من دراستنا السابقة لأضرب الخبر أدركنا أن المخاطب على حسب تخيل المتكلم أو القائل إن كان خالي الذهن ألقي إليه الخبر غير مؤكد، وإن كان مترددا شاكا في مضمونه طالبا معرفته حسن توكيده له، وإن كان منكرا للخبر وجب توكيده له بمؤكد أو أكثر على حسب درجة إنكاره قوة وضعفا.
وإلقاء الكلام أو الخبر بهذه الطريقة المتدرجة على حسب جهل
_________________
(١) لا يروعهما النفر: لا يفزعهما التفرق أو الفراق.
[ ٦٠ ]
المخاطب بمضمون الخبر أو شكه فيه أو إنكاره له هو ما يقتضيه الظاهر.
ولكن إيراد الكلام أو الخبر لا يكون دائما وأبدا جاريا على مقتضى الظاهر، فقد تجدّ اعتبارات تدعو المتكلم إلى أن يورد الكلام أو الخبر على صورة تخالف الظاهر، أو على صورة تخرج به عن مقتضى الظاهر كما يقول البلاغيون.
ومن الاعتبارات التي يلحظها المتكلم وتدعوه إلى الخروج بالكلام عن مقتضى الظاهر ما يلي:
١ - أن ينزّل خالي الذهن منزلة المتردد الشاكّ إذا تقدم في الكلام ما يشير إلى حكم الخبر ومضمونه. ومن هذا الضرب من الكلام قوله تعالى:
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ.
فالمتأمل في هذه الآية الكريمة يجد أن المخاطب بها خالي الذهن من الحكم أو من مضمون قوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، ولكن هذا الحكم لما كان مسبوقا بجملة وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي، وهي في مضمونها تشير إلى أن النفس محكوم عليها بشيء غير محبوب أو مرغوب فيه، أصبح المخاطب بقوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ متطلعا إلى نوع هذا الحكم، الذي يجهله ولا يدري حقيقته، ومن أجل ذلك نزّل هذا المخاطب منزلة المتردد الشاكّ، وألقي إليه الخبر مؤكدا استحسانا.
ومن أمثلة هذا النوع من التنزيل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وقوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وقوله تعالى أيضا: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ*.
ومن أمثلته في الشعر قول عنترة:
لله درّ بني عبس لقد نسلوا من الأكارم ما قد تنسل العرب
وقول أبي الطيب المتنبي:
ترفق أيها المولى عليهم فإن الرفق بالجاني عتاب
[ ٦١ ]
٢ - أن يجعل غير المنكر كالمنكر لظهور أمارات الإنكار عليه. ومثال ذلك قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ؛ فالمخاطبون بهذه الآية الكريمة لا ينكرون حقيقة الموت بالنسبة للإنسان، وأنه مهما طال أجله فإن مصيره إلى الموت والفناء، وعلى ما يقتضيه الظاهر كان يجب أن يلقى الكلام إليها خاليا من التأكيد، ولكننا مع ذلك نرى أن الكلام قد خرج عن مقتضى الظاهر وألقي إليهم مؤكدا. فما السبب في ذلك؟.
السبب ظهور أمارات الإنكار عليهم، فإن نسيانهم للموت وتكالبهم على مطالب العيش كأنهم مخلدون أبدا، وعدم بذلهم في الحياة الدنيا ما ينفعهم في الآخرة، كل هذه بوادر منهم تدل على إنكارهم لحقيقة الموت، ومن أجل ذلك نزّلوا منزلة المنكرين، وألقي الخبر إليهم مؤكدا بمؤكدين هما «إن» و«لام الابتداء».
ومثال ذلك أيضا قولك لمن يعقّ والديه ولا يطيعهما: «إن برّ الوالدين لواجب»، فالمخاطب بهذا الكلام لا ينكر أن برّ الوالدين واجب ولا يداخله شك في ذلك. وكان مقتضى الظاهر أن يلقى إليه الخبر غير مؤكد، ولكن عقوقه
لوالديه، وغلظته في معاملتهما، وعدم إطاعتهما، كل ذلك اعتبر من علامات الإنكار، ولذلك نزّل منزلة الجاحد المنكر وألقي الخبر إليه مؤكدا بمؤكدين وجوبا، خروجا عن مقتضى الظاهر:
ومثاله أيضا من الشعر قول حجل بن نضلة القيسيّ:
جاء شقيق عارضا رمحه إن بني عمك فيهم رماح
فشقيق هذا الرجل لا ينكر رماح بني عمه، ولكنه مع ذلك يأتي إليهم عارضا شاهرا رمحه مدلّا بنفسه وشجاعته عليهم كأنه يعتقد أنهم عزل من السلاح. فمجيئه على هذه الحال علامة على إنكاره وجود السلاح مع بني عمه، ولذلك أنزل منزلة المنكر، وبالتالي ألقي الخبر إليه مؤكدا وقيل له:
إن بني عمك فيهم رماح.
[ ٦٢ ]
٣ - أن يجعل المنكر كغير المنكر، إن كان لديه شواهد وأدلّة لو تأملها لعدل عن إنكاره.
ومثال ذلك قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ففي هذه الآية الكريمة نرى الله جلّ شأنه يوجه الخطاب إلى المنكرين لوحدانيته، وكان مقتضى الظاهر يوجب إلقاء الخبر على المنكرين مؤكدا، ولكننا نرى الخبر في الآية قد خرج عن مقتضى الظاهر، فألقي إلى المنكرين مجردا من التوكيد، كما يلقى إلى غير المنكرين، فما السبب في ذلك؟
السبب أن بين أيدي المنكرين لوحدانية الله من الأدلة الساطعة والشواهد المقنعة ما لو تدبّروه وعقلوه لزال إنكارهم ولحل محله اليقين والاقتناع بوحدانية الله. ولذلك لم يكترث الله بإنكارهم عند توجيه الخطاب إليهم، وأنزل هؤلاء المنكرين منزلة غير المنكرين لوجود الدلائل التي لو تأملها المنكر لاقتنع وكفّ عن إنكاره.
وأمثلة هذا النوع كثيرة، كأن تقول لمن يجحد فضل العلم: «العلم نافع»، ولمن ينكر ضرر الجهل: «الجهل ضار» ولمن ينكر ما يسبّبه الفراغ من الفساد والإفساد: «الفراغ مفسدة»، وهكذا
وبعد فلعلنا نرى في الأمثلة الكثيرة التي أوردناها عن أضرب الخبر وعن خروج الكلام عن مقتضى الظاهر ما يوضح لنا القيمة البلاغية لأساليب الخبر المختلفة، تلك القيمة التي تستمد عناصرها دائما من «مطابقة الكلام لحال المخاطبين».