وعلى كل من هذه الأوجه فلا إشكال في الآية الكريمة.
ثم سألنا اثنين من العلماء المدرسين بالمعهد الديني في "أم درمان" عن تحقيق بيتين في ألفية ابن مالك:
إن يسكن السابق من واو ويا واتصلا ومن عروض عريا
فياء الواو اقلبنَّ مُدْغِما وشذ معطًى غير ما قد رُسِما
فأجبتهما بأن المعنى: أن الواو والياء إذا اجتمعتا في كلمةٍ، وسبقت إحداهما بالسكون، وكانت السابقة منهما أصلية غير مبدلة من شيءٍ، وسكونها أصلي غير عارض = أبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء، وإتيانه مبدلًا مع فقد بعض الشروط المذكورة شاذٌّ، وعدم إبدال الواو ياء في المستوفى للشروط شاذ أيضًا.
مثال الإبدال في مستوفي الشروط: سيِّد، وميِّت، وصيِّب، فأصل سيد سَيْوِد، على وزن "فَيْعِل"، وأصل مَيِّت مَيْوِت، وكذلك أصل صَيِّب صَيْوِب.
كذلك، فاشتقاق السيد من السواد، والسواد: الجيش الكثير ونحوه، وسمي رئيسه سيدًا لأنه يسوس سوادًا، أي خلقًا كثيرًا، واشتقاق الميت من الموت، واشتقاق الصيب من الصَّوْب، وهما ظاهران.
فالياء في الأمثلة الثلاثة جاءت ساكنة غير مبدلة من شيء، وسكونها غير عارض قبل الواو في كلمةٍ واحدة، فأبدلت الواو ياء، فقيل: "سيِّد" بإدغام الياء في الياء، وكذلك صيِّب وميِّت.
[ ١٣٣ ]
وأشار ابن مالك إلى شرط سكون السابق منهما بقوله: "إن يسكن السابق"، وإلى شرط كونهما في كلمة واحدة بقوله: "واتصلا"، وإلى كون السابق غير عارض -أي غير مبدل من شيءٍ وسكونه غير عارض- بقوله: "ومن عروض عريا" أي تجرْد من كونه عارضًا في نفسه أو في سكونه، وأشار إلى شذوذ عدم الإبدال ياء مع استيفاء الشروط، وشذوذ الإبدال مع عدم استيفاء الشروط بقوله: "وشذ معطى غير ما قد رسما".
ومحترزات الشروط: أن الأول منهما إذا كان غير ساكن فلا إبدال، كغيور وطويل، وهذا محترز قوله: "إن يسكن السابق".
ومحترز قوله: "واتصلا" أنهما إن كانت إحداهما في آخر كلمة، والأخرى في أول كلمة أخرى فلا إبدال، لعدم الاتصال، كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [البقرة/ ٦١]، فالواو الساكنة هي الأخيرة من "كانوا" والياء هي الأولى من "يكفرون". وكقول الشاعر:
فإنها فلتات من وساوسه يعطي ويمنع لا بخلًا ولا كرما
فالياء الساكنة هي الأخيرة من "يعطي"، والواو هي الأولى من "ويمنع"، ولا إدغام في المثالين؛ لعدم الاتصال.
ومحترز قوله: "ومن عروض عريا" أن الساكن منهما إذا كان عارضًا أي مبدلًا من حرف آخر، وكان سكونه فقط عارضًا، فلا إبدال.
مثال عروض نفس الساكن منهما قولهم: "رُوْيا" بضم الراء والواو الساكنة المبدلة من الهمزة، فإبدال همزة الرؤيا واوًا جائز، وإذا فعل لم
[ ١٣٤ ]
تدغم الواو في الياء ولم تبدل ياء؛ لأنها عارضة، أي مبدلة من حرف غيرها وهو الهمز الذي عَيْنُ مادة رأى، ومن هذا القبيل "ديوان" و"بويع"، لأن ياء "الديوان" أصلها واو، وواو "بويع" مبدلة من ألف بايع.
ومثال عروض السكون فقط دون نفس الحرف الساكن ما لو خففت بالسكون مثل: قوي وهوي اللذان هما فعلان ماضيان مكسورا العين، أولهما من القوة، والثاني من الهوى الذي هو ميل النفس؛ لأنه هو الذي يأتي الفعل منه على فَعِلَ بالكسر يَفْعَل بالفتح، فتقول: هَوِيَ العاشق معشوقته بكسر الواو يهواها بفتحها، أما هوى بمعنى سقط وتردى فهي من فَعَلَ بالفتح يَفْعِل بالكسر، فتقول هَوَى بفتح الواو يَهْوِي بكسرها، والصالح للمثال هنا هو الأول، لأنك إذا خففت هَوِي وقَوِيَ بمكسور واوهما تقول هَوْيَ وقَوْيَ بسكون الواو، فتكون واوًا ساكنة قبل ياء في كلمة، ولا يجوز إبدال هذه الواو ياء وإدغامها في الياء بعدها؛ لأن سكونها عارض، إذ هي مكسورة سكنت للتخفيف.
ومثال شذوذ ترك الإبدال مع استيفاء الشروط المذكورة قولهم: يوم أيوم بمعنى شديد، ومنه قول الشاعر:
إن تهجري أسما فيومي أَيْوَمٌ إذا ما هجرت وليلتي ليلاء
ومثال شذوذ إبدال الياء واوًا في مستوفي الشروط المذكورة قولهم: فلان ذو فتوة، وعوى الكلب عوة؛ لأن أصلها "فتوية" بالياء و"عوية" بالياء، إذ ألف الفتى منقلبة عن ياءٍ بدليل تثنيته على فتيين وجمعه على فتيان، وألف عوى منقلبة عن ياء، لأنك إذا أسندت الفعل
[ ١٣٥ ]