من أسرار البلاغة العلم بمواطن الوصل والفصل في الكلام، أو بعبارة أخرى العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها، والإتيان بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد الأخرى.
وإدراك مواطن الوصل والفصل في الكلام لا تتأتى إلا للعرب الخلّص لأن اللغة لغتهم وهم ينطقون بها عن سليقة، كما لا تتأتى إلا لمن طبعوا على البلاغة وأوتوا حظا من المعرفة في ذوق الكلام.
وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة، فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال: «البلاغة معرفة الفصل من الوصل»، وذاك لغموض هذا الباب ودقة مسلكه، ولأن من يكمل له إحراز الفضيلة فيه يكمل له إحراز سائر معاني البلاغة.
«والوصل» يعني عند علماء المعاني عطف جملة على أخرى «بالواو» فقط من دون سائر حروف العطف الأخرى، كقول المتنبي:
أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب (١)
ويقصد علما المعاني «بالفصل» ترك هذا العطف، كقول الشاعر:
_________________
(١) الدنا: جمع دنيا، والسابح: الفرس السريع الجري، يقول: سرج الفرس أعز مكان لأن صاحبه يجاهد عليه في طلب المعالي، والكتاب خير جليس لأنه مأمون الأذى.
[ ١٦٠ ]
عادة الأيام لا أنكرها فرح تقرنه لي بترح
وقد قصر علماء المعاني عنايتهم في هذا الباب على البحث في عطف الجمل «بالواو» دون بقية حروف العطف كما أشرت سابقا، لأن «الواو» هي الأداة التي تخفى الحاجة إليها ويتطلب فهم العطف بها دقة في الإدراك.
وسبب ذلك أنها لا تدل إلا على مطلق الجمع والاشتراك، أما غيرها من أحرف العطف فتفيد مع الاشتراك معاني زائدة كالترتيب مع التعقيب في الفاء، والترتيب مع التراخي في «ثم» وهلم جرا. فإذا عطفت بواحد منها ظهرت الفائدة وسهل إدراك موطنها.
وبعد فلكل من الفصل والوصل بالواو في الكلام مواضع خاصة تدعو إليها الحاجة ويقتضيها المقام. والآن نعرض بالشرح والتفصيل لهذه المواضع بادئين بالفصل.