هُوَ معد بن تَمِيم ولد بالمهدية يَوْم الِاثْنَيْنِ فِي رَمَضَان سنة ٣١٩ وَولي وَله اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ هوارة هم الَّذين قَامُوا بِأبي يزِيد وَلم يزَالُوا قائلين لأبي عبيد مقيمين على حربهم وَالْخلاف فَخرج الْمعز فِي جَيش عَظِيم إِلَى جبل أوراس فَلَمَّا سمعُوا بِخُرُوجِهِ جمعُوا لَهُ بسفح غزالة على مقربة من مَدِينَة باغية فَلَمَّا وصل الأوراس جهز بلكين بن زيري بن مُنَاد وَوَجهه إِلَيْهِم وَرجع هُوَ إِلَى القيروان فَهَزَمَهُمْ بلكين وَفرق جموعهم وشتتهم فتمزقوا أيادي سبأ وتبددوا فِي بِلَاد الزاب وَغَيرهَا وَمِنْهُم من وصل إِلَى بِلَاد السودَان فَأَقَامَ بهَا فَمَا التقى رائح مِنْهُم بمبتكر وَتُوفِّي كافور
[ ٨٣ ]
الإخشيدي بِمصْر سنة ٣٥٦ وَقدم الْمعز الْقَائِد أَبَا الْحسن جوهرا الْكَاتِب مولى أَبِيه إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور إِلَى مصر وجوهر هَذَا رومي جلبه خَادِم يعرف بصابر ثمَّ انْتقل إِلَى خَادِم يعرف بجزان ثمَّ انْتقل إِلَى الْخَادِم خَفِيف فوهبه إِلَى الْمَنْصُور فَتوجه إِلَى مصر فافتتحها وَكَانَ فَتحه لَهَا يَوْم الثُّلَاثَاء لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من شعْبَان سنة ٣٥٨ وهرب أَعْيَان الإخشيدية من مصر إِلَى الشَّام قبل وُصُول جَوْهَر وأقيمت الدعْوَة للمعز فِي يَوْم الْجُمُعَة لعشرين من شعْبَان بالجامع الْعَتِيق ودعا لَهُ أَبُو مُسلم الْعلوِي بِالْمَدِينَةِ وَسَار جَعْفَر بن فلاح إِلَى الشَّام فَقبض على الْحُسَيْن بن عبيد الله وأنفذه إِلَى جَوْهَر ثمَّ أنفذه جَوْهَر مَعَ جمَاعَة من الإخشيدية بقوا بِمصْر إِلَى الْمعز مَعَ وَلَده جَعْفَر وَمَعَهُ هَدِيَّة فِي سنة ٣٥٩ وَفِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي من جُمَادَى الأولى سنة ٣٥٩ رَاح الْقَائِد جَوْهَر إِلَى جَامع ابْن طولون وَأذن المؤذنون وخطب عبد السَّمِيع العباسي وقنت
[ ٨٤ ]
عبد السَّمِيع قبل الرُّكُوع وَسجد وَنسي الرُّكُوع فصاح على ابْن الْوَلِيد قَاضِي عَسْكَر جَوْهَر بطلت الصَّلَاة أعد ظهرا أَرْبعا ثمَّ أذن بحي على خير الْعَمَل بالجامع الْعَتِيق لأَرْبَع بَقينَ من جُمَادَى الأولى وجهر فِي الصَّلَاة بالبسملة وَكتب جَوْهَر إِلَى أهل الرِّيف والصعيد
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد أَمِير الْمُؤمنِينَ جَوْهَر لجَماعَة أهل الرِّيف والصعيد هَذَا أَمَان لكم على أَنفسكُم وَأَمْوَالكُمْ وَأَوْلَادكُمْ من أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمعز لدين الله لتقرؤه وتقفوا على مَا فِيهِ من جميل رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ لكم وَحسن نظره إِلَيْكُم وتحمدوا الله تَعَالَى على أَمْوَالكُم وتشكروه وتسارعوا إِلَى الطَّاعَة العاصمة لكم العائدة بالسعادة المفضية إِلَى السَّلامَة بكم وَلم يرد بِإِخْرَاج هَذِه العساكر المنصورة والجيوش المظفورة الإمامية إِلَّا إعزازكم وحمايتكم وَالْجهَاد عَنْكُم إِذْ تخطفتكم الْأَيْدِي واستمال عَلَيْكُم من طمعت نَفسه الاقتدار عَلَيْكُم فَشَمَلَ الْمُسلمين الذل واتصل عِنْدهم الْخَوْف وَكَثُرت استغاثتهم وَعلا صراخهم وأبكى عينه مَا نالهم وأسهرها مَا حل بهم ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَرْجُو من الله ﷾ بفضله عَلَيْهِ وإحسانه الْجَمِيل إِلَيْهِ وَمَا عوده وأجراه عَلَيْهِ استنقاذهم من الذل الْمُقِيم وَالْعَذَاب الْأَلِيم وَأَن يُؤمن
[ ٨٥ ]
من استولى عَلَيْهِ الوهل ويفرج فزع من لم يزل فِي خوف ووجل وإجراء إِقَامَة الْحَج الَّذِي تعطل وإهمال الْعباد فروضه وحقوقه للخوف المستولى عَلَيْهِم إِذْ لَا يأمنون على أنفسهم وَلَا على أَمْوَالهم واعتماده لإِصْلَاح الطرقات وَنفي الْفساد مِنْهَا وَقطع عَبث العابثين فِيهَا لينصرف النَّاس آمِنين وينبسطوا مُطْمَئِنين وليتخلفوا إِلَى مَدِينَة مصر بالأطعمة والأقوات إِذْ كَانَ قد انْتهى إِلَيْهِ إِفْسَاد القرامطة لعنهم الله فِي الأَرْض وبغيهم بِغَيْر الْحق وَلم يقم للْمُسلمين نَاصِر وَلَا أعانهم قاهر على من أذلّهم وَإِذ لَا زاجر للمتعدين وَلَا قامع للظالمين وَقد أَمر بتحويل السِّكَّة وردهَا إِلَى الْعيار الَّذِي عَلَيْهِ السِّكَّة الميمونة الْمُبَارَكَة وَقطع الْغِشّ مِنْهَا ثمَّ مَا عهد بِهِ سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ من نشر الْعدْل وَبسط الْحق وَرفع الظُّلم وَقطع الْعدوان وَنفي الْأَذَى والمساواة فِي الْحق وإعانة الْمَظْلُوم وقمع الظَّالِم وَأَن أحكم فِي الْمَوَارِيث على كتاب الله ﷿ وَسنة رَسُوله ﷺ وَأَمرَنِي أَن أَضَع مَا كَانَ يُؤْخَذ
[ ٨٦ ]
من تَرِكَة مَوْتَاكُم لبيت المَال من غير وَصِيَّة للمتوفى وَلَا استتحقاق وتصييرها إِلَى بَيت المَال وَأَن أتقدم فِي رسم مَسَاجِدكُمْ وتنزيهها وتزيينها بالفرش وَإِعْطَاء مؤذنيها وقومتها وَمن يؤم فِيهَا أَرْزَاقهم وإدرارها عَلَيْهِم وَلَا أقطعها عَنْهُم وَلَا أدفعها إِلَى بَيت المَال وَإِقَامَة من شَاءَ على مِلَّته إِذْ كَانَ الْإِسْلَام سنة وَاحِدَة وَشَرِيعَة متبعة وَأَن تبقوا على مَا كُنْتُم عَلَيْهِ من أَدَاء الْفُرُوض فِي الْعلم والاجتماع عَلَيْهِ فِي جوامعكم ومساجدكم على مَا كَانَ عَلَيْهِ سالف الْأمة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بعدهمْ وفقهاء الْأَمْصَار الَّذين جرت الْأَحْكَام بمذاهبهم وَأَن تجْرِي فروض الْأَذَان وَالصَّلَاة وَالصِّيَام لشهر رَمَضَان وفطره وَالزَّكَاة وَالْحج وَالْجهَاد على أَمر الله ﷿ فِي كِتَابه وَسنة نبيه ﷺ وإجراء أهل الذِّمَّة على مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَلكم أَمَان الله التَّام الْعَام الدَّائِم الْمُتَّصِل الشَّامِل الْكَامِل المتجدد المديد على مُرُور اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وتكرر الأعوام فِي أَنفسكُم وأهليكم ونعمكم وَأَمْوَالكُمْ ورباعكم وضياعكم وقليلكم وكثيركم لَا يتَعَرَّض عَلَيْكُم متعرض وَلَا يتعقب عَلَيْكُم متعقب وعَلى أَنكُمْ تحرسون ويذب عَنْكُم وَيمْنَع مِنْكُم من يُرِيد أذاكم وَلَا يسامح أحد فِي الاعتداء عَلَيْكُم وَلَا يتْرك إِلَى الاستطالة على قُلُوبكُمْ مظلا على ضعيفكم وَلَا أَزَال مُجْتَهدا فِيمَا يعمكم صَلَاحه ويشملكم نَفعه ويتصل بكم خَيره وتتعرفون بركته وتغتبطون بِطَاعَة سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ
[ ٨٧ ]
وَعَلَيْكُم الْوَفَاء مَا ألزمته نَفسِي وأعطيكم بِهِ عهد الله وغليظ ميثاقه وذمته وَذمَّة نَبينَا مُحَمَّد مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا ﷺ وَرُسُله وَذمَّة الْأَئِمَّة موالينا أُمَرَاء الْمُؤمنِينَ فَدس الله أَرْوَاحهم وَذمَّة مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه الله تَعَالَى فتخرجون إِلَيّ وتسلمون عَليّ وتكونون بَين يَدي إِلَى أَن أعبر الجسر وَأنزل فِي المناخ الْمُبَارك وتحافظون على الطَّاعَة وتبادرون وتسارعون إِلَى فروضها وَلَا تخذلوا وليا بمولانا وَسَيِّدنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا تنصرُوا لَهُ عدوا وتقيمون على مَا عهدتم عَلَيْهِ وفقكم الله وأرشدكم أَجْمَعِينَ وَكتب هَذَا الْأمان فِي شعْبَان سنة ٣٥٨ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا قَالَ جَوْهَر الْكَاتِب مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمعز لدين الله كتبت هَذَا الْأمان على مَا نفذ بِهِ أَمر مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ على الْوَفَاء بِجَمِيعِهِ لمن أجَاب من أهل الْبَلَد وَغَيرهم إِلَى مَا شَرط فِيهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَكتب جَوْهَر الْمَذْكُور فِيهِ وَأشْهد فِيهِ الشُّهُود
وَبنى جَوْهَر الْقَاهِرَة وسماها بِهَذَا الِاسْم وَوصل الْمعز إِلَى الأسكندرية لست بَقينَ من شعْبَان سنة ٣٦٢ هـ وَتوجه إِلَيْهِ من مصر القَاضِي وَالشُّهُود والأعيان وَاسْتقر بقصره بِالْقَاهِرَةِ يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع من شهر رَمَضَان سنة ٣٦٣ هـ
[ ٨٨ ]
وَكَانَ جَوْهَر قد هيأ لَهُ هَدِيَّة وتلقاه بهَا وَهِي أَرْبَعَة أقفاص منحوتة من عود محكمَة الصَّنْعَة بحلية من فضَّة بمسامير فضَّة يحمل كل قفص مِنْهَا أَرْبَعَة رجال فِيهَا أواني ذهب وَفِضة وَيتبع ذَلِك أَرْبَعَة خدم يحمل كل وَاحِد مِنْهُم خَمْسَة أسياف بحمائل إبريسم محلاة بِالذَّهَب وخادمان بأيدهما أدراج فضَّة فِيهَا خَوَاتِم فضَّة فصوصها يَوَاقِيت وجوهر كثير وَغُلَام يحمل غلاف خيزران فِيهِ تَاج مرصع والمعز أول من تتوج مِنْهُم وَفِيه يَقُول ابْن الأندلسي وَعند ذِي التَّاج بيض المكرمات وَمَا عِنْدِي لَهُ غير تمجيد وتحميد
وتسع من النوق عَلَيْهَا أجلة ديباج ملونة وَثَلَاثُونَ قبَّة على ثَلَاثِينَ نَاقَة بمناطقها ولبها ومقاودها وأثفارها فضَّة على كل نَاقَة مِنْهَا حلتان من ديباج وَمِنْهَا خمس عشرَة نَاقَة قبابها مذهبَة مرصعة
[ ٨٩ ]
بالزجاج وَخَمْسمِائة رفاص على يَد كل وَاحِد مِنْهُم سفطان أَو تختان من خَز الْعرَاق وَمن كل نوع من أَنْوَاع الْأَمْتِعَة وَأَرْبَعَة أَفْرَاس بسروجها ولجمها ومقاودها حَرِير تجتنب إِلَى كل مِنْهَا نَاقَة بسرج ذهب مفرغ ولجام ذهب مرصع بالياقوت وَفرس عَلَيْهِ سرج ذهب مرصع بالعنبر وَأَرْبع بغلات بسروجها ولجمها وَلها مقاود من هَذَا النَّوْع وست وَثَلَاثُونَ بغلة بأجلة ديباج وبراقع ديباج ملونة وَمِائَة وَثَلَاثُونَ بغلا بالأكف وَخَلفهَا من الْجمال والنجيب فَوق الْخَمْسمِائَةِ وَمن الْعين سِتّمائَة ألف دِينَار وجربان فيهمَا فرشان أَقَامَ الصناع فِي عملهما سنتَيْن وَأنْفق عَلَيْهِمَا فِي الْأُجْرَة عشرَة آلَاف دِينَار
وَكَانَ الْحُسَيْن بن أَحْمد القرمطي قد وصل إِلَى دمشق وتغلب عَلَيْهَا وَقتل جَعْفَر بن فلاح وَاسْتولى القرامطة على الْبِلَاد وصاروا إِلَى الرملة فَخرج الْمعز إِلَيْهِم وَكَانَت بَينهم الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة فِي الْيَوْم الْأَحْمَر فَانْهَزَمَ القرمطي وَقتل من أَصْحَابه خلق كثير وَأسر مِنْهُم فَوق الْألف وَرجع الْمعز إِلَى مصر وأقيمت الدعْوَة
[ ٩٠ ]
فِي مصر وديارها وَالشَّام والحجاز مَعَ إفريقية كلهَا وَالْمغْرب باسمه
وَلما استوثق لَهُ الْأَمر بِهَذِهِ الأقاليم تمّ الْأَمر وَجَاء الَّذِي لابد مِنْهُ وَلَا محيص عَنهُ فَأَصَابَهُ مرض نفساني كَانَ سَببه الخولادة رَسُول ملك الرّوم بالقسطنطينة فَحم مِنْهُ وَتُوفِّي فِي الْقَاهِرَة فِي يَوْم الْجُمُعَة الْحَادِي عشر من شهر ربيع الْأَخير سنة ٣٦٥ وَكَانَت ولَايَته ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَخَمْسَة اشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام وَكَانَت ولَايَة جَوْهَر بِمصْر أَربع سِنِين وَسَبْعَة عشر يَوْمًا وَفِي فتح مصر يَقُول مُحَمَّد بن هَانِئ الأندلسي تجهز إِلَى بَغْدَاد قد فتحت مصر
وأنجز صرف الدَّهْر مَا وعد الدَّهْر
وَقد جَاوز الْإسْكَنْدَريَّة جَوْهَر
تطالعه الْبُشْرَى ويقدمه النَّصْر
وَقد أوفدت مصر إِلَيْهِ وفودها
وَزيد إِلَى الْمَعْقُود من جسر هاجسر
وَهُوَ الَّذِي بنى الإيوان بالمنصورية وَبنى المعزية بهَا وَبنى
[ ٩١ ]
قناطر فِي المَاء عَلَيْهَا وَله آثَار وأخبار أغناني عَنْهَا الاشتهار وَأَن مقصودي الِاخْتِصَار وَالْملك لله الْوَاحِد القهار
أبناؤه نزار الْعَزِيز ولي عَهده والخليفة من بعده وَعبد الله وَتَمِيم وَهُوَ تَمِيم بن الْمعز الشَّاعِر وَالَّذِي يُحَاذِي أَبَا الْعَبَّاس عبد الله بن المعتز المتَوَكل فِي التشبهات والتوجيهات ويحاذيه فِي سلوك أَلْفَاظ الْمُلُوك وَكَانَ أَبوهُ قد ولاه الْعَهْد ثمَّ خلعه لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُولد لَهُ وَكَانُوا لَا يولون الْخلَافَة إِلَّا ابْن خَليفَة وَعقيل وَسبع بَنَات حَاجِبه جَعْفَر بن عَليّ ثمَّ عمار وحامل مظلته شَفِيع الْفَتى نقش خَاتِمَة (تَوْحِيد الْإِلَه الصَّمد) دعى الْأَمِير معد والأمير بإفريقية وَالْمغْرب بلكين بن زين بن مُنَاد الصناجي وَكَانَ قد سَمَّاهُ يُوسُف وكناه أَبَا الْفتُوح ولقبه عدَّة الْعَزِيز بِاللَّه يَعْنِي ابْنه
[ ٩٢ ]