قال الشيخ أبو علي في «الشّيرازيّات» «٢»: «يقول ناس من النحويين في نحو قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأعراف: ٣٣]،
_________________
(١) يزع: وزعته: كففته ا. هـ القاموس/ وزع/ ٩٩٥.
(٢) أبو علي: هو الشيخ أبو علي الفارسي وله كتاب الشيرازيات في النحو ا. هـ، كشف الظنون (٢/ ١٠٦٨).
[ ٢١٤ ]
إن المعنى: ما حرّم ربّي إلّا الفواحش. قال: وأصبت ما يدلّ على صحّة قولهم في هذا، وهو قول الفرزدق: [من الطويل]
أنا الذّائد الحامي الذّمار، وإنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي «١»
فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيّا. فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقم، ألا ترى أنك لا تقول: «يدافع أنا» و«لا يقاتل أنا»، وإنما تقول:
«أدافع» و«أقاتل» إلا أنّ المعنى لما كان: «ما يدافع إلّا أنا»، فصلت الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه «إلّا»، حملا على المعنى. وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ [البقرة: ١٧٣]، [النحل: ١١٥]، النّصب في «الميتة» هو القراءة، ويجوز: «إنّما حرّم عليكم». قال أبو إسحاق: والذي أختاره أن تكون «ما» هي التي تمنع «إنّ» من العمل، ويكون المعنى: «ما حرّم عليكم إلّا الميتة»، لأن «إنّما» تأتي إثباتا لما يذكر بعدها، ونفيا لما سواه، وقول الشاعر:
وإنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلّا أو مثلي». انتهى كلام أبي علي.
اعلم أنّهم، وإن كانوا قد قالوا هذا الذي كتبته لك، فإنهم لم يعنوا بذلك أن المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه، وأن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان لمعنى واحد. وفرق بين أن يكون في الشّيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء الشيء على الإطلاق.
يبيّن لك أنهما لا يكونان سواء، أنه ليس كلّ كلام يصلح فيه «ما» و«إلّا»، يصلح فيه «إنّما». ألا ترى أنّها لا تصلح في مثل قوله تعالى: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢]، ولا في نحو قولنا: «ما أحد إلّا وهو يقول ذاك»، إذ لو قلت: «إنّما من إله الله» و«إنّما أحد وهو يقول ذاك»، قلت ما لا يكون له معنى.
_________________
(١) البيت في ديوانه (٢/ ١٥٣)، من قصيدة قالها عند ما بلغ نساء مجاشع فحش جرير بهن فأتين الفرزدق مقيدا فقلن: قبح الله قيدك، فقد هتك جرير عورات نسائك فلحيت شاعر قوم، فأحفظنه ففض قيده وقد كان قيد نفسه قبل ذلك وحلف أن لا يطلق قيده حتى يجمع القرآن، ورواية الديوان: «أنا الضامن الراعي عليهم وإنما ». والبيت في الإيضاح (١٢٦)، والمفتاح (٤٠٣)، ومعاهد التنصيص (١/ ٢٦٠)، وخزانة الأدب (٤/ ٤٦٥)، ولسان العرب (قلا)، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر (٢/ ١١١)، ولسان العرب (أنن)، وتاج العروس (ما)، والمصباح (٩٦).
[ ٢١٥ ]
فإن قلت: إن سبب ذلك أن «أحدا» لا يقع إلّا في النّفي وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام، وأن «من» المزيدة في «ما من إله إلّا الله»، كذلك لا تكون إلّا في النفي.
قيل: ففي هذا كفاية، فإنه اعتراف بأن ليسا سواء، لأنهما لو كانا سواء لكان ينبغي أن يكون في «إنّما» من النّفي مثل ما يكون في «ما» و«إلّا» وكما وجدت «إنما» لا تصلح فيما ذكرنا، كذلك تجد «ما» و«إلّا» لا تصلح في ضرب من الكلام قد صلحت فيه «إنما، وذلك في مثل قولك: «إنما هو درهم لا دينار»، لو قلت: «ما هو إلّا درهم لا دينار»، لم يكن شيئا. وإذ قد بان بهذه الجملة أنهم حين جعلوا «إنما» في معنى «ما» و«إلا»، لم يعنوا أن المعنى فيهما واحد على الإطلاق، وأن يسقطوا الفرق فإني أبيّن لك أمرهما، وما هو أصل في كل واحد منهما، بعون الله وتوفيقه.
اعلم أن موضع «إنما» على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحّته، أو لما ينزّل هذه المنزلة.
تفسير ذلك أنّك تقول للرجل: «إنّما هو أخوك» و«إنما هو صاحبك القديم»:
لا تقوله لمن يجهل ذلك ويدفع صحّته، ولكن لمن يعلمه ويقرّ به، إلّا أنك تريد أن تنبّهه للذي يجب عليه من حقّ الأخ وحرمة الصاحب، ومثله قوله: [من الخفيف]
إنّما أنت والد، والأب القا طع أحنى من واصل الأولاد «١»
لم يرد أن يعلم كافورا أنه والد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى الإعلام، ولكنه أراد أن يذكّره منه بالأمر المعلوم ليبني عليه استدعاء ما يوجبه كونه بمنزلة الوالد.
ومثل ذلك قولهم: «إنّما يعجل من يخشى الفوت»، وذلك أن من المعلوم الثابت في النفوس أنّ من لم يخش الفوت لم يعجل.
ومثاله من التنزيل قوله تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الأنعام:
٣٦]، وقوله ﷿: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [يس:
_________________
(١) البيت للمتنبي في ديوانه (٢/ ٢٢٦)، ط، دار الكتب العلمية، بيروت. من قصيدة مطلعها: جسم الصلح ما اشتهته الأعادي وأذاعته ألسن الحساد وأرادته أنفس حال تدبي رك ما بينها وبين المراد والقاطع: أي المقاطع، أي: أنت والده، والوالد دائما أحن على الولد من حنو الولد على والده وإن كان الوالد مقاطعا والابن واصلا.
[ ٢١٦ ]
١١]، وقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات: ٤٥]، كلّ ذلك تذكير بأمر ثابت معلوم. وذلك أنّ كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلا ممّن يسمع ويعقل ما يقال له ويدعى إليه، وأنّ من لم يسمع ولم يعقل لم يستجب وكذلك معلوم أن الإنذار إنما يكون إنذار ويكون له تأثير، إذا كان مع من يؤمن بالله ويخشاه ويصدّق بالبعث والساعة، فأمّا الكافر الجاهل، فالإنذار وترك الإنذار معه واحد. فهذا مثال ما الخبر فيه خبر بأمر يعلمه المخاطب ولا ينكره بحال.
وأمّا مثال ما ينزّل هذه المنزلة، فكقوله: [من الخفيف]
إنّما مصعب شهاب من اللّ هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء «١»
ادّعى في كون الممدوح بهذه الصفة، أنه أمر ظاهر معلوم للجميع، على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدّعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنّها ثابتة لهم، وأنهم قد شهروا بها، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي لا يدفعه أحد، كما قال: [من الطويل]
وتعذلني أفناء سعد عليهم وما قلت إلّا بالّذي علمت سعد «٢»
وكما قال البحتريّ:
لا أدّعي لأبي العلاء فضيلة حتّى يسلّمها إليه عداه «٣»
ومثله قولهم: «إنما هو أسد»، و«إنّما هو نار»، و«إنما هو سيف صارم»، وإذا أدخلوا «إنما» جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ولا يدفع ولا يخفى.
_________________
(١) البيت لعبيد الله به قيس الرقيات يمدح مصعب بن الزبير بن العوام وبعده: ملكه ملك رأفة ليس فيه جبروت منه ولا كبرياء يتقي الله في الأمور وقد أفلح من كان همه الاتقاء والبيت أورده القزويني في الإيضاح (١٢٩)، والسكاكي في المفتاح (٤٠٧)، وأورده بدر الدين ابن مالك في المصباح (٩٨)، وفخر الدين الرازي في نهاية الإيجاز (٣٦١)، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات (٩٥)، وشرح المرشدي على عقود الجمان (١/ ١٤٤).
(٢) البيت للحطيئة في ديوانه، وأورده القزويني في الإيضاح (١٢٩)، والسكاكي في المفتاح (٤٠٨)، وشرح المرشدي على عقود الجمان (١/ ١٤٤).
(٣) البيت في ديوانه من قصيدة يمدح فيها صاعد بن مخلد وابنه أبا عيسى العلاء. وأورده القزويني في الإيضاح (١٢٩)، والسكاكي في المفتاح (٤٠٨)، وأورده بدر الدين بن مالك في المصباح (٩٩) بلا عزو، وشرح المرشدي على عقود الجمان (١/ ١٤٤).
[ ٢١٧ ]
وأما الخبر بالنّفي والإثبات نحو: «ما هذا إلا كذا»، و«إن هو إلّا كذا»، فيكون للأمر ينكره المخاطب ويشكّ فيه. فإذا قلت: «ما هو إلّا مصيب» أو «ما هو إلّا مخطئ»، قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلت، وإذا رأيت شخصا من بعيد فقلت: «ما هو إلّا زيد»، لم تقله إلّا وصاحبك يتوّهم أنه ليس بزيد، وأنه إنسان آخر، ويجدّ في الإنكار أن يكون «زيدا».
وإذا كان الأمر ظاهر كالذي مضى، لم تقله كذلك، فلا تقول للرجل ترقّقه على أخيه وتنبّهه للذي يجب عليه من صلة الرّحم ومن حسن التّحابّ: «ما هو إلّا أخوك» وكذلك لا يصلح في «إنّما أنت والد»: «ما أنت إلّا والد»، فأما نحو: «إنّما مصعب شهاب»، فيصلح فيه أن تقول: «ما مصعب إلّا شهاب»، لأنه ليس من المعلوم على الصحّة، وإنما ادّعى الشاعر فيه أنه كذلك. وإذا كان هذا هكذا، جاز أن تقوله بالنّفي والإثبات، إلا أنك تخرج المدح حينئذ عن أن يكون على حدّ المبالغة، من حيث لا تكون قد ادّعيت فيه أنه معلوم، وأنه بحيث لا ينكره منكر، ولا يخالف فيه مخالف.
- قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا [إبراهيم: ١٠] إنّما جاء، والله أعلم، «بإن» و«إلا» دون «إنّما»، فلم يقل:
«إنّما أنتم بشر مثلنا»، لأنهم جعلوا الرسل كأنّهم بادّعائهم النبوّة قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم، وادّعوا أمرا لا يجوز أن يكون لمن هو بشر. ولما كان الأمر كذلك، أخرج اللّفظ مخرجه حيث يراد إثبات أمر يدفعه المخاطب ويدعى خلافه، ثم جاء الجواب من الرّسل الذي هو قوله تعالى: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١]، كذلك «بإن» و«إلّا» دون «إنما»، لأن من حكم من ادّعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه، أن يعيد كلام الخصم على وجهه، ويجيء به على هيئته ويحكيه كما هو. فإذا قلت للرجل: «أنت من شأنك كيت وكيت»، قال: «نعم، أنا من شأني كيت وكيت، ولكن لا ضير عليّ، ولا يلزمني من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم»، فالرسل صلوات الله عليهم كأنهم قالوا:
«إنّ ما قلتم من أنّا بشر مثلكم كما قلتم، لسنا ننكر ذلك ولا نجهله، ولكن ذلك لا يمنعنا من أن يكون الله تعالى قد منّ علينا وأكرمنا بالرسالة.
وأما قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف: ١١٠]، [فصلت: ٦] فجاء «بإنما»، لأنه ابتداء كلام قد أمر النبيّ ﷺ بأن يبلّغه إياهم ويقوله معهم، وليس
[ ٢١٨ ]
هو جوابا لكلام سابق قد قيل فيه: «إن أنت إلّا بشر مثلنا»، فيجب أن يؤتى به على وفق ذلك الكلام، ويراعى فيه حذوه، كما كان ذلك في الآية الأولى.
وجملة الأمر أنك متى رأيت شيئا هو من المعلوم الذي لا يشك فيه قد جاء بالنفي، فذلك التقدير معنى صار به في حكم المشكوك فيه، فمن ذلك قوله تعالى:
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٢ - ٢٣] إنما جاء، والله أعلم، بالنفي والإثبات، لأنه لما قال تعالى: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي ﷺ: «إنك لن تستطيع أن تحوّل قلوبهم عما هي عليه من الإباء، ولا تملك أن توقع الإيمان في نفوسهم، مع إصرارهم على كفرهم، واستمرارهم على جهلهم، وصدّهم بأسماعهم عما تقوله لهم وتتلوه عليهم» كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي ﷺ حال من قد ظنّ أنه يملك ذلك، ومن لا يعلم يقينا أنه ليس في وسعه شيء أكثر من أن ينذر ويحذّر، فأخرج اللّفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع من يشكّ، فقيل: «إن أنت إلّا نذير». ويبيّن ذلك أنك تقول للرجل يطيل مناظرة الجاهل ومقاولته: «إنك لا تستطيع أن تسمع الميّت، وأن تفهم الجماد، وأن تحول الأعمى بصيرا، وليس بيدك إلّا تبيّن وتحتجّ، ولست تملك أكثر من ذلك» لا تقول هاهنا: «فإنّما الذي بيدك أن تبيّن وتحتج»، ذلك لأنك لم تقل له «إنك لا تستطيع أن تسمع الميّت»، حتى جعلته بمثابة من يظنّ أنه يملك وراء الاحتجاج والبيان شيئا.
وهذا واضح، فاعرفه.
ومثل هذا في أن الذي تقدّم من الكلام اقتضى أن يكون اللفظ كالذي تراه، ومن كونه «بإن» و«إلّا»، قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨].