التمني نوع من الإنشاء الطلبي. وقد عرّفه سعد الدين التفتازاني (٣) بقوله: «التمني، هو طلب حصول شيء على سبيل المحبة».
وعرفه ابن يعقوب المغربي بقوله: «هو طلب حصول الشيء بشرط المحبة ونفي الطماعية في ذلك الشيء»، فخرج ما لا يشترط فيه المحبة، كالأمر والنهي والنداء والرجاء بناء على أنه طلب، وأما نفي الطماعية
_________________
(١) رفوني: أي سكنوني، والبيت لأبي خراش الهذلي. انظر ديوان الهذليين القسم الثاني ص ١٤٤.
(٢) كتاب الصاحبي ص ١٨٣.
(٣) انظر مختصر سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني ج ٢ ص ٢٣٩.
[ ١١١ ]
فلتحقيق إخراج نوع الرجاء الذي فيه الإرادة، وإخراج غيره مما فيه الطماعية (١).
ومن ذلك يتضح أن التمني: طلب أمر محبوب لا يرجى حصوله: إما لكونه مستحيلا، والإنسان كثيرا ما يجب المستحيل ويطلبه، وإما لكونه ممكنا غير مطموع في نيله.
فالأول: وهو طلب الأمر المحبوب الذي لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا، مثل قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب
وقول ابن الرومي في شهر رمضان:
فليت الليل فيه كان شهرا ومرّ نهاره مرّ السحاب
وقول آخر:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
ونحو قول المتنبي:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت منّي بحلمي الذي أعطت وتجريبي
فما الحداثة من حلم بمانعة قد يوجد الحلم في الشبان والشيب (٢)
والثاني: وهو طلب الأمر المحبوب الذي لا يرجى حصوله لكونه ممكنا غير مطموع في نيله، نحو قوله تعالى: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ وقوله تعالى أيضا: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ.
وكقول مروان بن أبي حفصة في رثاء معن بن زائدة:
فليت الشامتين به فدوه وليت العمر مدّ له فطالا
_________________
(١) انظر مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح لابن يعقوب المغربي على هامش مختصر سعد الدين التفتازاني ج ٢ ص ٢٣٩.
(٢) الحلم هنا بمعنى العقل، والجمع حلوم وأحلام.
[ ١١٢ ]
واللفظ الذي يدل بأصل وضعه اللغوي على التمني هو «ليت»، وقد يتمنى بثلاثة ألفاظ أخرى لغرض بلاغي، وهذه هي: «هل» و«لعل» و«لو».
فالغرض البلاغي المنشود من وراء التمني بلفظتي «هل» و«لعلّ» هو إبراز المتمني المستحيل وإظهاره في صورة الممكن القريب الحصول، لكمال العناية به والشوق إليه.
فمن أمثلة «هل» قوله تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا، وقوله تعالى أيضا: فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ وقول الشاعر:
أيا منزلي سلمى سلام عليكما هل الأزمن اللائي مضين رواجع
ومن أمثلة «لعل» قوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ على إِلهِ مُوسى وقول الشاعر:
أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير
والغرض البلاغي من استعمال «لو» في التمني، هو الإشعار بعزة المتمنّى وقدرته، لأن المتكلم يظهره في صورة الممنوع، إذ أن «لو» تدل بأصل وضعها على امتناع الجواب لامتناع الشرط.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وقول جرير:
ولى الشباب حميدة أيامه لو كان ذلك يشترى أو يرجع
وقول مسلم بن الوليد:
واها لأيام الصبا وزمانه لو كان أسعف بالمقام قليلا (١)
وإذا كان الأمر المحبوب مما يرجى حصوله كان طلبه ترجّيا. وألفاظ
_________________
(١) واها: كلمة للتعجب من طيب الشيء، ومعنى واها لأيام الصبا: ما أطيب أيام الصبا.
[ ١١٣ ]
الرجاء التي يطلب بها الأمر المحبوب المطموع فيه والممكن حصوله هي «لعل» و«عسى».
ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا، وقوله: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، وقوله:
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها.
ومن الشعر:
لعل خيال العامرية زائر فيسعد مهجور ويسعد هاجر
على الليالي التي أضنت بفرقتنا جسمى ستجمعني يوما وتجمعه (١)
عسى فرج يأتي به الله إنه له كل يوم في خليقته أمر
عسى الأيام أن تدني حبيبا لقيت ببعده الكرب الشدادا
وقد تستعمل «ليت» في الرجاء لغرض بلاغي هو إبراز المرجو في صورة المستحيل مبالغة في بعد نيله.
ومن أمثلة ذلك:
فليت هوى الأحبة كان عدلا فحمل كل قلب ما أطاقا
ليت الملوك على الأقدار معطية فلم يكن لدنيء عندها طمع (٢)
ليت المدائح تستوفي مناقبه فما كليب وأهل الأعصر الأول؟
إن كان يجمعنا حبّ لغرّته فليت أنا بقدر الحب نقتسم (٣)