ومن كتب الدراسات النقدية على أسس بلاغية كتاب «الوساطة بين المتنبي وخصومه» لأبي الحسن علي بن عبد العزيز الشهير بالقاضي الجرجاني، المتوفى سنة ٣٦٦ للهجرة.
ومع أنّ الوساطة كتاب نقد أكثر منه كتاب بلاغة، فإنّ الجرجاني قد عالج فيه الاستعارة بتوسع، مفرقا بينها وبين التشبيه البليغ. وفي حديثه عن الاستعارة يقول: «فأمّا الاستعارة فهي أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول في التوسع والتصرف، وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ، وتحسين النظم والنثر، وقد قدمنا عند ذكرنا البديع نبذا منها مثلنا بها المستحسن والمستقبح، وفصلنا بين المقتصد والمفرط. وقد كانت الشعراء تجري على
[ ١٥ ]
نهج منها قريب من الاقتصاد، حتى استرسل فيها أبو تمام ومال إلى الرخصة فأخرجه إلى التعدي، وتبعه أكثر المحدثين بعده، فوقفوا عند مراتبهم من الإحسان والإساءة، والتقصير والإصابة. وأكثر هذا الصنف من الباب الذي قدمت لك القول فيه، وأقمت لك الشواهد عليه، وأعلمتك أنّه مما يميز بقبول النفس ونفورها، وينتقد بسكون القلب ونبوه، وربما تمكنت الحجج من إظهار بعضه، واهتدت إلى الكشف عن صوابه أو غلطه» (١).
ولعلّنا ندرك من هذا القول أنّ مردّ الحكم على جودة الاستعارة أو قبحها عند الجرجاني هو «قبول النفس أو نفورها» وأنّ ذلك أكثر من الحجج الدالة على جودة الاستعارة أو قبحها، فقد يجد الناقد حججا يستدل بها على
جودة الاستعارة، ومع ذلك تنفر منها النفس، أو يجد حججا يستدل بها على قبح الاستعارة، ومع ذلك تقبل عليها النفس.
ولا ريب أنّه في ذلك يلتقي مع الآمدي في أنّ الحكم على جودة الاستعارة أو رداءتها يرجع أكثر ما يرجع إلى الذوق الذي هو وليد المران والدربة وإطالة النظر والتأمل في أقوال الشعراء المجيدين.