طرفا التشبيه هما المشبه والمشبه به، وهما ركناه الأساسيان، وبدونهما لا يكون تشبيه.
ولعل قدامة بين جعفر هو أول من بحث التشبيه بحثا أقرب إلى المنهاج العلمي، فأساس التشبيه عنده أن يقع بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمّهما ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما بصفتها.
وهو يبني قوله هذا على أساس أن الشيء لا يشبّه بنفسه ولا بغيره من كل الجهات، لأن الشيئين إذا تشابها من جميع الوجوه، ولم يقع بينهما تغاير البتة اتّحدا، فصار الاثنان واحدا. وإذا كان الأمر كذلك، فأحسن التشبيه عنده هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد (١).
وقد تابع أبو هلال العسكري قدامة في رأيه القائل بأن الشيئين إذا تشابها من جميع الوجوه، ولم يقع بينهما تغاير البتة اتحدا، فصار الاثنان واحدا، وذلك إذ يقول: «ويصح تشبيه الشيء بالشيء جملة، وإن شابهه من وجه واحد،
مثل قولك: وجهك مثل الشمس، ومثل البدر، وإن لم يكن مثلهما في ضيائهما ولا عظمهما، وإنما شبّه بهما لمعنى يجمعهما وإياه وهو الحسن. وعلى هذا قول الله ﷿: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، إنما شبّه المراكب بالجبال من جهة عظمها لا من جهة
_________________
(١) انظر نقد الشعر لقدامة ص ٧٧ - ٧٨.
[ ٦٥ ]
صلابتها ورسوخها ورزانتها، ولو أشبه الشيء الشيء من جميع جهاته لكان هو هو» (١).
وما من شك في أن ابن رشيق كان ينظر أيضا إلى قول قدامة الآنف الذكر عند ما قال في كتابه العمدة ما معناه: إن المشبه لو ناسب المشبه به مناسبة كلية لكان إياه، كقولهم «فلان كالبحر»، إنما يريدون كالبحر سماحة وعلما وليس يريدون ملوحة البحر وزعوقته (٢).
ومما يجري مجرى الكلام السابق بالنسبة لطرفي التشبيه قول السكاكي: «لا يخفى عليك أن التشبيه مستدع طرفين مشبّها ومشبّها به، واشتراكا بينهما من وجه وافتراقا من آخر، مثل أن يشتركا في الحقيقة ويختلفا في الصفة أو بالعكس. فالأول كالإنسانين إذا اختلفا طولا وقصرا، والثاني كالطولين إذا اختلفا حقيقة: إنسانا وفرسا، وإلا فأنت خبير بأن ارتفاع الاختلاف من جميع الوجوه حتى التعيّن يأبى التعدد، فيبطل التشبيه، لأن تشبيه الشيء لا يكون إلا وصفا له بمشاركته المشبّه به في أمر، والشيء لا يتصف بنفسه. كما أن عدم الاشتراك بين الشيئين في وجه من الوجوه يمنعك محاولة التشبيه بينهما، لرجوعه إلى طلب الوصف حيث لا وصف» (٣).