فلذلكَ يجوزُ أن يُجْرِيَ الحالَ مَجْرى الصفةِ، فيَرفعَ الظاهرَ بالظْرف إذا هو جاءَ حالًا، فيكونَ ارتفاعُ "سَوادُ" بما في "عَلَيَّ" من معنى الفعل، لا بالإبتداءِ.
ثم ينبغي أن يُقدَّر ههنا خصوصًا أن الظرفَ في تقديرِ اسم فاعلٍ لا فعل، أعني أنْ يكونَ المعنى: "خرجتُ كائنًا عَلَيَّ سوادٌ، وباقيًا عَلَيَّ سواد، ولا يقدر: "يكون علي سواد"، و"يبقى عَلَيَّ سَوادُ"، اللهمَّ إلاَّ أنْ تُقدِّر فيه فعْلًا ماضيًا مع "قد" كقولك: "خرجتُ مع البازي قدْ بقيَ عَلَيَّ سوادُ"، والأولُ أظهرُ.
٢٤٨ - وإذا تأملتَ الكلامَ وجدتَ الظرفَ وقَدْ وقَعَ مواقِعَ لا يستقيمُ فيها إلا أنْ يُقدَّر تقديرَ اسم فاعلٍ، ولذلك قال أبو بكرِ من السرَّاج في قولِنا٢: "زيدٌ في الدار"، إنك مُخيَّرٌ بَيْنَ أنْ تُقدِّرَ فيه فعلًا فتقولَ: "استقرَّ في الدارِ"، وبينَ أَن تقدِّرَ اسمَ فاعلٍ فتقولَ: "مستقرٌّ في الدار"، وإذا عاد الأمرُ إلى هذا، كان الحالُ في تركِ "الواو" ظاهرة٣، وكان "سواد" ي قوله "خرجتُ مع البازي عَلَيَّ سوادُ"، بمنزلة "قضاء الله" في قوله:
سأَغْسِلُ عَنّي العارَ بالسيفِ جالِبًا عَلَيَّ قضاءَ الله ما كان جالبًا٤
_________________
(١) ١ هذا مثال سيبويه في الكتاب ١: ٢٤١، ولكن ليس فيه، غدًا"، فيحقق. ٢ "ابن السراج"، ليست "ج" ولا "س". ٣ في نسخة عند رشيد رضا: "على ظاهره"؟ ٤ شعر سعد بن ناشب المازني، شرح الحماسة للتبريزي ١: ٣٥. وفي "س" أسقط البيت، وساق الكلام هذا: "بمنزلة قضاء الله في كونه اسمًا ظاهرًا".
[ ٢٢٠ ]
في كونِهِ اسمًا ظاهرًا قد ارتفعَ باسمِ فاعلٍ قد اعتمَدَ على ذي حالٍ، فعَمِلَ عَملَ الفِعْل.
ويدلُّكَ على أن التقديرَ فيه ما ذكرتُ، وأنه من أجْل ذلك حَسُنَ١، أنَّكَ تَقول: "جاءني زيدٌ والسيفُ على كَتِفه" و"خرج والتاجُ عليه"، فتَجِدُه لا يَحْسُن إلا بالواوِ، وتعَلم أنَّكَ لو قلتَ: "جاءني زيدٌ السيفُ على كتفه" و"خرج التاجُ عليه"، كان كلامًا نافرًا لا يكادُ يقعُ في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلةِ قولِك: "جاءني وهو متقلد سيفه" و"خرج وهو لابسٌ التاجَ"، في أنَّ المعنى على أنك استأنفْتَ كلامًا وابتدأْتَ إثباتًا وأنك لم تُرِدْ: "جاءني كذلكَ" ولكن "جاءني وهُوَ كذلكَ"، فاعرفه.
_________________
(١) ١ السياق: "ويدلُّكَ على أن التقديرَ فيه ما ذكرتُ أنك تقول: "جاءني زيد".
[ ٢٢١ ]