وقدم الحسن بن قحطبة إلى الكوفة في الجنود، ووكّلوا بأثقال الناس وضعفاء العسكر وما غنموا من ابن نباتة وأهل الشام أبا نصير الجرجاني في مائتي رجل. وكان ابن هبيرة حين استحقت الهزيمة عليه وعلى من معه، وقف على رأس فرسخ من الوقعة، فجعل أهل الشام يمرّون به، وقد أوقد نارا بين يديه، فإذا رأوا ضوء النار صدفوا عنه ومضوا على وجوههم، وأوقف رجلا ينادي: هذا الأمير ابن هبيرة [٣]، فلم ينعطف عليه أحد منهم. فوقف
_________________
(١) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٨ والطبري س ٣ ص ١٤ وما بعدها.
(٢) انظر الطبري س ٣ ص ٢٠، وأنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٩.
(٣) انظر كتاب التاريخ ص ٢٨٢ ب.
[ ٣٧١ ]
مكانه حتى أتاه محمد بن نباتة فقال له: ما يقفك؟ قال [١] قد تقدم الناس فما ترى؟ قال: نلحق بالحوثرة بالكوفة ويجتمع الناس إليك فتقاتل والمصر في يدك. فقال طارق بن قدامة القشيري: ما الكوفة [١٨٣ ب] لكم بدار، خبرك يصبّحها بهزيمة أصحابك. قال: فما بقي إلّا واسط مدينتنا، وقد أعددنا لمثل ما رأيتم. فسار وهو لا يعلم مصاب قحطبة، فأصبح وقد كلّ وكلّ من معه، فنزل وصلّى وركب، فلمّا جاء سوق أسد [٢] لقيه الخبر بظهور محمد بن خالد في السواد بالكوفة، وإطباق أهل الكوفة معه، وبلغه هلاك قحطبة، فعدل إلى فم النيل [٣]، وقد تسلل عنه كثير من أصحابه، فمنهم من لحق بمحمد بن خالد من أهل اليمن، ومنهم من عدل إلى فم النيل.
فانصرف الحوثرة يريد فم النيل، ووافى ابن هبيرة، فأقام بها معه حتى أتاهم دخول الهاشمية الكوفة وظهور أبي سلمة، فمضى إلى واسط، وكتب إلى مروان: إنّا التقينا نحن والمسوّدة على شاطئ الفرات ليلا فاقتتلنا قتالا شديدا نهزمهم حتى نردّهم إلى الفرات، ويكثرون علينا حتى يدفعوا أصحابنا، وتخاذل الناس فلم يبق معي إلّا عدة صبروا وكرموا، فشددنا عليهم شدّة صادقة رددناهم بها إلى الفرات، فعبروه إلى عسكرهم، وغرق قحطبة، ولمّا انهزم الناس عنّي مضيت في أهل الحفاظ إلى واسط إلى أن يجتمع الناس، ويراجعوا طاعتهم، ثم انهض بهم إلى الكوفة، وفي مقامي بواسط كسر لحدّهم عن أمير المؤمنين إن شاء الله. [١٨٤ أ] فلما قرأ مروان كتابه قال:
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق، والقول لابن هبيرة.
(٢) في الأصل «آمد» وسوق أسد غربي الفرات في طسوج الفلوجة. اليعقوبي ص ٣٠١، وانظر معجم البلدان ج ٣ ص ٢٨٣.
(٣) في الأصل: «فم التيل» . وهي بليدة قرب الحلة. انظر معجم البلدان ج ٥ ص ٣٣٤ وانظر الطبري س ٣ ص ١٧.
[ ٣٧٢ ]
ويلي عليه [١] ابن القرعاء، يقتل قحطبة وينهزم [٢] .
وتفرق أهل الشام فمضى أكثرهم مع ابن هبيرة إلى واسط، ومضى بعضهم إلى الشام، ومضت طائفة منهم قليلة إلى محمد بن خالد. وأقبل حميد ابن قحطبة يسير بالناس حتى نزل دير الأعور [٣]، ثم دخل العباسية [٤]، فنزلها يوم الجمعة، يوم عاشوراء. وصلّى بالناس بالكوفة يومئذ محمد بن خالد، وقال، وهو يدعو على المنبر: اللَّهمّ أصلح الإمام من آل محمد، ولم يسمّه.
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٨٣ أ «ويلي عليّ من ابن القرعاء» .
(٢) انظر العقد الفريد ج ٤ ص ٢١٠.
(٣) دير الأعور بظاهر الكوفة. معجم البلدان ج ٢ ص ١٩٩.
(٤) العباسية بظاهر الكوفة. انظر الطبري س ٢ ص ١٧٠٩.
[ ٣٧٣ ]
ظهور أبي سلمة بالكوفة
وأرسل أبو سلمة إلى حميد [١] بن قحطبة أن يدخل الكوفة بأحسن هيئة [٢]، وأن يظهروا زينتهم ويشهروا سلاحهم وأعلامهم وقوّتهم، ففعل، وعبّأ الجند، ووجّههم كراديس حتى توافوا بنهر بني سليم. وظهر أبو سلمة، وأعلن أمره، وأرسل إلى محمد بن خالد فيما يأمره به، وبعث إليه حميد جماعة من القواد فيهم العكيّ في ألف رجل، وخازم في ألف رجل، وبسّام في ألف رجل، وأبو شراحيل في ألف رجل. وأتوا أبا سلمة وهو في داره ببرذون سمنّد، يقوم عليه باثني [٣] عشر ألف درهم، مسرجا ملجما، فقدّم إليه فركبه، وترجّل العكيّ وبسّام وخازم وأبو شراحيل، فقبلوا يده، وتقدّم وجوه [١٨٤ ب] من معهم إليه يقبّلون يده ويدعون [٤] له بالبركة، ومضى إلى العسكر، وجعل بعضهم يلقى بعضا فيقول له: تو أبي سلمة ديدى [٥]؟ فإذا قال: نعم، اعتنقه وقبّله إعظاما لأبي سلمة. وكان ظهور أبي سلمة وتوليته [٦] للأمور يوم الجمعة لعشر خلون من المحرّم سنة اثنتين
_________________
(١) في الأصل: «إلى حميد بن قحطبة بالكوفة» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٨٣ أ.
(٢) في الأصل: «الهيئة» والتصويب من المصدر السابق.
(٣) في الأصل: «اثني» .
(٤) في الأصل: «ويدعوا» .
(٥) في الأصل: «توا»، والعبارة تعني: هل رأيت أبا سلمة؟ انظر كتاب التاريخ ص ٢٨٣ أ.
(٦) انظر الطبري س ٣ ص ٢٠، وأنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٩- ٤١٠.
[ ٣٧٤ ]