والتضاد بين المعنيين قد يكون ظاهرا كما في الأمثلة السابقة، وقد يكون خفيا كقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا (١) فإدخال النار ليس ضد الإغراق في المعنى، ولكنه يستلزم ما يقابله وهو الإحراق؛ فإن من دخل النار احترق، والاحتراق ضد الغرق.
ومثله أيضا قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. فالمطابقة هنا هي في الجمع بين «أشداء ورحماء» فلفظة «رحماء» ليست ضدا في المعنى «لأشداء» ولكن الرحمة تستلزم
_________________
(١) مما خطاياهم: من أجل خطاياهم وبسببها.
[ ٨١ ]
اللين المقابل للشدة، لأن من رحم لان قلبه ورق. ومن هذه الناحية الخفية صحت المطابقة.
ومنه شعرا قول الحماسي:
لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى وإن قل مالي لا أكلفهم رفدا (١)
ففي قوله «تتابع لي غنى» معنى الكثرة التي هي ضد القلة.
أما قول أبي الطيب المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها سرور محب أو إساءة مجرم؟
فهو من المطابقة الفاسدة، لأن المجرم ليس بضد في المعنى للمحب بوجه ما، وليس للمحب ضد إلا المبغض.