عبد الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنّه سمع شيخا لهم يقول:
قدم [٦] إبراهيم بن محمد علينا، بعد ما صدر من الحج، فأتته عجوز فانية من ولد الحارث بن عبد المطلب، وأنا عنده، فشكت ضنك المعيشة فقال:
_________________
(١) يضيف كتاب التاريخ ص ٢٨٤ أ، «وهو يكتب إليه: للأمير عبد الرحمن بن مسلم أمير آل محمد» .
(٢) زيادة يؤيدها ما ورد في ص ٣٥٨ من هذا الكتاب. وانظر الطبري س ٣ ص ٣٨.
(٣) قرية قرب حلب. معجم البلدان ج ٢ ص ٤١٦، وابن خرداذبه ص ١٧٧.
(٤) قرية قرب حران. معجم البلدان ج ٣ ص ٢٤٠.
(٥) لعله: أن ينهض.
(٦) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٩١- ٣٩٢.
[ ٣٧٩ ]
يا أمّه! ما يحضرني لك الكثير، ولا أرضى لك بالقليل، وأنا على سفر فاقبلي ما حضر وتفضلي بالعذر، ثم دعا مولى له فقال: ادفع إليها ما بقي معك من النفقة، وخذي هذا البعير والعبد فبيعيهما وارتفقي بثمنهما. قالت:
يا ابن أم! آجرك الله في الآخرة غير معجّل على البرّ والصلة، آجرك الله وأعلى في الدنيا كعبك، ورفع فيها ذكرك، وغفر يوم الحساب ذنبك، فأنت كما قالت أم جميل ابنة حرب:
زين العشيرة كلّها في البدو منها والحضر
ورث المكارم كلّها وعلا على كلّ البشر
ضخم الدسيعة [١] ماجد يعطي الكثير بلا ضجر
وحدثنا بعض أشياخنا: أن الإمام إبراهيم بن محمد قدم المدينة حاجّا [٢] [١٨٧ ب] فأتاه الناس ولم يأته ابن هرمة [٣]، فسأل عنه، فقيل: هو متوار من الدين، فأرسل إليه، فأتاه ابن هرمة، فسلّم عليه وساءله وحادثة ثم أنشده قصيدته التي يقول فيها:
جزى الله إبراهيم عن جلّ قومه رشادا بكفّيه ومن شاء أرشدا [٤]
أغرّ كضوء البدر يستمطر الندى ويهتاش [٥] مرتاحا إذا هو أنفدا
_________________
(١) الدسيعة: الجفنة الواسعة.
(٢) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٩٢- ٣٩٣.
(٣) ابن هرمة هو إبراهيم بن علي بن سلمة الفهري المدني، توفي سنة ١٥٠ هـ. انظر عيون التواريخ لابن شاكر الكتبي (حوادث سنة ١٥٠ هـ) .
(٤) في الأصل: «ارشد» والتصويب من أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٩٣. انظر ديوان إبراهيم بن هرمة تحقيق محمد عبد الجبار المعيبد (النجف الأشرف ١٩٦٩) ص ٩١- ٩٥ وابن عساكر ج ٢ ص ٢٨٩- ٩٠.
(٥) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٩٣: «يهتز»، ويهتاش يعني يهيش ويطرب.
[ ٣٨٠ ]
ومهما يكنّ مني إليك فإنّه بلا خطإ مني ولكن تعمّدا
وقلت: امرؤ غمر [١] العطيّات ماجد متى ألقه ألق الجواري، أسعدا
غرائب شعر قلته لك صادقا وأعلمته رسما فغار وأنجدا
وأنت امرؤ حلو المؤاخاة باذل إذا ما بخيل القوم لم يصطنع يدا
لك الفضل من هنّا وهنّا وراثة أبا عن أب لم تختلس ملك قعددا [٢]
بنى لك عبّاس من المجد غاية إلى عزّ قدموس من المجد أصيدا
وشيّد عبد الله أركان مثلها وشدّ بأطناب العلا فتشيّدا [٣]
وشدّ عليّ في يديه بعروة [٤] وحبلين من مجد أغيرا [٥] فأحصدا
وكم من علاء أو على قد ورثتها بأحسن ميراث أباك محمدا
وأنت امرؤ أوفى قريش حمالة [٦] وأكرمها فيها مقاما ومقعدا
[١٨٨ أ] كريم إذا ما أوجب اليوم نائلا عليه جزيلا بثّ أضعافه غدا
سعى ناشئا للمكرمات فنالها وأفرع في وادي العلا ثم أصعدا
على مأثرات من أبيه وجدّه فأكرم بذا فرعا وبالأصل محتدا
وأجرى جوادا يحسر الخيل خلفه إلى قصبات السبق شتى وموحدا
إذا شاء يوما عدّ من آل هاشم أبا ذكره لا يقلب الوجه أسودا
إذا هو أعطى مرّة هزّه الندى فعاد وكان العود بالخير أحمدا
_________________
(١) في الأصل: «عمر» .
(٢) المعيبد في الديوان المشار إليه «أبا عن أب لم يختلس تلك تعددا» ص ٩٢.
(٣) في الأصل: «فتستد» .
(٤) في الأصل: «بعروتين»، ولا يستقيم الوزن معها. وفي الديوان «بعروة» .
(٥) المعيبد «أغر» .
(٦) في الأصل: «وأنت امرؤ في قريش جماله»، والحمالة: الدية، وانظر الديوان ص ٩٣.
[ ٣٨١ ]
أغرّ منافيّا بنى المجد بيته مكان الثريا ثم علّى فكبّدا
ومورد أمر لم يجد مصدرا له أتاك فأصدرت الّذي كان أوردا
وموقد نار لم يجد مطفئا له أتاك فأطفأت الّذي كان أوقدا
فلم أر في الأقوام مثلك سيّدا أهشّ بمعروف وأصدق موعدا
وأنهض بالعزم الثقيل احتماله وأعظم إذ لا يرفد [١] الناس مرفدا
ولو لم يجد للواقفين ببابه سوى الثوب ألقى ثوبه وتجردا
وحدّث أشياخ من أهل الحرمين أنهم سمعوا أشياخهم يذكرون أن الإمام إبراهيم بن محمد كان إذا قدم الحرمين بهج به من بهما من ولد عبد المطلب وجذلوا [٢]، وتباشروا به واستبشروا. وقالوا: وكان إذا قدم الحرمين سأل [١٨٨ ب] من بهما من ولد عبد المطلب عن حالهم، فمن كان في نعمة زاد في نعمته، ومن كان منهم مختلّا أنعم عليه.
عبد الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنّه سمع شيخا لهم، وكان صديقا لإبراهيم الإمام، يقول: قدم إبراهيم الإمام علينا المدينة، وكنت جالسا عنده يوما، إذ أتاه عبد لرجل من مزينة، فشكا مولاه وقال: يا ابن عمّ رسول الله اشترني، فأرسل إلى مولاه فاشتراه وأعتقه. وجاء مولى للنوفليين محجوب البصر فذكر له عري أهله، فبعث إلى ثياب من السوق فدفعها إليه، وقال: اكسها عيالك. وأتاه نفر من العرب فسألوه أن يرفدهم في حمالة يحملونها [٣]، فسألهم عن مبلغ حمالتهم وما جمعوا منها وما بقي عليهم منها، فذكروا له ذلك فأعطاهم ما بقي عليهم من حمالتهم، فقلت: بأبي أنت وأمّي
_________________
(١) في الأصل: «يوقد» .
(٢) في الأصل: «جدلوا» .
(٣) في الأصل: «يحملوها» .
[ ٣٨٢ ]
يا أبا إسحاق، أنت كما قال أعشى [١] وائل:
يرى البخل مرّا والعطاء كأنّما يلذّ به عذبا من الماء باردا
وأحلم من قيس وأمضى من الّذي بذي الغيل من خفّان [٢] يصبح حاردا
فتبسم وقال:
يا أخا الأنصار! لسنا نفعل ما ترى من سعة وكثرة جدة ولكن ولد أبي لا يحسنون عند السؤال لا، ثم تمثل قول لبيد [٣]:
[١٨٩ أ] وبنو الديّان لا يأتون: «لا» وعلى ألسنهم خفّت «نعم»
زيّنت أحسابهم أحلامهم وكذاك الحلم زين للكرم [٤]
عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى قال: حدثني أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال: قال الحسين بن زيد:
قدم إبراهيم بن محمد الإمام علينا، فبعث إلى عبد الله بن الحسن بخمس مائة دينار، فاستزاده فزاده، وبعث إلى إبراهيم بن حسن بخمس مائة، وبعث إلى جدّي محمد بن عمر بخمس مائة، وبعث إلى جعفر بن محمد ألف دينار، وبعث إلى جماعة بمال. قال حسين بن زيد: فبعثتني أمي ريطة بنت عبد الله ابن محمد بن الحنفية، وكانت عند زيد بن علي، فقال: زيد الكوفة؟ قلت
_________________
(١) انظر معجم الشعراء للمرزباني (ط. مكتبة القدسي) ص ١٢.
(٢) انظر معجم البلدان ج ٢ ص ٣٧٩، وابن رسته ص ١٧٥، وهو موضع على بعد حوالي ١٥ ميلا من القادسية.
(٣) لبيد بن ربيعة العامري. انظر طبقات الشعراء لابن سلام ص ١١٣، والشعر والشعراء لابن قتيبة ج ١ ص ١٩٤، والأغاني ج ١٤ ص ٩٣.
(٤) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٩١.
[ ٣٨٣ ]
نعم، وعليه قميص ورداء مصبوغ بزعفران فبكى حتى أثّر في قميصي من صبغ ردائه. ثم دعا غلاما فسارّه فذهب ثم جاء بأربع مائة دينار فدفعها إليّ، ثم قال: لولا أنّه لم يبق عندي غيرها لأعطيتك كما أعطيت أصحابك، ثم صرّها في ثوبي ثم قال: أنت صغير، فدعا غلاما له فدفعها إليه وقال: انطلق بها إلى ريطة وأعذرنا عندها، فأخذتها ومضيت، فما أنفقناها حتى رأينا راية بني العباس من خراسان.
بسم [١] الله الرحمن الرحيم [١٨٩ ب] حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد المسيّبي قال: حدثني نمير بن عبد الله ابن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة [٢] قال: كان مولى لأبي الجهم العدوي يجلس على بابه فيمر به إبراهيم بن محمد بن علي فيقول: هذا الّذي يرشّح للخلافة، ويزعمون أنّه قد بعث فيها من يطلبها له، فيكثر من هذا. فاغتم إبراهيم لذلك، ورأى أنّه [٣] يعرّضه للمكروه، فبعث إليه بشيء، وقال لرسوله قل له [٤]: فرّقنا شيئا فذكرناك، فكان بعد إذا مرّ به يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، هذا والله الّذي يستأهل كذا وكذا، فأرسل إليه إبراهيم: يا هذا! لا ذا ولا ذاك.
عبد [٥] الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنّه سمع شيخا لهم وكان صديقا لإبراهيم الإمام يقول: كنا [٦] في مسجد رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) يبدو أن هذه تتمة ألحقت بعد قراءة ثانية أو نقلت من نسخة ثانية.
(٢) سليمان بن أبي حثمة الراويّ. انظر الطبري س ١ ص ٢٧٥٤.
(٣) في الأصل: ان.
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) في الأصل، وضع عنوان نصه «جود إبراهيم الإمام» قبل هذا الخبر، وهو مقحم، إذ سبق وروده في ص ٣٧٩، كما أنه لا صلة له بما يليه.
(٦) زيادة.
[ ٣٨٤ ]
وسلّم فدخل علينا فتى من ولد زياد وسيم الوجه جميل البصر يجرّ أثوابه من الخيلاء، فسألني عنه فنسبته فتبسم ثم تمثّل قول الفرزدق [١]:
أطلها فإنّ الطول ليس بنافع إذا كان فرع الوالدين قصيرا [٢]
أحمد بن يحيى قال: حدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: قال إبراهيم الإمام: [١٩٠ أ] سمعت أبي يقول: لا يزال الرجل يزداد في رأيه ما نصح لمن [٣] استشاره، ثم قال: وأنا أقول: نصح المستشير قضاء لحق النعمة في صواب الرأي.
أحمد بن يحيى قال: حدثني ابن الأعرابي أبو عبد الله قال: سأل أبو مسلم إبراهيم الإمام عن البلاغة فقال: معرفة الوصل من الفصل، وإصابة المعنى، واختصار الطريق إلى الغاية التي تريد [٤] .
عمر بن شبّة قال: سمعت عيسى بن عبد الله قال: حدثني أبي قال:
وافينا مكة، وعلينا عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك أميرا على الحج، فجاء رسول عبد الله بن حسن إلى جعفر بن محمد، فأرسلني أبي لأنظر ما اجتمعوا له، فأرسل جعفر الأرقط محمد بن عبد الله بن علي لذلك، قال:
فجئتهم فوجدت عبد الله بن حسن وإبراهيم والمنصور ابني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وجماعة من بني هاشم، ووجدت محمد بن عبد الله بن حسن
_________________
(١) انظر الأغاني ج ٩ ص ٣٢٤- ٣٤٣، والخزانة ج ١ ص ١٠٥، والشعر والشعراء لابن قتيبة ج ١ ص ٣٨١- ٣٩٢.
(٢) في الأصل: «قصير» .
(٣) أنساب الأشراف ص ٢٣٦ (الرباط)، وانظر عيون الأخبار ج ١ ص ٣٠.
(٤) أنساب الأشراف ص ٢٣٦ (الرباط)، وانظر العمدة لابن رشيق (مطبعة السعادة ١٩٦٣) ج ١ ص ٢٤٤- ٦.
[ ٣٨٥ ]
قائما يصلّي على طنفسة رحل [١] مثنية، فقلت: أرسلني أبي يسألكم لأي شيء اجتمعتم، فقال عبد الله بن حسن: اجتمعنا لنبايع للمهدي محمد بن عبد الله بن حسن. قال: فإنّا على ذلك إذ دخل داخل فألقم إذن إبراهيم بن محمد ابن علي فسارّه مليّا، فأقبل عليهم إبراهيم فقال: لا أرى، أبا محمد [٢]، جعفر ابن محمد بن علي [٣] [١٩٠ ب] حضر، ولا أرى وجوه شيعتكم، فلو انصرفنا في هذا العام واجتمعنا قابلا. ثم نهض قائما وقمنا معه، وإذا الّذي سارّه قال له: أتبايع هذا الفتى وشيعتك [٤] بخراسان يدعون إليك! قال: وأرسل إليهم عبد الواحد بن سليمان: إن كنتم تريدون شيئا خليتكم والّذي تريدون. قال:
فلمّا استيأس ابن حسن من إبراهيم كتب إلى مروان: إنّي بريء من إبراهيم ابن محمد وما أحدث.
عمر بن شبّة قال: حدثني يعقوب بن القاسم الطلحي قال: حدثني حسين بن حسين الجعفي قال: حدثني المغيرة بن رميل العنبري قال: كنت عند مروان، فخرجت من عنده وركبت البريد إلى مصر، فدخلت حمّام دمشق فإذا رجل في الحمام- ذكر من جماله- معه ابنان له، فقال لي:
ممن أنت؟ فأخبرته أنّي أقبلت من الجزيرة، قال: وكيف تركت الناس؟
كيف علمك بالخليفة؟ قلت: أخبر الناس به، كنت نديمه قبل الخلافة وعامله فيها. قال: أفلك علم بخراسان؟ قلت: أعلم الناس بها، أقمت بها أسيرا سنين، وأميرا أربع سنين، بها الناس وجمجمة العرب وفرسانها.
_________________
(١) في الأصل: «رجل» ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
(٢) في الأصل «أبا محمد وجعفر..»، والمخاطب هو عبد الله بن الحسن، وكنيته أبو محمد. الطبري- المنتخب من ذيل المذيل س ٤ ص ٢٥٠٦.
(٣) في الأصل: «عمر» والمقصود الإمام جعفر الصادق.
(٤) في الأصل: «وقد شيعتك» .
[ ٣٨٦ ]
قال: أفلك علم هناك برجل؟ قلت: أبو مجرم؟ قال: أبو مسلم. قلت كأنّك برويسه على عود، قال: كلّا والله حتى يبلغ أمره، فكلما [١٩١ أ] ذهبت أقوم حبسني، ثم عرض عليّ المنزل فأبيت. ثم خرجت على البريد حتى قدمت مصر، ثم رجعت إلى الجزيرة فإذا برجل في الحديد معه فلان وفلان، قلت: قد عرفت هذين فمن هذا؟ قالوا: إبراهيم بن محمد حمل إلى الخليفة، فنظرت في وجهه فإذا هو صاحبي في الحمام.
أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني أبو مسعود عن ابن الكلبي قال:
كان إبراهيم بن محمد يقول: الكامل المروءة من أحرز دينه ووصل رحمه، واجتنب ما يلام عليه.
وقال إبراهيم لدعاته الذين وجّههم إلى خراسان: لا تدعوا إلى طاعتنا عشرة أصناف من الناس: الطويل الممدّد، والقصير المردّد، والجعد القطط، والأمهق [١] المغرب، والأعور بعين اليمين، والزائد والناقص في الخلقة، والمتشبّه من الرجال بالنساء ومن النساء بالرجال، والمصفّر لونه من غير علة.