هي التقية عائشة بنت يوسف بن أحمد بن نصر الباعوني المتوفاة سنة ٩٢٢ للهجرة، أثنى عليها كثير من الأدباء، وهي شاعرة ذات ديوان شعر بديع. ولها في مدح الرسول بديعية فريدة في مائة وثلاثين بيتا، أطلقت عليها اسم «الفتح المبين في مدح الأمين» (٢) ومطلعها:
في حسن مطلع أقماري بذي سلم أصبحت في زمرة العشاق كالعلم
وتحدثنا الباعونية في شرحها المختصر لبديعيتها عن سبب نظمها فتقول: «هذه قصيدة صادرة عن ذات قناع شاهدة بسلامة الطباع، منقحة بحسن البيان مبنيّة على أساس تقوى من الله ورضوان، سافرة عن وجوه البديع سامية بمدح الحبيب الشفيع، مطلقة من قيود تسمية الأنواع، مشرقة الطوالع في أفق الإبداع، موسومة بين القصائد النبويات بمقتضى الإلهام الذي هو عمدة أهل الإشارات «بالفتح المبين في مدح الأمين».
وتقول عن الشرح: «واستخرت الله تعالى بعد تمام نظمها وثبوت
_________________
(١) انظر ترجمة هذا العالم الجليل بقلمه في كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» ص: ١٥٥، وقد أعد له بروكلمان ٤١٥ مصنفا بين كتب كثيرة ورسائل ومقامات طبع أكثرها.
(٢) هذه البديعية وشرحها على هامش «خزانة الأدب» لا بن حجة الحموي ابتداء من صفحة: ٣١٠.
[ ٦٦ ]
اسمها في شرح يروق الطالب موارده وتعظم عند المستفيد فوائده، وهو أن أذكر بعد كل بيت حد النوع الذي بنيته عليه، وأقر شاهده فإن ذلك مما يفتقر إليه، وأنحو في ذلك الاختصار ولا أخل بواجب، وأنبه على ما لا بدّ منه قصدا لنفع الطالب ».
ومن هذه الكلمة نرى أن حب الرسول هو الدافع إلى نظم هذه البديعية التي حشدت فيها مائة وثلاثين نوعا من
المحسنات البديعية، وأنها لم تتقيّد بتسمية الأنواع، وأن طريقتها في الشرح أن تورد بعد البيت حد النوع الذي بنته عليه مشفوعا بالشاهد في اختصار غير مخل.
وقد وصف الشيخ عبد الغني النابلسي الباعونية بقوله: «إنها فاضلة ومن تآليفها هذه البديعية الفريدة المسماة بالفتح المبين في مدح الأمين، نظمتها على منوال تقي الدين بن حجة، مع عدم تسمية النوع تمسكا بطلاقة الألفاظ وانسجام الكلمات، وشرحتها بهذا الشرح المختصر الذي أسفرت فيه عن لسان البيان بقدر الطاقة والإمكان، ولها ديوان شعر بديع في المدائح النبوية كله لطائف، ومن تآليفها مولد جليل للنبي ﷺ اشتمل على فرائد النظم والنثر» (١).
٤ - ومن أصحاب البديعيات أيضا صدر الدين بن معصوم الحسيني المدني المتوفى سنة ١١١٧ للهجرة بمدينة حيدر أباد. وقد استهل صدر الدين هذا بديعيته بقوله:
حسن ابتدائي بذكرى جيرة الحرم له براعة شوق تستحل دمي
وهي على غرار بديعية كل من عز الدين الموصلي وتقي الدين بن حجة، من حيث تضمين أبياتها أسماء المحسنات البديعية. وقد وضع لها
_________________
(١) خزانة الأدب للحموي ص: ٤.
[ ٦٧ ]
شرحا سماه «أنوار الربيع في أنواع البديع»، وفيه تعرض- كسابقيه من أصحاب البديع- للحديث عمن صنفوا في البديع، ودونوه في مدائحهم النبوية البديعية.
٥ - وممن عاصر صدر الدين واشتهر في هذا الميدان الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (١) المتوفى سنة ١١٤٣ من الهجرة. وهو شاعر مولع بالبديع، له مؤلفات مختلفة، منها بديعيتان، نحا في إحداهما منحى صفي الدين الحلي وعائشة الباعونية، بمعنى أنه مثلهما لم يلتزم فيها اسم النوع البديعي، ومطلع هذه البديعية التي سمّاها «نسمات الأسحار في مدح النبي المختار» هو:
يا منزل الركب بين البان فالعلم من سفح كاظمة حييت بالديم
وله فيها شرح سماه «نفحات الأزهار» تحدث فيه عمن ألفوا في البديع ومن نظموا البديعيات.
أما بديعيته الثانية فمطلعها:
يا حسن مطلع من أهوى بذي سلم براعة الشوق في استهلالها ألمي
وهي على منوال بديعية عز الدين الموصلي وتقي الدين بن حجة، من حيث تضمن كل بيت اسم النوع البديعي الذي بنى عليه. وقد كتب كل بيت من البديعية الثانية أمام ما يماثله في هامش البديعية الأولى، والتزم ذلك من طبعوا هذا الشرح. وللبديعية الثانية شرح وضعه القلعي مع البديعيات العشر.
وفي شرحه «نفحات الأزهار» يحدثنا عن بديعيته الأولى بقوله:
_________________
(١) انظر ترجمته في تاريخ الجبرتي ج ٢ ص: ٢٢.
[ ٦٨ ]
«نظمت هذه القصيدة الميمية المسماة بنسمات الأسحار في مدح النبي المختار على طريقة تلك القصائد البديعية، معرضا عن نظم اسم النوع البديعي في أثناء البيت لأني رأيت ذلك إنما يكسب تنافر الكلمات وغرابة المباني وقلاقة (١) المعاني» ثم يستطرد إلى القول بأن التصرف في اسم النوع لضرورة النظم يجعل التعرف عليه من لا يعرف اسمه ورسمه أمرا صعبا.
والغريب أنه مع نقده لهذا النوع من البديعيات يعمد إلى نظم قصيدة بديعية من طرازها!.
كذلك ينبئنا في شرحه «نفحات الأزهار» أن أبيات كل من بديعيته تبلغ مائة وخمسين بيتا، وأنهما يشتملان على مائة وخمسة وخمسين محسنا بديعيا، بعد زيادة أنواع لطيفة وفنون ظريفة، لا توجد في البديعيات التي سبقته، «وربما اتفق في البيت الواحد النوعان والثلاثة بحسب انسجام القريحة في النظم، والمعتمد فيها على ما أسس البيت عليه» ثم يشير إلى أن شرحه وسط بين الإيجاز والإطناب حتى لا يشعر قارئه بالملل والسأم.
تلك هي أهم البديعيات التي ظهرت قبل العصر الحديث، أي منذ قام بالمحاولة الأولى في هذا الاتجاه علي بن عثمان الأربلي في النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى عصر عبد الغني النابلسي.