قالت الكيسانية بإمامة محمد [١] بن علي، وذكروا أن أباه أوصى إليه.
والكيسانية منسوبون إلى المختار بن أبي عبيد، وكان يلقب كيسان، وهو أول من قال بإمامة محمد بن علي، وبها كان يقول علي بن عبد الله وولده إلى أيّام المهدي [٢] . وكان تشيّع العبّاسية أصله من قبل محمد بن الحنفية، وإلى ذلك دعا [٧٤ ب] أبو مسلم حتى كان زمان المهدي، فردّهم المهدي إلى إثبات الإمامة للعبّاس بن عبد المطلب، وقال لهم: إنّ الإمامة كانت للعبّاس عمّ النبي ﷺ، فإنّه كان أولى الناس به وأقربهم إليه، ثم من بعده عبد الله بن العبّاس، ثم بعده عليّ بن عبد الله، ثم من بعده محمد بن علي، ثم من بعده إبراهيم بن محمد، ثم أبو العبّاس، ثم أبو جعفر، ثم المهدي، ثم مدّها في ولد المهدي فهي قائمة فيهم إلى اليوم [٣] .
وكان عبد الله بن [٤] محمد بن علي قد أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله وألقى إليه أسراره. قال عيسى بن علي: فو الله ما سمعناه يكلّمه بشيء يرتاب به، وإن كان ليكثر مناجاته، فإذا غشيه ولده أو خاصته أجرى ذكر الضيعة والعيال، كأنّه إنّما كان يناجيه في ذلك. وكان محمد فيما وصف من حسن هيأته وفقهه وورعه وطهارته إماما لمن جاوره أو خالطه أو رآه، حتى اختصّه الله بما اختصّه به، وقد جمع له من حقوق الإمامة
_________________
(١) أي محمد بن الحنفية.
(٢) كتاب التاريخ ص ٢٤٥ ب.
(٣) انظر كتاب التاريخ ص ٢٤٦ أ.
(٤) زيادة يقتضيها ما جاء في هذا الكتاب. وصاحب الوصية هو أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية.
[ ١٦٥ ]
مع تناهي وصايا أهل الفضل من أهل بيته ما جمعه له، فقام بأمر الله داعيا، ذابّا عن دينه، ومحييا لحقّه، ومميتا للباطل وأشياعه، وقد اجتمعت له في ذلك خلال استحق بها الإمامة والطاعة من الأمة، وسنذكر حجّته في ذلك.
منها أنّه كان ابن عبد الله بن عبّاس عمّ النبي ﷺ، [٧٥ أ] ووارثه لا ينكر ذلك من حقّه، ومنها أنّه كان في فضله وزهده ونزاهته وفقهه وورعه واجتماع خصال الخير فيه على أمر لم يكن على مثله أحد من أهل دهره، ومنها أنّه بدر إلى القيام بالحقّ والناس نوّم عنه، فدأب فيه، وشمّر في إقامته، ومنها ما تناهى من وصايا أهل بيته إليه، وإقرارهم بأنّه أولى بالأمر منهم، وأحقّ بالتقدّم عليهم، وأنّ الأمر فيه وفي ولده بما استوعبوا من العلم بذلك، وأمروا به من دفع الوصيّة إليه. وكان محمد على ما وصفنا من حاله مقيما على بيان من أمره، غير داخل في شبهة، ولا مبادر إلى فرقة، ولا منازع في فتنة، قد كتم سرّه، وأخفى أمره، يترقّب الوقت الّذي أمر فيه ببث [١] دعوته، فإنّه بلغنا أنّه لم يظهر منه قول يدلّ على ما كان ينطوي عليه من أمره حتى لقيه جار له من بني عذره. زعم المهلهل بن صفوان قال: سمعت محمد بن علي يقول لبكير بن ماهان: احفظوا ألسنتكم، فو الله لولا ما حضر من وقتكم ما نطقت بحرف من أمركم، وإنّي لمطرق على أمري مع معرفة منّي بتمام دعوتكم منذ دهر طويل ما ذكرت منها شيئا يستدلّ به على ما عندي حتى لقيني جار لي من بني عذرة، فقال [٢]: يا أبا عبد الله، لقد رأيت البارحة [٧٥ ب] رؤيا فيك معجبة. فقلت: ما هي؟
فقال: رأيت كأنّ شهبا خرجت من فيك فأضاءت لها الدنيا، فانتبهت
_________________
(١) في الأصل: «يبث» .
(٢) في الأصل: «فقلت» .
[ ١٦٦ ]
فزعا. فقلت: يغفر الله لك إنّي لأحبّ أن تستر ما رأيت، ولئن بقيت لترينّ تأويل رؤياك بأمر يقرّ الله به عينك إن شاء الله.
الحسن بن أبي سعيد قال: حدّثنا محمد بن الخطاب قال: قدم أبو هاشم ابن محمد بن علي- ابن الحنفية- فنزل على محمد بن علي بن عبد الله فاشتكى، فأوصى إلى محمد بن علي، وكان يسمّى محمد بعده: الإمام. وقتل زيد بن علي بالكوفة، وقتل ابنه يحيى بن زيد بخراسان في ولاية نصر بن سيّار الكناني، وجّه إليه سلم [١] بن أحوز التميمي فقتله، وأراد أن يصلبه فلم يحسنوا يصلبوه، فمرّ بهم رجل من أهل العراق فعلّمهم فصلبوه بجوزجان، وكان ذلك [٢] سبب حركة أهل خراسان ودعاتهم، وبعث محمد بن علي يدعوهم إلى طاعة آل رسول الله ﷺ، فقدم عليه أيّام الموسم قحطبة ابن شبيب.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى قال: حدثني أبو عبد الله المدني عن أبيه قال: كنت عند إسماعيل بن علي بن عبد الله [٣] بن جعفر ابن أبي طالب فجاءه ابن أخيه فقال له: يا عم! هل تعرف فيكم رجلا يقال له عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله غيري؟ قال: لا يا ابن أخي فما ذاك؟
قال فامرأته طالق إن لم أكن رأيت في ليلتي هذه مكتوبا على باب دار مروان، [٧٦ أ] الخليفة، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله. قال: يا ابن أخي! ما أراك إلّا صادقا، ولكن عليك مثل التي [٤] حلفت بها إن كان وراء هذا نسب كتمتناه [٥] . قال هو ذاك يا عم [٦] . قال: هو عبد الله بن محمد بن علي
_________________
(١) في الأصل: «سليم» . انظر ص ٢٥٢ من هذا الكتاب.
(٢) في الأصل مكررة.
(٣) زيادة. انظر جمهرة أنساب العرب ص ٦٧.
(٤) في الأصل: «الّذي» .
(٥) في الأصل: «كتمناه» .
(٦) في الأصل: «يا ابن العم» .
[ ١٦٧ ]
ابن عبد الله بن العبّاس، ابن الحارثية.
أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدّثني أبو أيوب سليمان الرقّيّ عن الحجّاج الرصافيّ عن أبيه قال: نظر عبد الملك إلى محمد بن عليّ [١]، وهو غلام من أجمل أهل زمانه فقال: هذا والله يفتن المرأة الشريفة. فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: أما والله إنّ ولده صاحب هذا الأمر، فقال عبد الملك: كلّا. فقال خالد: هو كذاك، إنّ تبيعا أخبرني عن كعب أنّ هذا الأمر يصير إلى بني العبّاس، وأنّه لا يلي رجل من آل أبي طالب إلّا أن يخرج على وال فيقتل، وأنّها لا تزال لولد العبّاس إلى أن ينزل المسيح.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس قال: سمعت يعقوب بن عيسى بن موسى يحدث عن عيسى بن موسى عن محمد بن علي قال: كنت أنا وعمر بن عبد العزيز جلوسا في مسجد دمشق في خلافة سليمان بن عبد الملك، وأيّوب بن سليمان يومئذ شاك، وكان سليمان بن عبد الملك قد رشّحه لولاية العهد، فمرّ رجل في المسجد فبعث إليه عمر بن عبد العزيز فدعاه فقال له: ما حال هذا؟ - يعني أيّوب-، قال: يموت. قال [٧٦ ب] عمر: يموت ويبقى الناس بلا وليّ عهد؟ قال:
نعم، ويموت أبوه بعده. قال: فمن يلي بعده؟ قال: أنت، فصاح به عمر، فذهب. فلم يلبث أن مات أيّوب، ثم مات سليمان بعده، وولي عمر بن عبد العزيز. فو الله إنّي لفي مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك إذ مرّ بي الرجل فبعثت إليه مولاي مهنأ، فدعاه، فجاءني، فقلت: لقد حدّثتنا بعجب، زعمت أنّ أيّوب يموت، ثم يموت سليمان، ويستخلف
_________________
(١) الأصل: «عبد الله»، والتصويب من أنساب الأشراف حيث يرد هذا الخبر ق ١ ص ٥٦٨ (إسطنبول) وص ٢٢٧ (الرباط) .
[ ١٦٨ ]
عمر بن عبد العزيز، فكان كما قلت، فمن يملك بعد يزيد بن عبد الملك [١]؟
قال: هشام. قلت: ثم من؟ قال الوليد بن يزيد، ثم يقتل. قلت: فعلى من تجتمع الناس؟ قال: على ابنك، فصحت به فقال: أي والله، ابن الحارثية، ولقد حمل به، ثم قام. فلما انصرفت على ريطة، قلت لها:
هل أنكرت نفسك؟ قالت: وما دعاك إلى المسألة عن هذا؟ فو الله ما كنت تسأل عنه، وقالت: قد أنكرت نفسي منذ أيام، فاستمرّ بها الحمل، فولدت أبا العباس.
عمر بن شبّة قال: حدّثني يعقوب بن القاسم قال: حدثني عبد الله بن المفضّل الغنوي عن محمد بن سوقة قال: كنت عند أبي جعفر [٢] محمد بن علي، فأتاه رجل من أهل الجزيرة، فسأله عن الناس فقال: تركتهم وما لهم همّ غيرك، قال: لم؟ فو الله ما أنا بصاحبهم، وما صاحبهم إلّا أنتم بني العبّاس.
قال: قرأت في كتاب جعفر بن محمد بن الفضيل بخطه: ذكر أبو اليمام الحكم بن نافع [٧٧ أ] الحمصي قال: حدّثنا أبو الأسود، وكان قد أدرك عمر بن عبد العزيز، عن عبد الرحمن الأنصاري قال: كنت عند الوليد بن يزيد فدخل عليه محمد بن علي بن عبد الله ومعه ابناه أبو العباس وأبو جعفر، فكلّمه في شيء ثم خرج، فقال لي الوليد، وأشار إلى أبي [٣] العباس، هذا صاحب بني أميّة. قلت: وكم يملك منهم؟ قال: يملك منهم أربعة وعشرون رجلا: ثمانية منهم يسمّون عبد [٤] الله، وثمانية يسمّون محمدا،
_________________
(١) في الأصل: «عمر بن عبد العزيز» وهو سهو من الناسخ.
(٢) هو محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
(٣) الأصل: «العباس»، وهو سهو واضح.
(٤) في الأصل: «عبد الله» مكرر.
[ ١٦٩ ]
وثمانية أسماؤهم مختلفة، يلي بعضهم السنة وبعضهم السنتين، وبعضهم العشر، وبعضهم أكثر وأقل، وآخرهم يملك أربعين سنة. قلت: وكيف علمت ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: من الكتب التي بعث بها إليّ عاملي على المغرب من كتب دانيال، قال: فقلت لجعفر بن محمد الراسبي: أقرأ عليّ هذا الكتاب قال: لست أقرأه على أحد من الناس فإن أردت أن تكتبه فاكتبه فكتبته من خطّه.
أبو محمد عبد الله بن أبي سعد قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز المدني قال: حدّثني [١] محمد بن سليمان بن سليط قال: قال الخراسانيون الذين أرادوا القيام في الدعوة: لا يصلح هذا الأمر إلّا لرجل من هؤلاء القوم [٢] يجتمع لنا فيه ثلاث خصال: يكون أعظمهم شرفا، وأفضلهم في نفسه دينا، وأسخاهم كفّا، فيكون قوم يتبعونه لشرفه وموضعه، وقوم يتبعونه لبراعة فضله ودينه، وقوم يتبعونه لجوده، فقدموا [٧٧ ب] المدينة، فاتفق [٣] لهم عبد الله بن الحسن بن الحسن فانسلّوا إليه متنكرين فقالوا له: إنّا قوم [٤] من شيعتك وإنّا خرجنا من خراسان، وبعث معنا بأموال نشتري بها لمن خلفنا حوائج، فقطع علينا، فذهبت الأموال، ولا يشبهنا في قدرنا فيمن خلفنا ألّا نفعل ما أمرنا به، وإن كان ذلك من أموالنا، ووراءنا نعم عظام،
_________________
(١) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٢٦- ٣٢٧، وق ١ ص ٥٦٥. وانظر العيون والحدائق ج ٣ ص ١٧٩- ١٨٠ وروايته توازي هذا النص.
(٢) في الأصل: «لا يصلح هذا الأمر من هؤلاء القوم إلا لرجل» . انظر العيون والحدائق ج ٣ ص ١٧٩.
(٣) في العيون والحدائق: «واتفق رأيهم على عبد الله » ج ٣ ص ١٧٩. وفي الأنساب ق ١ ص ٥٦٥، ج ٣ ص ٣٢٧: «وأتوا رجلا من ولد علي بن أبي طالب فدلهم على محمد بن علي ابن عبد الله وقال: هو صاحبكم وهو أفضلنا فأقره» .
(٤) قارن بالعيون والحدائق ج ٣ ص ١٨٠.
[ ١٧٠ ]
ونحن نحتاج إلى مال، وقد أردنا ألّا تكون الصنيعة عندنا إلّا لرجل يجتمع لنا فيه خصلتان: الشرف في النسب والفضل في الدين، فدللنا عليك، وكنت غايتنا، وقد احتجنا إلى قرض، وسمّوا له المال. فقال لهم عبد الله بن الحسن: أدلكم على نظيري في الشرف والمذهب وفي الدين، وهو أجمل [١] لما تريدون منّي، محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فجاءوه فقالوا له مثل ما قالوا لعبد الله، فحمل إليهم المال [٢] وهو لا يعرفهم، فقالوا: هذا رجل قد ظهر لكم [٣] فيه الخصال التي أردتم [وهو] [٤] المجتمع عليه بالفضل والبراعة [٥] في النسب [٦] [وقد] [٧] أخبركم [عبد الله] [٧] أنّه نظيره، وقدّمه على نفسه بالجود، وكان سبب قيامهم.