أو حمل ما وقع للغير على غير مراد إذ لهذا احتملا
ثم طلب منا بعض حذاق الطلبة أن نتكلم لهم عن القادح المسمى "فساد الوضع"، والقادح المسمى "فساد الاعتبار" وأن نبين لهم تحقيق النسبة بينهما.
فكان جوابنا أن قلنا: سنبين لكم فساد الوضع وفساد الاعتبار، والنسبة بينهما.
أما فساد الوضع فهو كون الدليل قياسًا أو غيره ليس على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، كأن يكون صالحًا لضد ذلك الحكم أو نقيضه، كأخذ التوسيع من التضييق، وأخذ التخفيف من التغليظ، وأخذ النفي من الإثبات، أو الإثبات من النفي، وككون الوصف الجامع ثبت اعتباره بإجماع أو نص من كتاب أو سنة في نقيض الحكم أو ضده في دليل المستدل، قياسًا كان أو غيره.
مثال فساد الوضع بأخذ التوسيع من التضييق قول الحنفية: الزكاة واجبة على وجه الإرفاق لدفع حاجة المسكين، فكانت على التراخي، كالدية على العاقلة. فالتراخي الموسَّع ينافي دفع الحاجة المضيَّق، والمراد بالرفق الرفق بالمالك، ومن فوائد كونها على وجه الإرفاق به تجويز إخراجها من غير المال الذي وجبت فيه، وامتناع أخذ الكريمة من غير طيب نفس.
ومثال أخذ التخفيف من التغليظ قول الحنفية: القتل عمدًا جناية عظيمة لا تجب له كفارة، كالردة. فعظم الجناية يناسب تغليظ الحكم
[ ١٥١ ]
لا تخفيفه بعدم إيجاب الكفارة.
ومثال أخذ النفي من الإثبات قول الشافعي في معاطاة المحقرات: لم يوجد فيها سوى الرضى فلا ينعقد بها البيع، كغير المحقرات. فالرضى الذي هو مناط البيع يناسب الانعقاد لا عدمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٩].
ومثال أخذ الإثبات من النفي قول المالكي الذي يرى انعقاد البيع في المحقرات وغيرها بالمعاطاة: بيع لم يوجد فيه صيغة فينعدم. فإن انتفاء الصيغة يناسب عدم الانعقاد، لا الانعقاد.
ومثال كون الوصف الجامع ثبت اعتباره بالإجماع في نقيض حكم المستدل أو ضده قول الشافعي في مسح الرأس في الوضوء: مسح، فيستحب تكراره، كالاستنجاء بالحجر حيث يستحب الإيتار فيه، كما إذا حصل الإنقاء بحجرين مثلًا، فلا يعترض بأن تثليث الاستنجاء واجب، فيقال: المسح على الخف لا يستحب تكراره إجماعًا فيما قيل، وإن حكي عن ابن كج: استحباب تثليثه كمسح الرأس. فبيَّن المعترض أن جعل المسح جامعًا فاسد الوضع، إذ ثبت اعتباره إجماعًا في نفي الاستحباب، وهو نقيض الاستحباب، والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان؛ لأن ثبوت كل واحد منهما يستلزم انتفاء الآخر.
ومثال كون الوصف الجامع ثبت اعتباره في نقيض حكم المستدل أو ضده قول الحنفي: الهر سبع ذو ناب، فيكون سؤره نجسًا كالكلب. فيقال: السبعية اعتبرها الشارع علة للطهارة حيث دُعِيَ إلى دار فيها كلب فامتنع، وإلى أخرى فيها سنور أي هر فأجاب، فسئل عن ذلك
[ ١٥٢ ]
فقال: "السنور سبع". رواه الإمام أحمد وغيره.
وقال بعض العلماء: علة امتناعه كون الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب.
وهذا لا يقدح في التعليل الذي ذكرنا لوجهين:
أحدهما: أن تعليله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم عدم دخوله بعدم سبعية الكلب أعمُّ من دخول الملائكة؟ لتحقق السبعية في غير الكلب من الحيوانات، كالطير، مع دخول الملائكة.
والثاني: أن المثال يكفي فيه مطلق الاحتمال. قال في "مراقي السعود":
والشأن لا يُعْتَرَضُ المثالُ إذْ قد كفى الفرض والاحتمال
وجواب القدح في الدليل بفساد الوضع هو إثبات كونه صالحًا لترتيب الحكم عليه من جهة أخرى غير الجهة التي جاء منها الاعتراض، بأن يكون له جهتان، ينظر المستدل فيه من إحداهما، والمعترض من الأخرى، كما في مسألة الزكاة، فإن المستدل نظر إلى الرفق بالمالك المناسب للتراخي، والمعترض نظر إلى دفع حاجة المسكين المناسب للفورية، ولذلك يجري قولان في كل ما تجاذبه أصلان، كما قال ميارة في "تكميل المنهج المنتخب":
وإن يكن في الفرع تقريران بالمنع والجواز فالقولان
ويجاب عن عدم وجوب الكفارة في قتل العمد بأنه غلظ فيه بالقصاص فلا يغلظ فيه بالكفارة، وعن المعاطاة بأن عدم الانعقاد بها
[ ١٥٣ ]
مرتَّبٌ على عدم الصيغة لا على الرضى، ويقدر بكون الجامع معتبرًا في ذلك الحكم، وبكون تخلفه عنه بوجوده مع نقيضه لمانع كما في مسح الخف، فإن تكراره يفسده كغسله.
وهذا الجواب الأخير فيه دفع فساد الوضع لكنه يلزم القادح المسمى في الاصطلاح بـ "النقد" وهو وجود الوصف المحلل به دون الحكم، بناءً على أن عدم اطراد العلة قادحٌ فيها، والاطراد والملازمة في الثبوت والنقد المذكور ليس بقادحٍ عند الأكثرين، لأن أكثر علماء الأصول على أن وجود الوصف المعلل به دون الحكم ليس قادحًا في العلة، بل له حكم التخصيص، فالعلة من قبيل العام المخصوص بالصورة التي تخلف فيها الحكم عن العلة. وإلى هذا أشار في "مراقي السعود" بقوله في القوادح:
منها وجود الوصف دون الحكم سماه بالنقد وعاة العلم
والأكثرون عندهم لا يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص إن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا قد رآه البعض . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذا إذا مشينا على القول القائل بأن النقض في العلة المستنبطة لا يقدح إذا كان التخلف لانتفاء شرط أو وجود مانع، كما هو اختيار ابن الحاجب في "مختصره" الأصولي، وإليه الإشارة في "مراقي السعود" بقوله:
[ ١٥٤ ]
. . . . . . . . . ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر وليس فيما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع والوفق في مثل العرايا قد وقع
واعلم أن أقسام فساد الوضع الخمسة التي ذكرنا يمكن ردها إلى قسمين، وهما: تلقي الشيء من ضده أو نقيضه، أو كون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم أو ضده. وإلى هذا التحرير الذي ذكرنا في فساد الوضع أشار في "مراقي السعود" بقوله:
من القوادح فساد الوضع أن يجي الدليل حائدًا عن السنن
كالأخذ للتوسيع والتسهيل والنفي والإثبات من عديل
منه اعتبار الوصف بالإجماع والذكر أو حديثه المطاع
في ناقض الحكم بذا القياس جوابه بصحة الأساس
وأما "فساد الاعتبار" فهو أن يقوم نص من كتاب أو سنة أو إجماع على مخالفة دليل المستدل قياسًا كان أو غيره، فكل دليل من قياس أو غيره خالف كتاب اللَّه أو سنة نبيه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أو إجماع الأمة، فهو باطل بالقادح المسمى "فساد الاعتبار"، كأن يقال من جهة المخالف: لا يصح القرض في الحيوان لعدم انضباطه، كالمختلطات. فيعترض المالكي مثلا بأنه مخالف لحديث مسلم أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم استسلف بكرًا ورد رباعيًّا، وقال: "إن خيار الناس أحسنهم قضاء".
[ ١٥٥ ]
وكأن يقول الحنفي: لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته لحرمة نظره إليها كالأجنبية. فيعترض بأنه مخالف للإجماع السكوتي في تغسيل علي فاطمة ﵄.
وأول من قاس القياس الباطل بفساد الاعتبار الذي هو مخالفة النص هو إبليس اللعين، حيث قاس نفسه على عنصره الذي هو النار، وآدم ﵇ على عنصره الذي هو الطين، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف/ ١٢]، فقاس هذا القياس الباطل مع وجود النص الصريح وهو قوله تعالى: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف/ ١١]، مع أن الطين طبيعته الجمع والإصلاح والرزانة، تودعه النواة فيؤديكها نخلة، والحبة فيؤديكها سنبلة، والنار بخلاف ذلك طبيعتها الخفة والطيش والتفريق والإفساد، وانظر بين الرماد والبساتين المزهرة المتحلية بأنواع الزينة، فأصل الرماد النار، وأصل البساتين الطين، ولو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن النار خير من الطين، فشرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع، لجواز دناءة الفرع وخساسته مع شرف الأصل، كما قال الشاعر:
إذا افتخرْتَ بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئسما ولدوا
وكما قال الآخر:
وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلة
وباهلة هم الذين يقول فيهم الشاعر:
ولو قيل للكلب يا باهلي عوى الكلب من لؤم هذا النسب
[ ١٥٦ ]
والعرب تزعم أنهم يأكلون الناس من شدة خساستهم، ويقولون: إنهم اشتووا رجلًا اسمه عفاق فأكلوه، وفيه يقول الراجز:
إن عفاقًا أكلته باهله فمششوا عظامه وكاهله
وتركوا أم عفاق ثاكله
وأما النسبة بين "فساد الوضع" و"فساد الاعتبار" فاختلف فيها، فقال بعضهم: فساد الاعتبار أعم مطلقًا، وفساد الوضع أخص مطلقًا، وصرح بهذا القول أبو الحسن الآمدي في "إحكامه"، وهو ظاهر كلام السبكي في "جمع الجوامع".
والتحقيق خلافه، وهو أن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، وإيضاح ذلك أن "فساد الوضع" هو ألا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، وهو قسمان: تلقي الشيء من نقيضه أو ضده، وكون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم أو ضده، و"فساد الاعتبار" أن يخالف الدليل نصا أو إجماعًا.
فإذا تقرر ذلك ظهر أن التحقيق أن بينهما العموم من وجه؛ لصدق فساد الاعتبار فقط حيث يكون الدليل على الهيئة الصالحة لترتيب الحكم عليه، وصدق فساد الوضع فقط حيث لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لترتيب الحكم عليه، ولا يعارضه نص ولا إجماع، وصدقهما معًا حيث لا يكون الدليل على الهيئة المذكورة مع معارضة نصر أو إجماع له.
[ ١٥٧ ]
قال زكريا بعد توجيه كون العموم بينهما من وجه كما رأيت ما نصه: فما قيل من أن فساد الوضع أعمُّ، ومن أنهما متباينان، ومن أنهما متحدان = فسهوٌ.
وإلى هذا التحقيق والأختيار من الاختلاف أشار في "مراقي السعود" بقوله:
والخلف للنص أو اجماع دعا فسادَ الاعتبار كلُّ من وعى
وذاك من هذا أخص مطلقا وكونه ذا الوجه مما ينتقى
وقوله: "ينتقى" أي يختار.
وجواب القدح بالقادح المسمى "فساد الاعتبار" يكون بأمور:
منها: الطعن في السند إن لم يكن متواترًا بأنه موقوفٌ، أو منقطعٌ، أو معضلٌ، أو مرسلٌ، أو أن راويه غير عدل، أو كذَّبه فيه شيخُه.
ومنها: منع ظهور النص المعترض به فيما يدعيه المعترض، كمنع عمومٍ، أو مفهومٍ، أو دعوى إجمال.
ومنها: دفع النص بنصٍّ أقوى منه.
ومنها غير ذلك.
ثم دار في المذاكرة ذكر "تنقيح المناط"، فطلب منَّا بعض القوم أن نبين لهم "تنقيح المناط" و"تخريج المناط" و"تحقيق المناط"، وأن نتكلم لهم على هذه الأقسام الثلاثة بما يكشف النقاب عنها.
[ ١٥٨ ]