وبلاغة المطابقة لا يكفي فيها الإتيان بمجرد لفظين متضادين أو متقابلين معنى، كقول الشاعر:
ولقد نزلت من الملوك بماجد فقر الرجال إليه مفتاح الغنى
فمثل هذه المطابقة لا طائل من ورائها لأن مطابقة الضد بالضد على هذا النحو أمر سهل. وإنما جمال المطابقة في
مثل هذه الحالة أن ترشح بنوع من أنواع البديع يشاركها في البهجة والرونق، كقوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. ففي العطف بقوله تعالى:
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال
_________________
(١) الرفد: العطاء.
[ ٨٢ ]
العظيمة قدر على أن يرزق بغير حساب من شاء من عباده. وهذه مبالغة التكميل المشحونة بقدرة الله. فهنا اجتمعت المطابقة الحقيقية ومبالغة التكميل.
ومثله قول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمطابقة في الإقبال والإدبار، ولكنه لما قال «معا» زادها تكميلا، فإن المراد بها قرب الحركة وسرعتها في حالتي الإقبال والإدبار، وحالة الكر والفر. فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الوقع الحسن في النفس.
ثم إنه استطرد بعد تمام المطابقة وكمال التكميل إلى التشبيه على سبيل الاستطراد (١) البديعي، وبهذا اشتمل بيت امرئ القيس على المطابقة والتكميل والاستطراد.
وممن كسا المطابقة ديباجة التورية أبو الطيب المتنبي حيث قال:
برغم شبيب فارق السيف كفه وكانا على العلات يصطحبان
كأن رقاب الناس قالت لسيفه: رفيقك قيسيّ وأنت يماني (٢)
_________________
(١) الاستطراد البديعي أن يكون الشاعر في غرض من أغراض الشعر فيوهم أنه مستمر فيه ثم يخرج منه إلى غيره لمناسبة بينهما، على أن يكون المستطرد به آخر الكلام.
(٢) هو شبيب الخارجي، خرج على كافور وقصد دمشق وحاصرها وقتل على حصارها. كان من قيس وبين قيس واليمن عداوات وحروب قديمة، والسيف الجيد ينسب إلى اليمن فيقال له «يماني»، ومراد المتنبي هنا أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه، فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه. انظر المثل السائر ص ٢٥٨.
[ ٨٣ ]
فالمطابقة هنا هي في الجمع بين «قيسي ويماني» وقيسي منسوب إلى قيس من عدنان ويماني منسوب إلى اليمن من قحطان وكان بينهما شقاق وتنازع واختلاف، ومن هنا أتى التضاد بين «قيسي ويماني». والتورية في لفظة «يماني» لأن الشاعر يعني أن كف شبيب وسيفه متنافران فلا يجتمعان لأن شبيبا كان قيسيا والسيف يقال له: «يماني» فورّي به عن الرجل المنسوب إلى اليمن.
وقد أكثر الشعراء من استخدام المطابقة المجردة والارتفاع بجمالها وبلاغتها بما يضمونه إليها أو يكملونها أو يكسونها به من فنون البديع والبيان كالجناس واللف والنشر والتورية والتشبيه والاستعارة والتضمين.