كنيته أَبُو الْقَاسِم بن عبد الله ولد بسلمة من بِلَاد الشَّام سنة ٣٠٨ هـ وبويع يَوْم مَاتَ أَبوهُ عبيد الله وعمره إِذْ ذَاك اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وَقَامَ عَلَيْهِ أَبُو يزِيد مخلد بن كيداد فِي سنة ٣٣٢ وَهُوَ الَّذِي كَانَ أنذر بِهِ أَبُو عبيد الله على مَا تقدم وَهُوَ من بني جَعْفَر من بني جانا الَّذِي تَقول لَهُ البربر أجانا وأجانا هُوَ بِنَفسِهِ زنات الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ زناتة وَكَانَ كيداد وَالِد أبي يزِيد من سكان تقيوس من بِلَاد قصطيلية وَكَانَ يخْتَلف فِي التُّجَّار إِلَى بِلَاد السودَان فَاشْترى بتادمكت أمة تسمى سبيكة فَحملت مِنْهُ وَولدت أَبَا يزِيد وَهُوَ أعرج وَفِي لِسَانه شامة فَذهب بِهِ أَبوهُ كيداد
[ ٥٣ ]
إِلَى عراف بِمَدِينَة كوكو فَأرَاهُ فَقَالَ لَهُ لَيَكُونن لَهُ شَأْن وليملكن ثمَّ رَجَعَ كيداد إِلَى تقيوس فَمَاتَ وَقيل إِن أَبَا يزِيد نَشأ بتوزر بدرب الغلامسسيين بِقرب توزر فَلَمَّا كبر وشب قَرَأَ مَذْهَب الأباضية ففقه فِيهِ وَمهر فِي الجدل عَلَيْهِ ثمَّ سَار إِلَى مَدِينَة توزر فَكَانَ يعلم الصّبيان الْقُرْآن وَيَدْعُو من وثق إِلَيْهِ وَقدر عَلَيْهِ إِلَى الْقيام على أبي الْقَاسِم بن عبيد الله
وينكر مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَجَابَ لَهُ نَحْو ثَلَاثمِائَة رجل واتصل ذَلِك بِابْن فركان مقدم توزر فاستدعاه وتهدده فَأنْكر مَا رمى بِهِ وتبرأ مِنْهُ فخلى عَنهُ وَخَافَ أَصْحَابه الَّذين أجابوه فَتَفَرَّقُوا عَنهُ وهجروا مَجْلِسه وَتركُوا الْحُضُور فِيهِ وَمَعَهُ فَخرج من بِلَاد قصطيلية كلهَا وَسَار إِلَى جبل أوراس وَفِيه قوم من هوارة
[ ٥٤ ]
يُقَال لَهُم بَنو كملان من أهل مذْهبه فَقَامَ فيهم وَقَوي بهم واشتدت شوكته واستفحل أمره وعمره إِذْ ذَاك سِتُّونَ سنة وَبِه علل كَثِيرَة وَصَحبه رجل يُقَال لَهُ أَبُو عمار بن عبد الله الْحميدِي الحجري وَكَانَ مقدما فِي الأباضية وَكَانَ يَقُول أَبُو يزِيد لأهل القيروان إِذا دَخلهَا لم لَا تجاهدوا بني عبيدها هَا أَنا رجل أعرج وصاحبي أَبُو عمار أعمى وَقد عذره الله سُبْحَانَهُ وَرفع عَنهُ حرج الْقِتَال وَالْجهَاد فَلم نعز أَنْفُسنَا وَكَانَت لَهُ امْرَأَة تسمى تاخيريت على مذْهبه ورأيه وبنون أَرْبَعَة يزِيد الَّذِي يكنى بِهِ وَيُونُس وَأَيوب وَفضل وَكَانَ يقدمهم على الجيوش ويخرجهم فِي السَّرَايَا وَأَيوب هزم جَيْشًا كَانَ أميره وقائده عَليّ بن حمدون صَاحب المسيلة وَكَانَ لقِيه بفحص على وَادي وجرة وَمَعَ عَليّ بن حمدون أَبُو الْفضل بن أبي سلاس قائدا أَيْضا فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا وَانْهَزَمَ عَليّ بن حمدون فِي الطَّرِيق جهلا بِهِ مِنْهُ فأوى إِلَى مَوضِع وعر لَيْلًا وَمَعَهُ ابْن أبي سلاس قائدا أَيْضا فانحل وثاق فرس من خيولهم فَوَثَبَ على فرس آخر فتضاربا وصهلا فَوَثَبَ الْقَوْم بعد أَن هجعوا وظنوا أَن أَيُّوب غشيهم فَرَكبُوا الْخَيل فِي ظلام اللَّيْل وتبددوا
[ ٥٥ ]
فِي تِلْكَ الأوعار فَسقط على بن حمدون من جوب عَال فَانْكَسَرت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وظهره وَأكْثر عِظَامه
وَكَانَ أَبُو يزِيد فِي أول أمره يلبس خشين الصُّوف ويمسك الْعَصَا وَيُسمى شيخ الْمُسلمين ثمَّ انْتقل عَن ذَلِك وَركب عتاق الْخَيل وَلبس الديباج وَكَانَ يرى الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين ويستبيح نسَاء الْمُسلمين فِيمَن خَالفه ويسفك الدِّمَاء وَكَانَ أَصْحَابه البربر يقتلُون كل من ظفروا بِهِ من النَّاس كَائِنا من كَانَ غبنا وعبثا خَاصَّة من خرج من المهدية عِنْد حصارهم إِيَّاهَا فِرَارًا من الْجُوع والحصار ويشقون بطونهم أَحْيَانًا فتشا على المَال وتوهما أَنهم ابتلعوه ويشقون بطُون الْحَوَامِل وَاسْتولى أَبُو يزِيد على إفريقية كلهَا إِلَّا المهدية وَدخل القيروان وَوصل إِلَى مصلى الْعِيدَيْنِ فِي أَيَّام الْمَنْصُور ثمَّ انهزم كَمَا ذكر عبيد الله
[ ٥٦ ]
وَلم يثبت لَهُ قدم وَلَا نصر لَهُ علم حَتَّى هلك وذرى أَيَّة سلك وَكَانَ قد سمى من بَايعه وَأقَام بِهِ العزابة وَمن بَايعه وَانْصَرف عَنهُ عدَّة الْمُسلمين وَكَانَ كثير الانتزاع لآي الْقُرْآن عِنْد المناظرة والمحاورة مثل انْتِزَاعه لما عوتب على لبس الْحَرِير بعد الصُّوف وركوب الْخَيل بعد الْحمير بقوله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ وَكَانَ كثير التَّمْثِيل بِآيَة الشّعْر كَقَوْلِه وَقد شكا إِلَيْهِ أهل إفريقية مَا نالهم مِنْهُ وَمن جنده وَأَصْحَابه إِذا أبقت الدُّنْيَا على الْمَرْء دينه فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ بضائر
وَفِي شهر رَمَضَان من سنة ٣٣٤ هـ ولي أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل ولي عَهده وفوض إِلَيْهِ أمره وَأدْخل جمَاعَة من وُجُوه كتامة وَرُؤَسَائِهِمْ إِلَى نَفسه فَقَالَ هَذَا مولاكم وَهُوَ ولي عهدي والخليفة من بعدِي وَهُوَ صَاحب هَذَا الْفَاسِق وقاتله يَعْنِي أَبَا يزِيد
وَتوفى أَبُو يزِيد يَوْم الْأَحَد الثَّالِث عشر من شَوَّال سنة ٣٣٤ وسترت أَيْضا وَفَاته وأخفيت فَكَانَت خِلَافَته اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَسَبْعَة أشهر وعمره خمس وَخَمْسُونَ سنة وَخلف من الْوَلَد أَبَا الطَّاهِر
[ ٥٧ ]
إِسْمَاعِيل ولي عَهده وَأمه أم ولد تسمى كَرِيمَة وَكَانَ ترشح لولاية عهد أَبِيه حَاجِبه جَعْفَر بن عَليّ قُضَاته إِسْحَاق بن الْمنْهَال إِلَى أَن مَاتَ وَأحمد بن يحيى وَأحمد بن الْوَلِيد ولته الْعَامَّة فأقره صَاحب بَيت مَاله أَبُو الْحسن بن عَليّ الدَّاعِي
[ ٥٨ ]