قال الجاحظ: في البيان والتبيين: لما بايع الناس يزيد بن الوليد وأتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكو والتحبس، كتب: بسم الله الرحمن الرحيم): من عبد الله أميرًا المؤمنين يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، أما بعد: فإني أراك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، وهو مثل يضرب لمن يتردد في أمره.
ولو أقتصر الأمر على إيراده أمثله للتمثيل مطلقًا، سواء أكان تشبيهًا تمثيليًا أو استعارة تمثيلية - على حد تعبير المتأخرين - لكان في أماكننا أن نجد مبررًا لهذا، بأن نقول: أنه باب التوسع في إيراد الأنماط البلاغية المتقاربة في المفهوم، ولكن عبد القاهر نفسه يؤكد لك رأيه في أنها جميعها من التشبيه محذوف الوجه والأداة بقوله: "وذكر أبوه أحمد العسكري أن هذا النحو من الكلام يسمى المماثلة وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد بالمثل والتميل، وليس الأمر كذلك كيف؟ وأنت تقول: "مثلك مثل من يقدم رجلًا ويؤخر أخرى"؟ ووازن هذا: أنك تقول: "زيد الأسط" فيكون تشبيهًا على الحقيقة وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه، ومثله: أنك تقول: أنت ترقم في الماء، وتضرب في حديد بارد، وتنفخ في غير فحم، فلا تذكر ما يدل صريحًا على أنك تشبه، لكنك تعلم أن المعنى على قول: أنت كمن يرقم في الماء، وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في
[ ١٤٢ ]
صفة اسمه أو صلته" (١).
فعبد القاهر الجرجاني يرد على أبي أحمد العسكري في زعمه أن هذا النحو من الكلام (يعني المثل) يسمى: «الماثلة» بأن هذه التسمية، توهم أنه غير المراد بالمثل والتمثيل، ثم يشمر عن ساعد الجد في دفع أن يكون هذا النحو من الكلام، غير المثل والتمثيل، وذلك بمحاولة إثبات من باب التشبيه الذي حذفت منه الأداة ووجه الشبه تمامًا كما في قولك "زيد الأسد".
ويبدو أن أبًا أحمد العسكري قد ذكر المماثلة ضمن مصطلحًا لفنون البديع التي أوردها في رسالته (صناعة الشعر).
ولئن كانت هذه الرسالة لم تصل إلينا، فإن أبًا هلال العسكري فقد ذكر المماثلة ضمن ما نقله عن خاله أبي أحمد العسكري، كما أن الباقلاني قد ذكرها - أيضًا - ضمن ما ذكره من فنون البديع - على هدي من تلك الرسالة - لأنه ذكر صراحة من بعضها أنه ينقل عن أبي أحمد، ونحن لا نستطيع أن ونعرف حكم أبي أحمد على (المماثلة) من حيث هي من قبيل الاستعارة أو من غيرها، لأن الباقلاني الذي ذكرها ضمن فنون البديع -على هدي من رسالة أبي أحمد - يقول: "من البديع: المماثلة وهي ضرب من الاستعارة، وذلك أن تقصد الإشارة إلى معنى، فيضع القائل ألفاظًا تدل عليه، وذلك أن المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصدت الإشارة إليه، ونظيره من المنثور أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن بيعته فكتب إليه
_________________
(١) إعجاز القرآن للباقلاني صـ ٤١.
[ ١٤٣ ]
«أما بعد فإني أراد تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فاعتقد على أيهما شئت» وكنحو ما كتب به الحجاج إلى المهلب: «فإن فعلت ذاك وإلا أشرعت إليك الرمح» فأجابه المهلب لا (فإن أشرع الأمير الرمح، قلبت إليه ظهر المجن ..) ومن هذا الباب في القرآن «وثيابك فطهر» قال الأصمعي «أراد البدن». بينما نجد أبا هلال العسكري - في الصناعتين - يقول "وقال قدامه: من أمثله هذا الباب: قول الشاعر:
أوردنهم صدور العيس مسنفة والصبح بالكوكب الدري منحور
قال: قد أشار إلى الفجر إشارة ظريفة بغير لفظه وليس في هذا البيت إشارة إلى الفجر، بل قد صرح بذكر الصبح، وقال هو منحور بالكوكب الدري، أي صار في نحره، قم قال أبو هلال: ووضع هذا البيت في باب الاستعارة أولى منه في باب المماثلة (١).
فالباقلاني الذي اهتدى برسالة أبي أحمد، يذكر أن المماثلة ضرب من الاستعارة -كما رأيت وأبو الهلال العسكري الذي لا بد أن يكون قد أطلع على رسالة حاله، لأنه نقل منها فنونًا من البديع (٢) يشير إلى أن الاستعارة غير المماثلة.
ولهذا فإننا نرجح ألا يكون أبو أحمد قد صرح بأن المماثلة تغاير الاستعارة أو توافقها.
_________________
(١) الصناعتين صـ ٣٤٤، صـ ٣٤٥ (مطبعة محمد علي صبيح).
(٢) أنظر البلاغة تطور وتاريخ صـ ١٤٤ وأنظر الصناعتين صـ ٣٩١.
[ ١٤٤ ]