واعلم أنه إذا كان بيّنا في الشيء أنه لا يحتمل إلّا الوجه الذي هو عليه حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقّه وأنه الصواب، إلى فكر وروية فلا مزيّة. وإنّما تكون المزيّة ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجها آخر، ثم رأيت النّفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء عليه حسنا وقبولا تعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني.
مثال ذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [الأنعام: ١٠٠]، ليس بخاف أن لتقديم «الشركاء» حسنا وروعة ومأخذا من القلوب، أنت لا تجد شيئا منه إن أنت أخّرت فقلت: «وجعلوا الجنّ شركاء لله»، وأنك ترى حالك حال من نقل عن
[ ١٨٧ ]
الصورة المبهجة والمنظر الرّائق والحسن الباهر، إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه بكثير طائل، ولا تصير النفس به إلى حاصل. والسبب في أن كان ذلك كذلك، هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير.
بيانه، أنّا وإن كنّا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجنّ شركاء وعبدوهم مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، فإن تقديم «الشركاء» يفيد هذا المعنى ويفيد معه معنى آخر، وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون لله شريك، لا من الجن ولا غير الجن.
وإذا أخّر فقيل: «جعلوا الجنّ شركاء لله»، لم يفد ذلك، ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى، فأمّا إنكار أن يعبد مع الله غيره، وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن، فلا يكون في اللفظ مع تأخير «الشركاء» دليل عليه. وذلك أن التقدير يكون مع التقديم: أن «شركاء» مفعول أوّل لجعل، و«لله» في موضع المفعول الثاني، ويكون «الجن» على كلام ثان، وعلى تقدير أنه كأنه قيل: «فمن جعلوا شركاء لله تعالى؟»، فقيل: «الجن». وإذا كان التقدير في «شركاء» أنّه مفعول أوّل، و«لله» في موضع المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء لله تعالى على الإطلاق، من غير اختصاص شيء دون شيء. وحصل من ذلك أنّ اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في الإنكار دخول اتّخاذه من الجنّ، لأنّ الصفة إذا ذكرت مجرّدة غير مجراة على شيء، كان الذي تعلّق بها من النفي عامّا في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة.
فإذا قلت: «ما في الدار كريم»، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كلّ من يكون الكرم صفة له. وحكم الإنكار أبدا حكم النفي. وإذا أخّر فقيل: «وجعلوا الجنّ شركاء لله»، كان «الجن» مفعولا أوّل، و«الشركاء» مفعولا ثانيا. وإذا كان كذلك، كان «الشركاء» مخصوصا غير مطلق، من حيث كان محالا أن يجرى خبرا على الجن، ثم يكون عامّا فيهم وفي غيرهم. وإذا كان كذلك، احتمل أن يكون القصد بالإنكار إلى «الجن» خصوصا، أن يكونوا «شركاء» دون غيرهم، جلّ الله تعالى عن أن يكون له شريك وشبيه بحال.
فانظر الآن إلى شرف ما حصل من المعنى بأن قدّم «الشركاء»، واعتبره فإنه ينبّهك لكثير من الأمور، ويدلّك على عظم شأن «النظم»، وتعلم به كيف يكون الإيجاز به وما صورته؟ وكيف يزاد في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ، إذ قد ترى أن ليس إلا
[ ١٨٨ ]
تقديم وتأخير، وأنه قد حصل لك بذلك من زيادة المعنى، ما إن حاولته مع تركه لم يحصل لك، واحتجت إلى أن تستأنف له كلاما، نحو أن تقول: «وجعلوا الجنّ شركاء لله، وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم»، ثم لا يكون له إذا عقل من كلامين من الشرف والفخامة ومن كرم الموقع في النفس، ما تجده له الآن وقد عقل من هذا الكلام الواحد.
ومما ينظر إلى مثل ذلك، قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: ٩٦]، إذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حسّك، وجدت لهذا التنكير وأن قيل: «على حياة»، ولم يقل: «على الحياة»، حسنا وروعة ولطف موقع لا يقادر قدره، وتجدك تعدم ذلك مع التعريف، وتخرج عن الأريحيّة والأنس إلى خلافهما.
والسبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها، وذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحيّ، فأما العادم للحياة فلا يصحّ منه الحرص على الحياة ولا على غيرها. وإذا كان كذلك، صار كأنه قيل: «ولتجدنّهم أحرص الناس، ولو عاشوا ما عاشوا، على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه، حياة في الذي يستقبل». فكما أنّك لا تقول هاهنا: «أنّ يزدادوا إلى حياتهم الحياة» بالتعريف، وإنما تقول: «حياة» إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على الإطلاق، كقولنا:
«كل أحد يحب الحياة، ويكره الموت»، كذلك الحكم في الآية.
والذي ينبغي أن يراعى: أنّ المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه، إذا كان موجودا حال وصفك له بالحرص عليه، لم يتصوّر أن تجعله حريصا عليه من أصله. كيف؟ ولا يحرص على الراهن ولا الماضي، وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد بعد.
وشبيه بتنكير الحياة في هذه الآية تنكيرها في قوله ﷿: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩]، وذلك أن السبب في حسن التنكير، وأن لم يحسن التعريف، أن ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكن على أنه لما كان الإنسان إذا علم أنه إذا قتل قتل، ارتدع بذلك عن القتل، فسلم صاحبه، صار حياة هذا المهموم بقتله «١» في مستأنف الوقت، مستفادة بالقصاص، وصار كأنّه قد حيي في باقي عمره به. وإذا كان المعنى على حياة في بعض أوقاته، وجب التنكير وامتنع التعريف، من حيث كان التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من
_________________
(١) المهموم بقتله: أي الذي قصد قتله.
[ ١٨٩ ]
أصلها، وأن يكون القصاص قد كان سببا في كونها في كافة الأوقات. وذلك خلاف المعنى وغير ما هو المقصود.
ويبيّن ذلك أنّك تقول: «لك في هذا غنى»، فتنكّر إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ما يستغني به، فإن قلت: «لك فيه الغنى»، كان الظاهر أنك جعلت كلّ غناه به.
وأمر آخر، وهو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون همّ وإرادة، وليس بواجب أن لا يكون إنسان في الدنيا إلّا وله عدوّ يهمّ بقتله ثم يردعه خوف القصاص. وإذا لم يجب ذلك، فمن لم يهمّ إنسان بقتله، فكفي ذلك الهمّ لخوف القصاص، فليس هو ممّن حيّ بالقصاص. وإذا دخل الخصوص، فقد وجب أن يقال «حياة» ولا يقال «الحياة»، كما وجب أن يقال «شفاء» ولا يقال «الشّفاء» في قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: ٦٩]، حيث لم يكن شفاء للجميع.
واعلم أنه لا يتصوّر أن يكون الذي همّ بالقتل فلم يقتل خوف القصاص داخلا في الجملة، وأن يكون القصاص أفاده حياة كما أفاد المقصود قتله. وذلك أنّ هذه الحياة إنّما هي لمن كان يقتل لولا القصاص، وذلك محال في صفة القاصد للقتل، فإنما يصحّ في وصفه ما هو كالضّدّ لهذا، وهو أن يقال: إنه كان لا يخاف عليه القتل لولا القصاص.
وإذا كان هذا كذلك، كان وجها ثالثا في وجوب التنكير.