حين سمع السلطان أنّ ممالك الأرمن قد صارت مهالك، وأن الملك الأشرف- بحكم ما كان يغلب على طبيعته من محبّة للهو- قد استقر بدمشق بعد «سنجار»، وسلك سبيل الطّرب في جوسق «هرت» (^١)، وأنه لا يعير اهتماما لما يحدث بديار الأرمن في الوقت الذي يتابع فيه جيش المغول غاراته دون
_________________
(١) في أ. ع ٤٢٧، بيرب.
[ ٢٢٢ ]
انقطاع، ويقبض على بقايا الرعيّة فيأخذهم أسرى. كما كان جانب من الجيش الخوارزمي قد تفرّق مشردا في تلك الأطراف، فأخذ أفراده في قطع الطّريق/، حين سمع السلطان ذلك كلّه أمر- لفرط شفقته ورحمته- «كمال الدين كاميار» بأن يوجّه الحشم المنصور بأسره إلى تلك الحدود، وأن يعمل على إلحاق ديار الأرمن من «أخلاط» و«بدليس» حتى نواحي «تفليس» بسائر الممالك المحروسة.
فانطلق الأمير كمال الدين بموجب الحكم مع العساكر كافّة، فلما بلغ أخلاط وجد تلك المناطق «كدار ما بها أدم» واستقبله جماعة ممن بقي من سراة الناس هناك دون قيل وقال وجواب وسؤال، وحملوا الرّاية في الحال إلى المدينة، وأقسموا على الولاء للسلطان، وجعلوا الخطبة باسمه.
وغادر الجيش المدينة، وأمر بالنزول على شاطئ البحر، وسيّرت أفواج العساكر بصحبة الأمراء إلى كلّ ناحية، وفرضوا سيطرتهم على ممالك الأرمن بأسرها، بيمن دولة السلطان.
وأرسل الأمير كمال الدين بخبر فتح ديار الأرمن، وما وقع لتلك الديار والدّمن من خراب، إلى الحضرة السلطانية، فسرّ السلطان بالفتوح، وأنفذ أمرا- بيمن نقيبة الأمير كمال الدين واستمالته وسائر الأمراء الذين كانوا يتولّون قيادة الجند- بأن يسلّم «الصّاحب ضياء الدين قرا أرسلان»، و«سعد الدين المستوفي الأردبيلي» و«تاج الدين پروانه ابن القاضي شرف» من المال ما يذهبون به نحو أخلاط والأرمن، ويدبّرون أمر تلك البلاد؛ فيعيّنوا أبواب الإنفاق، ويقّيدوا أملاك الغائبين والقتلى، وأن ينصرف الأمير كمال الدين صوب «أرزروم» ويبقى هناك في انتظار الأوامر. فلما وصل الصاحب وپروانه
[ ٢٢٣ ]
والمستوفي (^١) هناك كان لابد للأمير كمال الدين من مادة الجير لإعادة بناء ما تخرّب من أبنية القلاع/، فأخذ يسلّم حجر الجير والتّبن في نواحي «عادل جواز». وأمر كل واحد من الأمراء بأن يبني بضعة أفران كبيرة، ويباشروا العمل، فأقاموا في يومين أو ثلاثة آلاف قمينة من قمائن الجير، وأخذوا يحملونه بالجمال إلى أرزن الروم، وصل أمر باستدعائه وبالسماح للعساكر بالعودة إلى أوطانها، فسمح للجند في الحال، وانطلق بنفسه عازما على المثول في الأعتاب السلطانية.
حين لحق الصّاحب ضياء الدين وتاج الدين پروانه وسعد الدين المستوفي- وفي صحبتهم ألف فارس من المفاردة- بإقليم أخلاط، نصبوا الدّيوان، فسجّلوا كل الأملاك والعقارات، ودعوا المزارعين وأرباب الأراضي للعودة إلى أراضيهم ومياههم، وسلّموهم البذور والماشية، وأسقطوا عنهم التّكاليف المعهودة. كما استدعوا محافظي القلاع، وضبطوا الإيرادات والمصاريف العامّة.
ولما وصل الخبر لولاية «الكرج» و«أرّان»، توجّه إلى الأوطان كل من فرّ وتفرّق، وما لبثت الولاية أن عمرت في أقلّ مدة.
ثم إنّهم فوّضوا قيادة جيش تلك الممالك «لسنان الدين قيماز»، وكان أميرا شجاعا وقائدا عسكريا ذا دراية وتجربة. فبلغه أن «قير خان» قد نزل «بتطوان» مع جماعة من جند الخوارزمية، وأن الولاية ليست بآمنة من جهته. وكان السلطان قد سمح بدعوته للولاء لأعتابه.
_________________
(١) قارن أ. ع، ٤٢٧.
[ ٢٢٤ ]
وذات يوم تغيّب «سنان الدين قيماز» مع غلام وركابيّ فقط عن أنظار الأمراء، وتوجّه صوب «طاطوان»، فلما اقترب أدرك رجلا من جيش الخوارزمية وقال: أخبر الخان أنّه حين غلبت قايماز/ الحاجة للّقاء جاء أعزل من السلاح. فعسى أن يسمح له بالتشرّف بالخدمة. فلما سمع «قير خان» ذلك تملّكه العجب، وأرسل واحدا من ملازميه- كان ذا دراية- لاستقباله لكي يتبين صحّة الخبر. فلمّا تحقق أنه هو، ذهب «قير خان» بنفسه لاستقباله مع شخص واحد هو حاجبه، فلما حصل اللقاء وتلاطفا طويلا استأذن الأمير «سنان الدين» وذهب عند زوجة قير خان وأبلغها السّلام وسألها عن نكبات الأيام وواساها ثم عاد إلى قير خان، وطلب طعاما على سبيل التبسّط، فأتوا بما كان حاضرا من الطّعام. وبعد تناول الطّعام انتزع «سنان الدين» مصحف الحمايل من غلافه ثم وضع يده عليه وأقسم أن أمراء السلطان لا يحملون في قلوبهم أيّ ضغن لقير خان وسائر أمراء الخوارزميّة، ولن يسيئوا لهم، وكلّ ما يعّولون عليه أن ينتقلوا من هذا التشرّد إلى حالة من الأمن والاستقرار، وليس أدلّ على ذلك من أنّ السلطان قد قال للصّاحب بأن يدخلكم في دائرة الطّاعة. فإن وافقكم هذا الأمر فيتعين على قير خان وسائر الأمراء أن يقسموا بأنّهم مع السلطان جميعا في السرّ والعلن.
فاجتمع «قير خان»، و«بركت»، و«يلان نوغو» (^١) و«سارو خان» و«كسلو سنكم» والأمراء الآخرون بأسرهم، وأقسموا على ذلك كلّه، وأتوا بالخمر، فلمّا تداولوا عدة أقداح اعتذر «سنان الدين» وطلب السّماح بالعودة
_________________
(١) ورد هذا الاسم في أ. ع، ٤٣٠: ويلان نوغور خان بيردي.
[ ٢٢٥ ]
لإبلاغ الصّاحب وباقي الأمراء، وتم الاتّفاق/ على أن يركبوا عند الصّبح ويدخلوا بساتين المدينة لكي يقوم أمراء الدّولة وأكابرها باستقبالهم ويتمّ هناك إقرار ما يلزم من مهمّات والتّأكيد عليه.
وحين دخل سنان الدين قيماز المدينة كانت صلاة العشاء قد قضيت، وقد نهض أركان الدّيوان فسأله الصاحب عن سبب غيبته فأخبره بالأمر، فأثنوا جميعا على فرط كفاءته وشجاعته. وأمر الصّاحب بإعداد مائدة كبرى.
وفي اليوم التّالي حين طلع كوكب الشّمس وأطلّ من قلل جبال المشرق، كان قير خان وسائر أمراء الخوارزميّة قد وصلوا إلى أطراف المدينة، فخفّ تاج الدين پروانه وسنان الدين قيماز وسائر الأمراء للاستقبال، وأنزلوهم بأحد البساتين، ووضعوا من الأطعمة ما كانوا قد أعدّوه، وبعد الفراغ طلب تاج الدين پروانه تجديد القسم رغبة في تأكيده. فأعاد قيرخان والأمراء الآخرون القسم على نحو ما فعلوا بالأمس. فلما حصل لپروانه وسائر الأمراء اطمئنان البال، دخل بروانه المدينة ليلا وأعاد على سمع الصّاحب ما كان قد تم تدبيره وجمعه من مهمات، فأمر الصّاحب بأن يعدّوا أضعاف مأكولات الأمس. وفي اليوم التالي خرج بنفسه من المدينة بموكب حاشد تحفّه الزينة والجلال، فلما أبلغ قير خان بوصول موكب الصاحب جاء لاستقباله، فتعانقا. وواسى الصّاحب قير خان، ونزلا ببستان، وكرر الصّاحب لقير خان العهد والميثاق بالأيمان المؤكدة، وقسّم كل ولايات أرزن الروم عليه هو وباقي القادة، والتمس الأعذار لأنه إنما يتم الاقتصار حاليّا على هذا القرار، فإذا ما وصلنا لخدمة السلطان فسوف يجري تعزيز كامل.
ثم ذهب إلى المدينة، وكتب على التّوقيعات السلطانية التي كان قد
[ ٢٢٦ ]
اصطحبها معه مواثيق باسم كلّ واحد من/ أمراء الخوارزمية. وفي الصّباح الباكر أرسل المواثيق مع ثلاثمائة، من الأعلى والأوسط والأدنى إلى قير خان.
وفي اليوم التّالي ارتحل قير خان مع جميع أتباع الخوارزميّة إلى أرزروم.