استهلَّت والأَمير شيخ يحاصر نوروز بحماة، وبيد شيخ غالب المملكة الشامية، وفي تلك المدّة اتصل القاضي ناصر الدين البارزي بالملك المؤيّد فلم يزل في خدمته إلى أَن مات.
وفي خامس عشر المحرَم استولى شاهين دويدار شيخ على حلب وحاصر القلعة، ووصل إلى شيخ أَلطنبغا القرمشي راجعًا من المرقب وقد حَبس فيه المأْسورين بعمل نائب الغيبة، وأَذن له سودون بقجة أَن يخرج إلى المدورة فيحصّل منها ما يمكن تحصيله ويأْخذه لنفسه.
وفي الثالث والعشرين من صفر أخرج (^١) جاليش الناصر إلى قصْد الشام وفيه بكتمر جلق وطوغان ويلبغا الناصري وشاهين الأَفرم وغيرهم.
وفي سابع عشريه توجّهوا من الريدانية، وخرج السلطان في رابع ربيع الأَول بالعساكر بعد أَن عمل المولد النبويّ في أَول ليلة من ربيع الأَول، وجلس عن يمينه ابن زُقَّاعَة ودونه الشيخ نصر الله ودونه بقية المشايخ، وعن يساره القضاة. وأَنعم في هذه السنة على قاضي الحنابلة بمائة دينار ليتجهَّز بها دون بقية القضاة.
وقَرّر في مشيخة التربة التي أكمل عمارتها - وكان أَبوه (^٢) أسسها - صدر الدين أَحمد بن العجمي ورتَّب عنده الصّوفية.
_________________
(١) جاء في هامش هـ، أمام هذا الخبر ولكن بغير خط الناسخ: "حدثني الشيخ الفاضل زين الدين أبو بكر بن شمس الدين محمد بن شمس الدين محمد العراقي الشافعي خادم الشيخ. . . . . . . . . العلامة القدوة نور الدين علي بن أَحمد بن أبي بكر. . . . . . . . . الآتي ترجمته أن الملك الناصر دخل وهو متأهب لهذا السفر إلى جامع عمرو، ثم مر من عند الشيخ فتأمله وهو ذاهب ثم قال: لا إله إلا الله ما [. . . . . . . . .] قد استولت على القلوب. ثم قال: اقتلوا هذا العقرب ولا تلوثوا المسجد بها وارموها خارجًا، فقمنا فلم نر شيئًا فأيس رفيقي، وأما أنا فلعلمي بأحوال الشيخ أمعنت في التفتيش فوجدتها وراء العمود في موضع لا يراه منه الجالس في موضع الشيخ فقتلتها ثم رميتها خارج الجامع على مزبلة بقرب الحمام المنسوب إلى الشافعي، فظننت أن الشيخ أشار بذلك إلى أن الناصر يقتل في هذه السفرة فكان كذلك ورمي على مزبلة كما فعلنا بالعقرب كما سيأتي، والملك الموفق".
(٢) يعني بذلك السلطان برقوق.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وفي السادس منه أَمر بأَخْذ ما في الطواحين والمعاصر من الخيل والبغال فسُيِّرتْ إلى العسكر، وبلغ الأَميرين (^١) تحرّكُ الناصر إليهما من القاهرة فأَذعنا إلى المصالحة: على أن تكون دمشق وما معها لشيخ، وحلبُ وما معها لنوروز، وأَن يستقلّ كل منهما بمملكته، وتَركا ذِكر اسم الناصر من مكاتباتهما، وصارا يكتبان بدل "الملكي الناصري": "الملك لله".
فلما تقرّر ذلك عزما على مسْك دمرداش وابن أَخيه قرقماس، فهرب دمرداش ولحق بالعجل بن نعير ثم سار إلى الناصر، وهرب أَيضا مقبل الرومي فلحق بالناصر لمّا قدم غزة، ورجع شيخ إلى دمشق - ومعه يشبك بن أَزدمر - وأَفرج عن سودون الجلب وغيره من المأْسورين بقلعة المرقب، وأَشاع أَنه يريد التوجّه إلى عسكره، فتوجّه إلى العربان فأَوقع بهم وأَخذ لهم جمالًا وأَغنامًا كثيرة، وخرج من دمشق ومعه جانم نائب حماة فتوجها (^٢) إلى جهة حلب.
ووصل القاضي شمس الدين الإِخنائي مع النَّاصر فأُعيد إلى قضاء دمشق وصُرِف الباعوني إلى خطابة القدس وخطب الإخنائي.
* * *
وأَما نوروز فمضى إلى حلب فتسلَّمها، واستمر السلطان في السير إلى الشام، وقرّر في نيابة الغيبة أَرغون نائب السلطنة بباب السلسلة وكمشبغا الجمالي بالقلعة وإينال الصلصلاني الحاجب لفصل الحكومات؛ وأَنفق في هذه السَّفرة من الأَموال ما لا يدخل تحت الحصْر (^٣) والضبط، فأَعطى لتغري بردي وبكتمر جلق ستة آلاف دينار، ولكل مقدمٍ ألفَيْ دينار، ولكل طبلخاناه خمسمائة دينار، ولكل أَمير عشرين ثلاثمائة، ولكل أَمير عشرة مائتين ولكل مملوك مائة، فكانت النفقة وحدها نحو خمسمائة أَلف دينار خارجًا عن الخيول والجمال وما يحتاج إليه من البَرْك (^٤) والخلع وغير ذلك.
_________________
(١) أمامها في هامش هـ "أي شيخ ونوروز".
(٢) ساقطة من هـ.
(٣) "الحصر و" غير واردة في هـ.
(٤) بلا تنقيط في هـ.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
فلما وصلوا إلى غزة بلغهم خبر شيخ فتشاور بكتمر جلق فوصل إلى دمشق في سابع عشري ربيع الأَول صبيحة خروج شيخٍ منها فأَدرك جماعةً من أَصحاب شيخ فقبض عليهم.
وقدم الناصر صحبة جريدة لكبس شيخ ففاته، ثم قدمت أَثقال الناصر ونودِي بالأَمان، وقَرر الناصرُ في نيابة دمشق نوروز ونودي بذلك ليطمئن ويحضر إليه، وقَرّر في نيابة طرابلس يشبك الموساوي بعد أَن بذل فيها مائة ألف دينار.
وبرز الناصر إلى برزة في العشر الأَول من ربيع الأَول، واستناب بدمشق شاهين الزردكاش، وقَبض على شرف الدين موسى الملكاوي واتَّهمه بإِخفاءِ صدْر الدين بن الأَدمي وكان إذ ذاك قاضي الحنفية وكاتب السرّ عند شيخٍ فدلّ عليه، فلما أَتاه الطلب هرب ثم قُبض عليه فسُجن بقلعة دمشق في سابع جمادى الأُولى.
* * *
واستمر سيْرُ الناصر إلى حلب ثم خرج منها في نصف الشهر، فلمَّا أَحسَّ الأُمراءُ بمسيره مضوا إلى مرعش فتلقَّاهم على باك وناصر الدين ولدا خليل بن ذلغادر فأَقاموا عندهما، ثم بلغهم خروج الناصر من حلب في طلبهم فرحلوا إلى كِلْوَة (^١) ثم إلى قيسارية فنزل الناصر بالأَبلستين، وكتب إلى شيخ ونوروز يُخيّرهما بين الخروج من مملكته وبين (^٢) الوقوف لمحاربته أو الوصول لخدمته ليفعل فيهما ما شاءَ، وأَنّه عزم على الإِقامة بمكانه السنتين أَو الثلاث حتى ينال غرضه منهم، فأَجابه شيخ يعتذر بما خامر قلبه من الخوف وأَنه المانع له من الحضور وأَنه لا يقابل السلطان أَبدا، وأَنه إن لم يسمح له السلطان بنيابة دمشق فلينعم عليه بنيابة أبلستين ولنوروز بنيابة ملطية وليشبك بن أَزدمر بعينتاب، وتُفَرَّق القلاع على بقية الأُمراءِ ليحفظوها فإنهم أَحَقُّ من التركمان والأَكراد المفسدين، فلم يذعن (^٣) السلطان لذلك وأَرسل إلى دمشق يستدعى الأَموال، وأَمرهم
_________________
(١) اكتفى مراصد الاطلاع ٣/ ١١٧٧ في تعريف موقعها بأن قال إنها موضع بأرض الزنج.
(٢) "أو" في هـ.
(٣) "يرض" في هـ.
[ ٢ / ٤٥١ ]
أن يوزعوا على البساتين وغيرها من الطواحين والحمامات وغيرها نصف ما كان يأْخذه نوروز، وأَهلُ القرى حينئذٍ يُجْبى منهم الشعير. وأَحْدَثوا عليهم شعيرًا آخر ليزرع الفصيل الذي ترعاه الخيول.
ووصل إلى الناصر من التركمان والعربان ونوّاب القلاع خلق كثير، ووصلت إليه رُسل قرا يوسف ورُسل صاحب ماردين ورُسل قرايلك بتقادمهم وهداياهم، فكثرت العساكر وقلَّتِ الأَقوات، وظهر المللُ في العسكر وبدت نفْرتُهم من طول الإِقامة.
فأُلزم ولدا ذُلغادر: محمد وعلي بالقبض على نوروز وشيخ ومن معهما وطردهما من البلاد، ورجع إلى حلب.
فلما رجع توجّه سودون الجلب من عسكر نوروز وشيخ فغلب على الكرك، وخرج نائب دمشق في طلبه لمّا بلغه أَنَّه مرّ عليه فلم يدْركه، وفاتهم أَيضا جانم وقرقماس فتوجّها إلى ملطية ثم افترقا، وقدم قرقماس على الناصر بحلب فأَكرمه وولَّاه نيابة صفد، ثم قدم جانم فولاه نيابة طرابلس، ثم قدم تغري بردي - ابن أَخي دمرداش - فقُرّر في نيابة صفد وعُوّض عنها أَخوه قرقماس بحلب، وكان استناب في دمشق بكتمر جلق، وكان استناب حيدر - نائب قلعة المرقب - على طرابلس فتوجّه إليها وبها حسن بن محبّ الدين أُستادار شيخ وعلم الدين وصلاح الدين ولدا ابن الكويز من جهته فحاصرهم، ثم صُرف عن النيابة وسار إليها جانم المذكور قبل، وأَرسل الناصر إلى أَلطنبغا العثماني وقنباي المحمدي يطلبهما من دمشق فتوجّها إليه في خامس رجب.
ووصل بكتمر جلق في السادس منه فاستقرّ بها، ووصل فيروز الخزندار لإخراج من بقي مِن المماليك بدمشق. ووقعت بينه وبين نائب أَلبيرة وبين سودون المحمّدي حرب، فأَرسل الناصرُ مَن أَخذ قلعة الروم وأَرسل بلبان يحاصر كزل - من الشيخية - بصهيون، وأَرسل
[ ٢ / ٤٥٢ ]
تنكز إلى حصن الأَكراد ومعه ابن إينال، وأَرسل إلى دمشق بالقبض على جماعةٍ من المخامرين.
* * *
فلما كان في السادس من رجب ركب بكتمر جلق ورفع علم السلطان ونادى: "من أَطاع السلطان فلْيقف تحت العلم! "، فتسارعوا إليه إلَّا قليلًا ومضوا إلى الميدان ودقُّوا طبلًا وقبضوا على قَنبَاي ونَكْبَاي وتوجّهوا، فتبعهم بقية العسكر فلم يلحقوهم، واستمر أُولئك إلى أَن دخلوا الكرك وكبيرهم برْدبك الخزندار، فلما بلغ الناصرَ خبرُ الكرك أَرسل تقليدَ نيابتها لسودون الجلب يستميله بذلك، ثم رحل الناصر فوصل إلى دمشق في أَواخر رجب.
ولما تحقق شيخ ونوروز رحيله من حلب توجها إلى عينتاب وسلكا البريّة طالبين الشام، فركب الناصرُ من حلب على حين غفلة فقدم دمشق في أَربعة أَيام، واستأْذنه القاضي جلال الدين في التوجه إلى القاهرة بسبب تجهيز الحرمين فأذن له فسار منها في ثامن شعبان.
وسار أيضا مجدُ الدين بن الهيصم ناظرُ الخاص فقدم القاهرة في ثامن عشر شعبان وبالغ في المصادرات وطلب الأَموال من غير حقها، حتَّى إنه أَحضر صحبته مراسم بإبطال المواريث الأَهلية حتى مَن له ولدٌ أَو والد، فلم يُمْهَل ومات في ليلة العشرين منه وسُرَّ الناس بموته.
وظفر الناصر بستةٍ من أَصحاب شيخ بدمشق فأَمر بهم فوُسِّطوا، وقدم الخير بوصول شيخ ونوروز إلى أَرض البلقاء في مائتين وخمسين فارسًا، وكان السبب في ذلك أَنهم تفرّقوا بعد رجوعهم من قيسارية عند تل باشر (^١) ولحق بدمشق وصلب منهم عدة وافرة واختفى آخرون.
_________________
(١) تل باشر اسم يطلق على قلعة حصينة وكورة شمالي حلب انظر مراصد الإطلاع ١/ ٢٦٩،: Dussaud Topographie Hist. de la Syrie، p. ٤٦٨; Le Strange: op. cit. p. ٥٤٢.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وفرّ شيخ ونوروز في خواصّهما إلى تدمر فامتاروا منها، ثم مضوا إلى صرخد ولم يستقروا بها، ثم مضوا إلى البلقاء فدخلوا إلى القدس، ثم رجعوا إلى غزة فدخلوها في سادس عشري شعبان، ومات منهم بالبلقاء تَمرْبُغَا المشطوب وإينال المنقار بالطاعون في حسبان، ولحق بهم سودون الجلب من الكرك فأَخذوا منه عدةً كبيرة من الخيول، ثم رحلوا منها في صبيحة الثالث من رمضان، ورجع الجلب إلى الكرك، فجهَّز الناصرُ في إثرهم بكتمر جلق على عسكر كبير، فساروا إلى زرع، ثم أَلحقه بطوغان فساروا في أَواخر شعبان فاجتمعوا بقاقون (^١) في الثاني من رمضان، فساروا جميعا إلى غزة فقدموها في ثالثه وقد رحل منها شيخ وأَصحابه بكرة النهار، فوجدوا نائب غزة خاير بك قد تبعهم إلى الزعقة فاستراحوا بغزَّة، وبعث بكتمر شاهين الزردكاش وغيره على البرية إلى القاهرة يحذّرهم بمجئ شيخ ومن معه.
وخرج من غزة في الخامس من رمضان فاستمرّ شيخ ومَن معه متوجّهين إلى القاهرة، فمات شاهين دويداره بالصالحية فدفنه هناك وحزن عليه كثيرا، وكان (^٢) من الفرسان المعدودين ميمون النقيبة، لم يرسله أُستاذه في جهة إلَّا وكان على وجهه النصر.
* * *
واستمر شيخ ومَن معه إلى القاهرة، فاستعدّ أَرغون نائب الغيبة ومَن معه للحصار فوصلوا في الثامن من رمضان، وهم: شيخ ونوروز ويشبك بن أَزدمر وبردبك وقنباي وسودون بقجة وسودون المحمّدي ويشبكُ العثماني وقَمَشْ وأَتباعهم، والتفّ عليهم جمْعٌ كثير من عرب الشرقية، فتوجّه شيخ من ناحية المطريّة إلى بولاق إلى الميدان الكبير إلى الصليبة إلى الرميلة، فبرز لهم إينال الصصلاني الحاجب فصدّهم عن القلعة، فتوجّهوا إلى بيت نوروز بالرميلة واجتمع عليهم خلق كثير من الغوغاء، وأَرسل شيخ رجلًا إلى القاهرة فنادى بالأَمان ورفْع الظلم وترخيص سعر الذهب والقمح، فمال الناس إليه وساعدوه؛
_________________
(١) قلعة من أعمال فلسطين قرب الرملة كما أشار إلى ذلك ياقوت في معجمه، وهي تعتبر داخلة من نواحي قيسرية على ساحل الشام، وتعرف في المصادر الصليبية باسم Quaquo Chaco، Caco، انظر في ذلك Le Strange: Palestine Under the Moslems، p. ٤٧٥.
(٢) يقصد بذلك دويداره شاهين، انظر ترجمة رقم ١٠ ص ٤٧٠ وحاشية رقم ٣ بها.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
فتوجّه بمن معه إلى مدرسة الأَشرف فملكها ثم مدرسة حسن، ورموا على الإصطبل ففرّ أَرغون فدخل القلعة بمفرده، وأَمر شيخ بإخراج من في جميع الحبوس من المسجونين فاطلقوا، وكان بعض ذلك بمباشرة يشبك بن أَزدمر بحيث أَنه هدم ما فوق خوخة أَيتمش وسهَّل الدخول للراكبين منها فدخلوا وفتحوا باب زويلة، فهرب حسين وإلى القاهرة وتوجّه إلى حبس الديلم فكسر بابه وأَخرج مَن فيه.
وأَمر شيخ بتَتَبّع الخيول من الإصطبلات وغيرها فأَخذ منها ما يحتاج إليه، ثم هجم على باب السلسلة فأَخذ الإصطبل، وجلس في الحرّاقة، وتوجّهوا إلى باب القلعة فطلبوا فتْحه فكلَّمهم الزمام من وراءِ الباب فقال: "إن حريم السلطان في القلعة"، فقالوا: "مالنا غرض في النهب بل نريد أَن نأْخذ ابن السلطان ونسلطنه" فقال: "ليحضر منكم إلى باب السرّ إثنان أَو ثلاثة فيحلفوا وأَنا أُسَلِّمه لكم"، وقصد إبْطاءَه ليحضر العسكر السلطاني، فباتوا. فلمّا أَصبحوا لاحت بوارق العسكر وارتفع العجاج وأُشيع أَن الناصر وصل، فارتفعت الأَصوات في القلعة بذلك وهلَّلوا وكبّروا، فركب شيخ وأَصحابه مِن ساعتهم نحو باب القرافة، فكبا بالأَمير شيخ جواده فبادر أَصحابه فأَركبوه غيره ولم يجسر أَحدٌ على اتِّبَاعِهم، وكان العسكر الواصل فيه بكتمر جلق وطوغان ومن معهما، فقبضوا من المذكورين على جماعة منهم بَردْبِك وبَرْسَبَاي وقَرَابُشْتُك (^١).
وكان السبب في قدوم هؤلاء بهذه السرعة أَنَّ النَّاصر لمّا وصل دمشق وقيل له إن نوروز ومن معه توجهوا إلى صرْخد جهَّز بكتمر جلق وطوغان الدويدار ويشبك الموساوي وقنباي وأَسنبغا الزردكاش وأَلطنبغا العثماني ومَن معهم - وكانوا قَدْر أَلفِ نفس - ليحاصِروا نوروز ومَن معه ويقبضوا عليهم.
فلما وصلوا إلى صرخد قيل لهم قد توجهوا إلى غزَّة فاستمرّوا خلفهم إلى غزة، فقيل لهم توجّهوا إلى نحو مصر فاختلفوا، فقال بكتمر ومن معه: "ما معنا مرسوم بالروح لمصر"، وخالفهم الأَكثر فاحتاج أَن يوافقهم وتوجّهوا إلى مصر مسرعين، فاتفق وصولهم
_________________
(١) في هـ "قراكسك".
[ ٢ / ٤٥٥ ]
حين أَراد نائب الغيبة بالقلعة أَن يسلم القلعة فبطل ذلك فجأَة، وظنّ شيخ ومَن معه أَن السلطان في العسكر المذكور فانهزموا، ولو تحقَّق أَنَّ رأْسهم بكتمر لما انهزم ولعلمهم أَن بكتمر لا يقوم قدّامه.
واعتذر مَن قدم من عدم اتباعهم للمنهزمين أَن خيولهم كانت أَعْيَتْ - وكذلك الرجال - من توالي الركض حتى أَدركوا ما أَدركوا.
* * *
وسار شيخ بمن معه إلى إطفيح ثم إلى السويس فأَخلوا منها عليقا وجمالًا، وسار بهم شعبان بن عيسى في درب الحاج إلى نخل وافترقوا حينئذ فرقتين: فرقة رأَسها نوروز ومعه يشبك بن أَزدمر وسودون بقجة، وفرقة فيها شيخ ومعه سودون قرا صقل وسودون المحمّدي، فوصلوا إلى الشوبك ثم إلى الكرك فتلقّاهم سودون وأَدخلهم المدينة.
فلما كان في وسط ذي القعدة توجّه شيخ إلى الحمّام بالكرك ومعه قانْباي المحمّدي وسودون وطائفة يسيرة، فبادر أَحمد بن أبي العباس الحاجب بالكرك وأَراد الفتك بهم ومعه جمعٌ كثير فاقتحموا الحمام فسبقهم بعض مماليك شيخ فأَعلمه فنهض وفي وسطه مئزر وفي يده طاسة الحمَام، فقاتلهم وأَخرجهم من الحمام.
ثم تكاثروا عليه فأَدْركه (^١) نوروز في جماعة فكسروهم، وقد أَصاب شيخًا سهمٌ فخرج منه بسببه دم كثير فسقط مغشيًّا عليه فحُمل على بساطه وأَقام أَيامًا لا يعقِل.
وقُتل في هذه الكائنة سودون بقجة وكان شابًّا، وهو زوج بنت تمراز، وكان مع ذلك محبًّا في العلماء.
فلما وقع ذلك خشي سودون الجلب من الأُمراء أَن ينسبوه إلى الفتنة المذكورة، فهرب منهم إلى ماردين وعزم على المضيّ إلى قرا يوسف، فبلغه أَنه مشغولٌ بمحاربة ملوك الترك - مثل أَيدكي وإبراهيم الدربندي وشاه رخ بن تمرلنك - فتأَخَّر عن المضيّ إليه، ونودي بالقاهرة
_________________
(١) في ك "فأدركهم نوروز وجماعته".
[ ٢ / ٤٥٦ ]
بتهديد من آوى أَحدًا من الشيخيّة والنوروزيّة، وبَسَط حسام الدين يده في أَذى من ينتسب إليهم حتَّى منعه بعد ذلك نائبُ الغيبة.
وأَخذ بكتمر جلق من الأُستادار السلطاني أَلف دينار، وأَلزم المحتسب ببيْع قمحٍ له بأَلفي دينار وإِحضار ثمنها فعجز عن ذلك وهرب وعزل نفسه، وهو شمس الدين بن الدميري ومات بعد قليل في رمضان.
وأَخذ بكتمر من تجار الشام مالًا جزيلًا قرْضًا، وتوجّه في السادس عشر يريد دمشق فوصل إلى غزة في الثاني والعشرين منه.
* * *
وفي رمضان قُبض على شرف الدين وشمس الدين ولدَيْ التّبّاني، وعلى محب الدين بن الشحنة وشهاب الدين شُقْرِي من حلب، فقُيّدوا وأُحضروا إلى دمشق فسجنوا بالقلعة.
وأَرسل الناصر إلى جانم نائب طرابلس وتغرى بردي نائب صفد فقدما عليه في دمشق فأَرسلهما في عسكر إلى جهة شيخ، فخرجوا في سابع عشر رمضان فوصل الخبر بما اتفق في القاهرة فاستعادهم.
وأَرسل آقبغا دويدار يشبك إلى القاهرة بخِلَعٍ إلى الأُمراء المذكورين مع الثناء عليهم بما فعلوه.
وكان الخبر قد اتَّصل إلى الناصر بتقاعد طوغان وبكتمر عن القبض على شيخ ومَن معه مع قدرتهم على ذلك، فأَسرَّ ذلك في نفسه، ثم جاءَه الخبر بأَخْذ أَصحابه قلعة (^١) صرخد.
وفي العشرين من شوال أُخرج بالذين قَبض عليهم النَّاصر من دمشق مقيدين للتوجّه بهم إلى مصر، وتوجّه دمرداش إلى بلد الخليل ومعه عسكرٌ لكشف أَخبار الأُمراء الهاربين من القاهرة.
_________________
(١) غير واردة في ك.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وفي العاشر من ذي القعدة نودي بالعسكر أَن يخرجوا إلى باب النصر، وتُتُبِّعَت الحمير من الدواليب والبساتين لتُحمَل عليها الأَمتعة السلطانية، فتضرر الناس من ذلك كثيرًا وكثر الدعاءُ عليه.
وفي الخامس عشر منه خرج السلطان إلى الغوطة فنهب عقرباءَ (^١)، وكان قد سعى عنده أَن الأُمراءَ الهاربين بها فلم يجدْ منهم أَحدًا وعظم الضَّرر بالناحية المذكورة.
وفي سابع عشره خرج الناصر من دمشق ونزل بقبة يلبغا ورجع بكتمر جلق بخلعة على نيابة الشام.
فلما كان في صفر في سلخ ذي القعدة أُلزم قضاة الشام بعشرة قراقل والتجار بعشرة أُخرى.
* * *
وفي ذي القعدة خامر آقبغا شيطان - وكان على المرقب من جهة شيخ - فسار إلى جهة حلب مظهِرا طاعة السلطان، وتوجّه السلطان إلى جهة الكرك لما تحقَّق حلول الأُمراء بها وأرسل حريمه إلى القاهرة، فوصلوا ووصل صحبتهم أَكثر الأَثقال والقضاة في ذي الحجة، ووصل الناصر إلى الكرك فحاصرها، فمشى تغري بردي وتمراز الناصري في الصلح بين الناصر وبين الأُمراء إلى أَن استقرّ على أَن يكون شيخ في نيابة حلب وتستمر قلعة المرقب بيده، وأَن يكون نوروز في نيابة طرابلس، وشرط الناصر عليهما أَن لا يُخرِجا إمرةً ولا إِقطاعًا ولا وظيفةً إلَّا بأَمره، وأَن يُسلما قلعة الكرك ومدينتها له، وكذلك يسلِّم شيخ قلعة صرخد وقلعة صهيون. وحلف الجميع على الوفاء بذلك وخلع عليهم وعلى من معهم خلعًا كثيرة.
وقرر يشبك بن أَزدمر أتابكَ العساكر بدمشق، وسودون من عبد الرحمن أَميرًا بمصر، وقانباي المحمّدي أَميرا بحلب، ونزل الجميع إلى الناصر وأَكلوا على سماطه وعملوا الخدمة عنده.
ورحل الناصر عن الكرك إلى القدس، وسار تغري بردي إلى جهة دمشق وقد استقرّ نائبًا عوضًا عن بكتمر جلق، فأَقام الناصر بالقدس خمسة أَيام ورجع متوجّها إلى القاهرة.
* * *
_________________
(١) مدينة في إقليم الجولان بدمشق، انظر ياقوت ٣/ ٦٩٥، ٣٢٧. Dussaud: op. olt، p
[ ٢ / ٤٥٨ ]