اعلم أن ليس كل كلمة معربة بل في الكلم ما يعرب وفيها ما لا يعرب ويسمى مبنيا فلا بد من تمييز البعض عن البعض ويتعين أحدهما بتعيين الآخر والمبني أقرب على الضبط فلنعينه بتعين المعرب.
اعلم أن المبني قسمان قسم لا يحتاج على عده واحدًا فواحدًا وقسم يحتاج على ذلك والأول جعلناه أربعة عشر نوعا: أولها الحروف. وثانيها الأصوات المحكية على قول من لا يجعلها حروفا كنحو حس وبس ووى ووا وأخ وبخ ومض وغيط ونح ونخ وهيخ وايخ ونحو ظيخ وشيب وماء وغاق وخاز وباز وطاق وطق وقب ونحو هلا وعدس وهيد وهيد وهاد وحه وده وحوب وحاى وعاى وحب وحل وهدع وهس وهيخ وفاع وحج وعه وعيز وهج وهجا وجاه ونحو جوت وجى ودوه وبس وئىء وساء وسوء وقوس ونظائرهن. وثالثها أمثلة الماضي والأمر أيضا عندنا. ورابعها أسماء الأفعال كنحو رويد ويقال. رويدك وتبل وهلم وهات، والأصح فيه عندي أنه ليس باسم فعل وستعرفه، وهاء فيه لغات، وله استعمالات ودونك وعندك عمرًا وحذرك بكرا وحذارك بكرا وحذارك وحيهل، وفيه لغات وبله وعليك الأمر وبه
[ ٧٧ ]
ونحو صه ومه وهيت وهلم وهل وهيك وهيل وهيا وقدك وقطلك واليك وأمين وآمين، ونحو هيهات وفيه لغات وشتان وسرعان ووشكان وأف وأوّه، وفيه لغات، وأمثال ذلك دون حسبك فيه وكفيك على الظاهر. وخامسها المضمرات وسادسها المبهمات، وهي كل ما كان متضمنا للإشارة على غير المتكلم والمخاطب من دون شرط أن يكون سابقا في الذكر لا محالة، ثم إذا كان مدركا بالبصر أو منزلا منزلته بحيث يستغنى عن قصة كنحو ذا وتا وتى وته وذه وأولا بالقصر والمدّ، وغير ذلك سميت أسماء الإشارة وإن لم يكن مدركا بالبصر ولا منزلا منزلته بحيث لا يستغنى عن قصة كنحو الذي والتي وما ومن وذو الطائية وذا في ماذا والألف واللام في نحو الضارب أمس والعلى وما انخرط في هذا السلك سميت موصولات وتلك القصة صلة إلا المثنى منها في أكثر اللغات واللائين والذين أيضا في لغة بنى عقيل وبني كنانة. قال قائلهم:
نحن اللذون صبحوا الصباحا يوم النخيل غارة ملحاحا
وإلا أيهم كاملة الصلة عند سيبويه ومن تابعه أو على أية حال كانت عند الخليل، ووجه ترك القصة في نحو اللتيا واللتي يأتيك في علم المعاني إن شاء الله تعالى. وسابعها صدور المركبات من نحو بعلبك وحضرموت، وخمسة عشرة والحادي عشر، والحادي عشرة، ونحو ضاربة وهاشمي عندي إذا تأملت وأمثالها إلا اثني عشر على الأقرب، ونحو زيد بن عمرو وهند بنة عاصم مما يكون العلم وموصوفا بابن مضاف على العلم وابنة هي كذلك إلا أن هذا الصدر من بين صدور المركبات التزم فيه اتباعه حركة العجز، وهو المضاف هذا ما يذكر، ولي فيه نظر. وثامنها الغايات، وهي كل ما كان أصل الكلام فيه أن ينطق به مضافا ثم يختزل عنه ما يضاف إليه لفظا لانية كنحو أتيتك من قبل مثلا. وتاسعها ما يتضمن معنى حرف الاستفهام أو الجزاء ما عدا أيا أو معنى غير ذلك لكن من أعجاز المركبات كنحو أحد عشر وأخواته وكذا
[ ٧٨ ]
حيص بيص وكفة كفة وصحرة بحرة فيمن لا يضم إليهما نحرة وبين بين ويوم يوم وصباح مساء وشغر بغر وشذر مذر وخدع مذع وحيث بيث وحاث باث لتضمن الأعجاز فيها معنى كلها معنى حرف العطف وكذا جارى بيت بيت لتضمن العجز إما معنى اللام أو معنى على عند أصحابنا، والأولى عندي أن يضمن معنى حرف غير عامل فيه كفاء العطف لسر تطلع عليه في خاتمة الكتاب بإذن الله تعالى. وعاشرها ما كان على فعال إما أمرًا كنحو حذار وتراك، وأنه قياس عند سيبويه في جميع الثلاثيات المجردة وإما بمعنى المصدر المعرفة كنحو فجار للفجرة ويسار للميسرة وجماد للجمود وحماد للمحمدة ولا مساس ودعنى كفاف ولا عباب ولا إباب وبوار وبلاء وغير ذلك، وإما معدولة عن الصفة مختصة بالنداء كنحو يا رطاب ويا خباث ويا دفار ويا فجار ويا لكاع وقوله:
أطوّف ما أطوف ثم آوي على بيت قعيدته لكاع
شاذ ويا فساق ويا خضاف ويا خزاق ويا حباق أو غير مختصة به كنحو براح وكلاح وجداع وأذام وطمار وطبار ولزام وإما معدولة عن فاعلة في الأعلام كنحو حذام وقطام وبهان وسجاح وكساب وسكاب وظفار وعرار في لغة أهل الحجاز دون لغة بني تميم في غير ما كان آخره من ذلك راء إذ في الرائي لا خلاف في البناء، وحادي عشرها ما أضيف على ياء المتكلم أوعلى الجمل من أسماء الزمان كيوم فعل أو على إذ منها كيومئذ وما شاكل ذلك فيمن يبنى فيهما،
[ ٧٩ ]
وثاني عشرها ما نودي مفردا معرفة كنحو يا زيد، وثالث عشرها ما نُفِي ونَفْيَ جنس كنحو لا رجل، ورابع عشرها نحو يضربن من الأفعال المضارعة وليضربْنَ أو ليضرِبَنَّ مما هو يقترن بنون جماعة النساء أو نون التوكيد وههنا نوع خامس عشر وهي الجمل.
والقسم الثاني من المبني إذا وإذ والآن وأمس عند غير الخليل وقط وفيه لغات وعوض بالفتح والضم وحيث بالحركات الثلاث وحوث بمعناه بالضم والفتح ولدن وأخواته جمع إلا في لغة قيس ومن وما الموصوفتان وما غير موصولة ولا موصوفة وكم الخبرية وكأين وكأي على مذهب يونس بن حبيب ومحمد بن يزيد وكيت وزيت ولهى أبوك وأخواته ووله لا أفعل ولات أوان في قوله:
طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن ليس حين بقاء
فيمن ليس مجرورا عنده ولما ومذ ومنذ وعلى وعن والكاف أسماء، هذا هو الحاصل من مبنيات الكلم وما خرج منه فهو معرب وأنه نوعان: نوع من الأسماء وهو يختص بالرفع والنصب والجر ونوع من الأفعال وهو يختص بالرفع والنصب والجزم، ثم إن النوع الأسمي صنفان صنف يقبل الحركات مع التنوين ويسمى منصرفا، وصنف لا يقبلها مع التنوين ويسمى غير منصرف فلا بد من تمييز أحدهما عن الآخر، والوجه في ذلك هو أن ههنا أمورا تسعة وتسمى أسباب منع الصرف. أحدها التأنيث معنى أو لفظا بالتاء أو بما يقوم مقامه كالآخر من المؤنث الزائد على ثلاثة أحرف مثل عناق وعقرب ومثل مساجد
[ ٨٠ ]
ومصابيح عندي من بين المكسرات للزوم الجمع التكسيري الذي هو كذلك التأنيث بخلاف ما سوى ذلك إذا اقترن بالعلمية نحو سعاد وطلحة وعناق وعقرب ومساجد ومصابيح أسماء أعلامًا أو بالألف مقصورة كانت كحبلى أو ممدودة كصحراء وسيرد في ألف التأنيث كلام في باب العامل. وثانيها العجمة وهي كون الكلمة من غير أوضاع العربية كنحو إبراهيم وإسماعيل ونوح ولوط إذا اقترنت بالعلمية. وثالثها العدل وهو تغير الصيغة بدون تغيير معناها كتغيير نحو عامر وحاذمة في الأعلام وواحد واجد على عشرة عشرة في غيرها على عمر وحذام وعلى موحد أو أحاد على معشر أو عشار. ورابعها الجمع اللازم كنحو مساجد ومصابيح وفيه تفصيل وهو أن نحو مساجد مما بعد ألف جمعه حرفان إذا كان ثانيهما ياء حذف في الرفع والجر ونون إلا فيما لا يعتد به. وخامسها وزن الفعل المختص بالأفعال كنحو ضرب أو المنزل بمنزلته وهو الغالب كنحو أفعل. وسادسها الألف والنون الزائدتان في باب فعلان فعلى كنحو سكران أو في الأعلام كنحو مروان وعثمان. وسابعها وثامنها الوصف والتركيب الظاهر كنحو ضارب وبعلبك وقولي التركيب الظاهر احتراز عن نحو ضاربة وهاشمي على ما قدمت. وتاسعها العلمية وهي كون الاسم موضوعا لشيء بعينه لا يتعداه، وقد عد بعض النحويين عاشرا وهو ألف الإلحاق المقصورة إذا اقترنت بالعلمية وعند من لم يعد ألحقها بألف حبلى
[ ٨١ ]
هذه التسعة متى كان في الاسم المعرب منها الجمعية اللازمة أو ألف التأنيث مقصورة أو ممدودة أو مما سوى ذلك اثنان فصاعدا كان غير منصرف وإلا كان منصرفا ألبتة عندنا خلافا للكوفيين فهم جوزوا منعه عن الصرف للعلمية وحدها، وههنا تفصيل لابد منه وهو أن الاسم إذا كان ثلاثيا ساكن الحشو فمع الاثنين صرفه أولى وان نحو أحمر مما يمتنع من الصرف اسم جنس عند تنكيره عن العلمية إذا كنت نقلته إليها لا يصرفه سيبويه ويصرفه الأخفش وأن مصغر نحو أعشى يعامل معاملة باب جوار. ثم إن المعرب في قبوله الإعراب على وجهين: أحدهما أن يكون بحيث لا يقبله إلا بعد أن يكون غيره قد قبله. والثاني أن لا يكون كذلك، والوجه الأول من النوع الاسمي خمسة أضرب تسمى التوابع وهي صفة وعطف بيان ومعطوف بحرف وتأكيد وبدل، فالصفة هي ما يذكر بعد الشيء من الدال على بعض أحواره تخصيصا له في المنكرات وتوضيحا في المعارف وربما جاءت لمجرد الثناء والتعظيم كالصفات الجارية على القديم ﷾ أو لما يضاد ذلك من الذم والتحقير أو للتأكيد كنحو أمس الدابر ومن شأنها إذا كانت فعلية وهي ما يكون مفهومها ثابتا للمتبوع أن تتبعه في الإفراد والتثنية والجمع والتعريف والتنكير والتأنيث والتذكير كما تتبعه في الإعراب، وإذا كانت سببية وهي ما يكون مفهومها ثابتا لما بعدها وذلك متعلق لمتبوعها أن لا تتبع إلا في الإعراب والتعريف والتنكير أو كانت يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والاثنان والجمع نحو فعيل بمعنى مفعول جاريا على الموصوف ونحو فعول ونحو علامة
[ ٨٢ ]
وهلباجة وربعة ويفعة مما يجري مؤنثا على المذكر ومن شأن متبوعها أن يكون ملفوظا به اللهم إلا عند وضوحه فيقتصر إذ ذاك على التقدير غير واجب مرة وواجبا أخرى كما في قولهم الفارس والراكب والصاحب والأورق والأطلس والأبطح والأجرع ونظائرها. وعطف البيان هو ما يذكر بعد الشيء من الدال عليه لا على بعض أحواله لكونه أعرف والمعطوف بالحرف هو ما يذكر بعد غيره بوساطة أحد هذه الحروف الواو والفاء وثم وحتى وأو وأم وأما على خلاف فيه ولا وبل ولكن على خلاف فيه أيضا وأي عندي، ومن شأن المعطوف إذا كان ضميرا متصلا مرفوعا أن يؤكد بالمنفصل وإلا لم يجز إلا لضرورة الشعر مع قبح إلا عند
الفصل كنحو ضربت اليوم وزيد وإذا كان ضميرا مجرورا أن يعاد الجار في المعطوف ألبتة. والتأكيد وهو في عرف أصحابنا ينصرف على المؤكد فهو ما يعاد في الذكر بدون وساطة حرف عطف لئلا يذهب بالكلام عن ظاهره إعادة إما بلفظه كنحو رأيت وإما بأحد هذه الألفاظ وهي النفس والعين وتثنيتهما وجمعهما وكلا ومؤنثه وكل وأجمعون وما كان من لفظه كأجمع وجمعاء وجمع، ومن شأن المؤكد إذا كان ضميرا متصلا مرفوعا والتأكيد أحد لفظي النفس والعين أن يوسط بينهما ضمير منفصل مرفوع وهذا الحكم في تثنيتهما وجمعهما لا يتغير، وإذا كان متصلا منصوبا أو مجرورا أن لا يؤكد من الضمائر إلا بالمنفصل المرفوع كقولك رأيتني أنا ومررت بك أنت، وإذا كان منكرا أن لا يؤكد بكل وأجمعين إلا المحدود منه عند الكوفيين كنحو قوله: لفصل كنحو ضربت اليوم وزيد وإذا كان ضميرا مجرورا أن يعاد الجار في المعطوف ألبتة. والتأكيد وهو في عرف أصحابنا ينصرف على المؤكد فهو ما يعاد في الذكر بدون وساطة حرف عطف لئلا يذهب بالكلام عن ظاهره إعادة إما بلفظه كنحو رأيت وإما بأحد هذه الألفاظ وهي النفس والعين وتثنيتهما وجمعهما وكلا ومؤنثه وكل وأجمعون وما كان من لفظه كأجمع وجمعاء وجمع، ومن شأن المؤكد إذا كان ضميرا متصلا مرفوعا والتأكيد أحد لفظي النفس والعين أن يوسط بينهما ضمير منفصل مرفوع وهذا الحكم في تثنيتهما وجمعهما لا يتغير، وإذا كان متصلا منصوبا أو مجرورا أن لا يؤكد من الضمائر إلا بالمنفصل المرفوع كقولك رأيتني أنا ومررت بك أنت، وإذا كان منكرا أن لا يؤكد بكل وأجمعين إلا المحدود منه عند الكوفيين كنحو قوله:
قد صّرت البكرة يوما أجمعا
والبدل هو ما يذكر بعد الشيء من غير وساطة حرف عطف على نية استئناف التعليق به لما علق بالأول مدلولا على ذلك تارة بإعادة
[ ٨٣ ]
العامل وأخرى بقرائن الأحوال وهو على أربعة أقسام: بدل الكل من الكل كقوله تعالى " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم " وبدل البعض من الكل كقولك: رأيت القوم أكثرهم وبدل الاشتمال كقولك: سلب زيد ثوبه وبدل الغلط كقولك: مررت برجل حمار في كلام لا يصدر عن روية وفطانة، ووجه الحصر عندي هو أنا نقول البدل إما أن يكون عين المبدل منه أولا يكون فإن كان فهو بدل الكل من الكل، وإن لم يكن فإما أن يكون أجنبيا عنه أولا يكون فإن كان فهو بدل الغلط، وإن لم يكن فإما أن يكون بعضه فهو بدل البعض من الكل أو غير بعضه فهو المراد ببدل الإشمال وقد سقط بهذا زعم من زعم أن ههنا قسما خامسا أهمله النحويون وهو بد ل الكل من البعض كنحو نظرت على القمر فلكه، ومن شأن البدل أن يراعى فيه رتبة الحكاية والخطاب والغيبة ومن ثم امتنع بي الشريف الاجتهاد وعليك الظريف الاعتماد ولم يمتنع مررت به أو بزيد به ورأيت إياك وأن لا يلزم رعاية رتبة التعريف والتنكير خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة ومن النوع الفعلي ثلاثة أضرب المعطوف بالحرف والتأكيد بإعادة اللفظ أو بغيره مما هو بمعناه بدل لفظي النفس والعين والبدل فتأمل. والثاني من وجهي المعرب من النوع الاسمي تسعة عشر ضربا ستة في الرفع واحد منها أصل في ذلك وهو أن يكون فاعلا والباقية ملحقة به وهي أن يكون مبتدأ أو خبرا له أو خبرا لأنّ وأخواتها أو خبر لا التي لنفي الجنس أو اسم ما ولا المشبهتين بليس وأحد عشر في النصب واحد منها أصل في ذلك وهو أن يكون
[ ٨٤ ]
مفعولا وأنه عندي أربعة أنواع: مفعول مطلق ومفعول له ومفعول فيه ومفعول به والباقية ملحقة به وهي أن يكون متعدي إليه بوساطة حرف جر أو أن يكون منصوبا بحرف النداء أو بالواو بمعنى مع أو بالاستثناء أو حالًا أو تمييزا أو خبرا في باب كان أو اسما في باب إنّ أو منصوبا بلا التي لنفي الجنس أو خبرا لما ولا المشبهتين بليس واثنان في الجر. أحدهما أصل فيه وهو أن يكون مضافا إليه. وثانيهما كالفرع وهو أن يكون مجرورا بحرف جر، ومن النوع الفعلي ثلاثة أضرب ما ارتفع وانتصب وانجزم لغير العطف والتأكيد والبدل وتفصيل القول في هذه الضروب يستلزم تفصيل القول