أجمع أهل الأثر أن آدم ﵇ خلق يوم الجمعة، لست خلون من نسيان وكساه الله لباسًا من ظفره، وأسجد له ملائكته فسجدو إلا إبليس وكان ملكا على الأرض يصعد إلى السماء متى شاء فأبى من السجود لآدم، وقال أنا كنت خليفتك على الأرض وهو من تراب كنت أطؤه، وأنا من نار وهو من طين، فلي عليه الفضل من كل جانب، وأفضله بالاجنجة التي أغشى بها أقطار الأرض في اقل من لمح البصر، فلما امتنع من السجود أبلسه الله ولعنه.
وخلق حواء وألبسها لباسه واسكنها الجنة لثلاث ساعات مضت من ذلك اليوم وأباحهما جميع ما في الجنة الا الشجرة التي نهاهما عنها، وهي على قول اكثر أهل العلم البر، وكانت الحبة بقدر الأترجة فألقتهما الحية، وكانت من
أحسن دواب الجنة، وكانت ذات قوائم.
ولما رأى آدم ما أعطيه من الكرامة اشتاق إلى الخلود فطمع فيه إبليس، فاحتال حتى ادخله الجنة.
فخاطب حواء فيها وقال (مانها كما ربكما عن هذه الشجرة الا إن تكونا
[ ٧١ ]
[ملكين أو تكونا] من الخالدين، وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين) ولم يزل بحواء حتى أكلت من الشجرة وأطعمت منها لآدم فأكل، فلما أكلا منها انكشف لباسهما عنهما إلى أطراف أصابعهما وبدت لهما سوآتهما، وهرب آدم في الجنة يمينًا وشمالًا لا يدرى ما يصنع، فتعلقت به شجرة الا ترج وحبسته بناصيته ومعه حواء، فطفقا يأخذان من ورق الجنة ويستتران بها فقال الله عزوجل قد جعلت هذه الشجرة غذاء لكما ولذريتكما، يعني الشجرة التي آكلا منها عاصيين فاهبطوا جميعًا أنتما وإبليس والحية فان بعضكم لبعض عدو.
ونزع الله من الحية قوائمها فهبطوا، فكان مقام آدم في الجنة مع حواء ثلاث ساعات، مقدار مائتين وخمسين سنة من أيام الدنيا، وهو ربع يوم من أيام الآخرة الذي هو ألف سنة.
فاهبط آدم على جبل سرنديب وعليه الورق المخصوف من الجنة، فلما جف الورق وذهبت رطوبته تقطع وسقط فنسفته الريح وطرحته إلى كل جهة فنبت منه بأرض الهند أنواع الطيب والافاويه، والتمر الذي لا يوجد إلا هناك، وفيه العود ودواب المسك، وحوله أصناف اليواقيت والماس، وفي بحره مغايص اللؤلؤ.
وسمى الله آدم عبد الله وكناه أبا محمد وكان طويلا جعد الشعر أحسن من خلق الله تعالى، فلما نزل إلى الأرض نقص من لونه وحسنه وطوله.
وكان يتكلم بالعربية فحول الله عزوجل لسانه إلى السريانية، وانتزع منه ما علمه ثم رده الله ﷾ بعد توبته إليه.
وأهبط حواء على جدة وبيدها قبضة من جوهر الجنة فتناثر منه من يدها شئ فكانت الجواهر منه، ونقص أيضًا من حسنها وبهائها وأهبط إبليس ومعه قبضة من النار وعصا من بعض شجر الجنة يقال إنه
[ ٧٢ ]
العوسج ويقال إنها كانت من آس الجنة، وهي التي صارت إلى موسى ﵇ وأنزل معه ثلاثين قضيبًا من ثمار الجنة وجعلها إكليلًا على رأسه، منها عشرة ظاهرة القشور وهي: الجوز واللوز والبندق والفستق والخشخاش والبلوط والقسطل وجوز الهند والرمان والموز وعشرة لها نوى وهي الخوخ والمشمش والأجاص والتمر والزعور والغبيرا والقراصيا والشاه بلوط والنبق والمقل وعشرة لا قشور لها نوى وهي، التفاح والسفرجال والكمثرى والعنب والتوت والأترج والخرنوب والخيار والبطيخ والبر (١) وكان أول ما خلق الله تعالى في الأرض الكمثرى وتاب الله ﷾ على آدم ﵇ بعد مائة سنة: أتاه جبريل ﵇ وعلمه الكلمات، وهي لا إله إلا أنت عملت سوءا فاغفر لي وأنت خير الغافرين وقيل في طوله أنه كان يبلغ السماء فلما أهبط إلى الأرض.
جعل طوله مائتين وسبعين ذراعًا، وعلم استخراج الحديد وسبكه وعمل الزبدة والمطرفة والكلاليب والمدية وآلات الأرض وما يحتاج إليه من جميع الآلات.
وعلم ما يأكله من دواب الأرض، وما يجتنبه وأمر بالمسير إلى مكة، وكان موضع قدمه عمرا وما بينهما مفاوز، وأتى جدة فوجد بها حواء تبكي فقال لها هذا عملك (٢) .
وقيل له إيت الكعبة فطفت بها، فمشى إليها فتلقته الملائكة بالأبطح فقالوا له حياك الله يا آدم، لقد طفنا قبلك هذا البيت بألفي عام ولسنا بأول من حجه وعلمه جبريل ﵇ المناسك، وأنزلت عليه إحدى عشرون
_________________
(١) ١) في الاصول: والتبر. ٢) في الاصول: عملكي. (*)
[ ٧٣ ]
صحيفة، وفرض عليه الصلاة والزكاة والاغتسال من الجنابة والوضوء، وزرع، وحصد، وطحن، وخبز، ثم قيل هذا دأبك أنت وذريتك، فقال يا رب ما بلغت هذا إلا بشق النفس فقيل له هذا بخطيئتك.
وعوقبت حواء بعشر خصال، وجع العذرة، ووجع الولاة، وطول الحمل والحيض، وحزن الموت، وقناع الرأس، وملكة الرجال للنساء، وأن تكن تحت الرجل عند الجماع، والولولة عند المصيبة، ورقة القلب عند الحزن - جمع بين آدم وحواء بجمع وتعارفا وعوقب آدم بنقصان طوله، وتغير حسنه، وخوفه من السباع، وكانت تخافه، وحتم عليه وعلى ذريته بالموت، وحفظت عليه أعماله، وكلف النظر في رزقه والتعب فيه.
وعوقبت الحية بقص جناحيها وعدم يديها ورجليها ومشيها على بطنها وشق لسانها، وخوفها من الناس وعدواتهم لها، وجعل من التراب غذاؤها، وإن طلبت أن تقتل أخرجت للناس لسانها.
وإن آدم غشي حواء فولدت له قابيل وتوأمته قليما، وكان كذلك يولد له
توأمين في كل بطن.
ثم ولدت له هابيل وتوأمته لبوذا فشغل قابيل بالحرث، وشغل هابيل برعي الغنم، ثم أمره أن يزوج هابيل من أخت قابيل فضربها وقال أنا أحق بأختي منه، فأمرهما أبوهما أن يقربا قربانًا فأيهما تقبل قربانه كان أحق بأخت قابيل، فرضيا بذلك.
وقرب هابيل أسمن كبش كان عنده، وقرب قابيل من أرذل ما كان عنده من الغنم وكان ذلك بينهما يوم الجمعة، وجاءت النار إلى القربان، وأخذت الكبش الذي كان لهابيل، وحملته ولم تقبل قربان قابيل، فأغضبه ذلك وعزم على قتل أخيه بعد منصرفهما من منى، فلم يدر
[ ٧٤ ]
كيف يقتله فتصور له إبليس لعنه الله في صوره إنسان، وأخذ طائرًا ففشخ رأسه بحجر فقتله، وحمله معه حتى غاب عن عينه فاغتفل قابيل هابيل حتى نام عند غنمه، وهي ترعى فحمل حجرًا فطرحه على رأسه فقتله فاصبح من النادمين، وطال تحسر آدم ﵇ على ابنه هابيل وعلى الجنة فانزل الله تعالى له خيمة من خيام الجنة من ياقوتة حمراء وضعت مكان الكعبة ولمائتين وثلاثين سنة من مهبط آدم ولد له شيث وهو هبة الله وتوأمته، فتقول أصحاب التواريخ: إنه ولد له مائة وعشرون بطنًا، وأمر آدم ﵇ بكتب الصحف، وعلم اللغات كلها، وعلم الأسماء التي قهر بها الجان والشياطين وعلم حساب الأزمنة وسير الكواكب وسأل ربه أن يريه الدنيا وما يكون فيها من خير وشر، فمثلت له برًا وبحرًا فنظر اليها والى ملوكها وسكانها من ولده، وصور الأنبياء وما يكون في العالم ويدور فيه من خير وشر الى انقضائه ولما كثر ولده وولد ولده بعثه الله إليهم وأمره أن يأمرهم بما أمره الله به
وينهاهم عما نهاه عنه، ويقال إنه أرسل وهو ابن تسعمائة سنة وسبعين سنة.
ولما أراد الله ﷾ أن يتوفاه أمره ان يسند وصيته الى ابنه شيث ويعلمه جميع العلوم التي علم بها ففعل، وكان سبب وفاته ﵇ أنه انصرف من الفلاحة موعوكًا (١) فحم ومرض إحدى وعشرين يومًا والملائكة تختلف اليه.
ويقال إنه اشتهى قطفًا من عنب الجنة فوجه بعض ولده يسأل له ذلك ممن لقيه من الملائكة، فلقيه جبريل ﵇ فعزاه في ابيه وقال ارجع فان أباك قد مات.
وكان سنه يومئذ تسعمائة وثلاثين سنة، وقالوا تسعمائة
_________________
(١) ١) في ب: مدعوكا وهو خطأ. (*)
[ ٧٥ ]
وخمسين سنة بعد ما وهب لداود منها خمسين سنة وأتاه جبريل ﵇ بكفن وحنوط من الجنة وعلم شيث كيف يغسله ويكفنه، وقيل هذه سنة لكم في موتاكم بعده، وحمل الى غار الكنز في جبل أبي قبيس فدفن فيه، وكانت وفاته ﵇ يوم الجمعة، ومات وولده وولد ولده أربعون ألف بيت ورفعت مع موته الخيمة الياقوت التي كانت بموضع الكعبة.
وحزنت عليه حواء حزنًا شديدًا وبقيت بعده سنة ثم ماتت، ﵇ والرحمة، وصلى عليها شيث ودفنها الى جانب آدم ﷺ وعلى جميع النبيين والمرسلين.